
د. أحمد الزبيدي
حفلت اللغةُ العربية منذ القدم بالجوانب اللغوية والتركيبية لجملة من الأساليب؛ ولا سيما أسلوب (الالتفات)، حتى إذا جاء القرآن الكريم، راعى تلك الأساليب و أبان عن اللطائف والفوائد المرجوة فيها، وأبرز جمالياتها، و بلاغة أساليبها ، واستكنه ما لها من تأثيرات نفسية وأبعاد احتجاجية في الآيات والسور. جاء في المعاجم العربية أن الالتفات والتلفت إلى الشيء؛ هو صرف الوجه إليه.
أما في الاصلاح فقد عرفه الفخر الرازي بأنه :” انْتِقَالُ الْكَلَامِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَبِالْعَكْسِ”.
وقال السكاكي ” الإيضاح في علوم البلاغة”(2/85) “الالتفات: غير مختص بالمسند إليه، ولا بهذا القدر، بل التكