بين الأَميرين الكبيرين أمير الشعراء “أحمد شوقي” وأمير البيان “شكيب أرسلان” صداقةٌ حميمةٌ لا يعلمها كثير من الناس، فبعد أن تُوفي شوقي إلى رحمة الله، ومضى على ذلك عام أو أكثر، أثارت الذكرى لاعجَ الشوق عند أرسلان:
عَواسِفُ أَوْساطِ الجُفونِ يَسُفْنَها
بمُكْتَمِنٍ، مِنْ لاعِج الحُزْنِ، واتِنِ
وزاد الحزن ، ومضَّ الأسى لما رأى أرسلان ما رأى من نسيانٍ لذكرى الراحل الكبير، وإغفالهم ذلك الشاعر النَّحرير، فالناس مذ كانوا، ينسون ، ومذ وُجدوا، يَتَخلَّون مهما كان الراحل عظيمًا، أو نابغًا، أو فهيمًا!
ولله در القائل:
لا يحسب الإنسان بعد ذهابه
مكث الأسى في عشرة وقرين
فِي الْحَال يعتاضون عَنهُ بِغَيْرِهِ
وَيعود رب الْحزن غير حَزِين
الْورْدُ كَانَ العندليبُ حليفه
لما انقضى غَنى على النِّسرين
غير أن شوقي جديرٌ ألا يُنسى، وحقيقٌ ألا يُجفى، فكلما مضت عليه السنون، وغيبته يدُ المنون ، خليق أن يزداد حياةً في النفوس، ويعظم قدرًا في البرايا كالشموس، وتسوَّد بذكراه الأوراق والطروس!
هو صاحب “الشوقيات” التي شرقت وغربت، وأحزنت وأطربت، ورواها الحادي والعادي، والرائح والغادي، وامتلأت بها الحواضر والبوادي، فهل مثل هذا ينساه ناطق بالضاد، أو يزهد فيه ضارب من الشعر بسهم ولو في برك الغماد! لا وألف لا..
وحسب الشوقيات أنها تجملت وتزينت بقصيدة “نهج البردة”.
أما شوقي فقد كان يرى أن أعظم قصائده هي النونية الآمونية:
درجتْ على الكنز القرون
وأتت على الدَّنَ السنون
وأما حافظ إبراهيم فكان يرى أن قصيدة شوقي البائية “الكازنارفونية” هي أعظم قصائده:
في الموت ما أعيا وفي أسبابهِ
كل امرئ رهنٌ بطيّ كتابهِ
ولا مشاحة في الاختلاف، فكلٌّ له ذوقه واختياره!
طُبع ديوان شوقي فأثار جدلًا واسعًا في أوساط النقاد، وهُم فيه أَنجاد وأَنكاد ، ورأوْ فيه مخايل صورتين لشاعرين متباينين، شاعرٍ أحيا بشعره الشعر القديم، وفريق رأى فيه صورة الغرب المقيم، غير أن الفريقين اتفقا على مبايعته، والاعتراف بإمارته، وكان ذلك في أوبرا القاهرة عام ،1927 وكان من أبرزهم شاعر النيل حافظ إبراهيم، وقد ألقى يومها قصيدة منها هذا البيت:
أمير القوافي قد أتيتُ مبايعًا
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
فدعاه شوقي وقبّل جبينه والدمع في عينيه، ثم شاء القدر أن يموت حافظ قبل شوقي بأسابيع، فقال شوقي يبكيه:
قد كنت أؤثر أن تقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحياء
لكن سبقتَ وكل طول سلامة
قدرٌ، وكل منية بقضاء
ووددت لو أني فداك من الردى
والكاذبون المرجفون فدائي
ولا أجد في معرض الحديث عن شوقي وشعره أجل من قول الرافعي فيه: “هذا الرجل انفلت من تاريخ الأدب لمصر وحدها، كانفلات المطرة من سحابها المتساير في الجو، فأصبحت مصر به سيدة العالم العربي في الشعر…وهو الذي وضع تاج الشعر على مفرق مصر”
وكنا نتمنى على شوقي– رحمه الله – حينما أشرف بنفسه على طبع ديوانه بجزأيه : الأول والثاني، لو أنه أرخ قصائده، ونص على مناسباتها، ليتمثل قارئ الديوان البواعث النفسية والروحية والسياسية والاجتماعية التي ألمت بشوقي حينما كتبها؟
الشوقيات بلا شك تمثل عصرها أصدق تمثيل، وشرح مناسباتها بإسهاب، يعين على ذلك ، فأين تلاميذ شوقي ومحبوه عن هذا العمل الذي يسعد شوقي ويرضيه.
فُجِعَ الأدبُ العربي بطي صحيفة أحمد شوقي، فقطع الأمير أرسلان عهدًا على نفسه أن ينشر عن ذكرياتهما معاً كتاباً يسميه “شوقي أو صداقة أربعين سنة” فصار من الوفاء بالعهد، ومن الإنجاز للوعد أن يبادر صاحب الوعد بإنجاز وعده، وقديمًا قالوا :”أنجزَ حرٌّ ما وعد”.
خرج أرسلان من مصر عام 1890 ولم يكن قد سمع بشاعرٍ اسمه “شوقي”،وذات يوم وبينما كان يطالع –أرسلان- “جريدة “الأهرام” وقع نظرهُ على أبيات في مدح الخديوي توفيق، ولأن شوقي في ذلك الوقت كان مجهولًا عنده، فإنه لم يُهدِر وقته في قراءتها,إلا أن الأمر لم يطل حتى وقعت له أبيات أخرى لهذا الذي يقال له ” شوقي” ، وهذه المرة لم يمجه، ولم يستثقله- كما يقول- بل وجد فيه ما يشده، ووجد فيه ما يستملحه، ألفى فيه شاعرًا “من حقه أن تسمعه”، فقد قَالَ الإمام أَبُو عُبَيْدَةَ: الشُّعَرَاءِ أَرْبَعَة: شَاعِرٌ، وَشُوَيْعِرٌ، وَشَعْرُوْرٌ، وابن شَعْرَة، وَأنْشَدَ:
الشُّعَرَاءُ فَاعْلَمَنَّ أَرْبَعَةٌ
فشَاعِرٌ يَجْرِي وَلَا يُجْرَى مَعَه
وَشَاعِرٌ يُشْعِرُ وَسْط المَجْمَعَه
وَشَاعِرٌ يَقُوْلُ خَمِّرْ فِي دَعَه
وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَصْفَعَه
صَفْعًا حَثِيْثًا أَوْ تعُطُّ أَخْدَعَه
وَيُرْوَى: وَشَاعِرٌ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تَسْمَعَه
ولم يطل الأمر على ذلك، حتى قرأ له قصيدته في مدح الخديوي:
إن الوشاة وإن لم أحصهم عددا
تعلموا الكيد من عينيك والفندا
ومنذ ذلك اليوم أيقن أرسلان أنه أمام شاعرٍ مطبوع،وغِرّيد مسموع، وقامة وسط الجموع، شاعرٍ جمع في أثوابه الشاعرية كلها: النسيج الرقيق ، والأسلوب الرشيق ، والحس الرفيق، واللغة العربية الفصحى ، والمعنى المتناهي في الدقة القصوى، اللابس من اللفظ أجمله ، ومن الانسجام المطرد أوله..، كل ذلك في سكب واحد، وسبك متوارد…كما قال.
فعند ذلك حكم – أرسلان- بأنه سيكون من كبار شعراء العصر، ولم يتوقع أنه سيصير أمير الشعراء بلا منازع، وفارسهم بلا مدافع!
هذا ما يقوله الأمير أرسلان عن معرفته بأمير الشعراء، أما عن لقائهما الأول، فيقول شوقي في مقدمة “الشوقيات” الطبعة الأولى سنة 1898: جمعتني “باريز” في أيام الصبا بالأمير شكيب أرسلان وأنا يومئذ في طلب العلم، والأمير – حفظه الله – في التماس الشفاء، فانعقدت بيننا الألفة بلا كلفة، وكنت في أول عهدي أنظم القصائد، وكان الأمير يقرأ ما يردُ عليه منها منشورًا في صحف مصر فتمنى أن تكون لي يومًا مجموعة، ثم تمنى علي إذا ظهرت أن أسميها:” الشوقيات” ثم انقضت تلك المدة فكأنها حلم في الكرى او خلسة المختلس، أو هي كما قلت :
صحبتُ شكيباً برهةً لم يفزْ بها
سواي على أن الصحابَ كثير
حرصتُ عليها آنة ثم آنة
كما ضنَّ بالماس الكريمِ خبير
وقد كان شوقي-يومها- يدرس في فرنسا علم الحقوق في مدينة “مونبليه”، أما الأمير أرسلان فكان فيها للسياحة والاستشفاء، فما كان من الأمير أرسلان بعدها إلا أن أرسل إليه من بيروت صورته مكتوبًا تحتها:
لئن كنتُ أحمد شوقي إليَّ
فما زلت أحمد شوقي إليك
رعى لك قلبي وداداً به
أضن على الكل إلا عليك
ولم يكتف أرسلان بذلك، بل كان يكثرُ مداعبة شوقي، من خلال معارضاته الشعرية له، ومما يذكر لأرسلان تعظيمه أمير الشعراء،ومعرفته فضله، وكان يفتخر به في كل مجلس، ويزهو به في كل مغرس، ويستشهد بغرر أبياته، ويتمثل بآياته، وقد نقل هذا عنه غير واحد من الأدباء والشعراء، ولا سيما شاعر القطرين “خليل مطران” الذي أخلص بدوره المودة لشوقي،ويقول عن شوقي:”إنه شاعر العبقرية” ، فكان يقول لشوقي:”إن شكيب لا يحسدك… وتراه دائمًا مفتخرًا بك”.
وقد صدق مطران، فإن من يقرأ أعمال شكيب أرسلان يجد شيئًا من ذلك! وعندما كان يُسألُ عن سر إبداع شوقي في شعره، كان يجيب السائل: “إن شوقي وقفَ نفسه على هذه الصنعة،لا يهمه أن يتقن غيرها ، وصارت له غرامًا، فهو يفكر في الشعر آناء ليله وأطراف نهاره، يستنبط المعاني الغريبة،وكلما عنَّ له معنى قيده، ولكم انفتق ذهنه عن مرمى أحرزه، وهيأ له قالبًا رائعًا أفرزه، حتى إذا جاء أول فرصة أودعه إياها”.
وهذا قول حق، فمن المعلوم أن صاحبَ الصنعةِ إنما يتقدم فيها إذا كان راغبًا لا متكلفًا، ومغرمًا لا متبرمًا، وكان مجتهدًا أن يبدع فيها لأجل الإبداع ، ولأجل سبق غيره من الصناع. ومنذ أن لُقب شوقي “بشاعر الأمير” آلى على نفسه أن يكون مقامه في الشعر متناسبًا مع المقام العالي الذي يخدمه بشعره.وربما السبب الحقيقي –في رأيي- وراء إبداع شوقي وعلو مكانته في دولة الشعر، أنه أعطاه وقته كله،ولم يخلطه بغيره مما يكدر خاطره، ويعكر إحساسه، مثل السياسة والتجارة والزراعة، ولا عمل من الأعمال الأخرى التي يتعاطاها الناس، وكثيرًا ما قرنوا بعضها ببعض فأخذ العمل الواحد من قوة الآخر.
ومما يروى عن الإمام الشافعي قوله- عندما سئل عن إبداعه-: “لو كُلِّفتُ بصلة لما ألفت مسألة، ونظرة واحدة إلى الحكماء والعلماء والأدباء في كل عصر وحين تنبئك بالخبر اليقين ولا ينبئك مثل خبير”.
وهنا كلمة لا بد من قولها: “قد عاب بعضهم على شوقي قضاءه عمره في مدح الأمير والإشادة به، وعدوا ذلك تزلفًا ونفاقًا لالتماس الجائزة، مستشهدين على ذلك بقول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، وهذا باب مستقل بذاته، والحديث عنه يحتاج إلى مقالات، غير أنه من عادة الملوك أن ينتدبوا لأنفسهم شعراء مفلقين، وكتاب مبرزين، وخطباء مفوهين،عملهم الإشادة بذكرهم في المحافل، وتقديمهم على الأواخر والأوائل، وقد يبالغ بعضهم فيسبغُ على ممدوحهِ ما ليس فيه كقول أحدهم.
قَالوا وينظمُ فارسين بطعنة
يوم اللقاء، و لا يراهُ جليلا
لا تعجبوا، لو أنّ طول قناته
ميل إذا نظمَ الفوارسَ ميلا
فلو سلمنا بوجود السائل،فأين نجد من ينظم فارسين بطعنة واحدة، ويكون ذلك عنده هينًا!
وقال الآخر:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدارُ
فاحكم فأنت الواحد القهارُ
فانظر إليه كيف أنكر القدر الذي هو ركنٌ من أركان الإيمان، و كيف كذب قول الله تعالى في القرآن الكريم: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)، وهذا بابه واسع.
والحديث في مقالنا هذا مقصور في المقام الأول على صداقة الأميرين ، والحديث عن شاعرية شوقي تأتي تبعا لا أصالة.
ومن الأشياء التي ذكرها الأمير أرسلان لشوقي عفة لسانه عن الهجاء،وتنكبه طريقًا طالما سلكها الشعراء، وهذا يدل على أن في طبعه نقاء ، وفي إحساسه صفاء، وفي خلقه حياء، وقد عرف عنه فرط حيائه، ورجاحة عقله، وأصالة رأيه، وللطغرائي:
أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ
وحِليةُ الفضلِ زانتني لدَى العَطَلِ
وللمقال تتمة، نتحدث فيها عن جوانب أخرى من حياة شوقي وشعره إن شاء الله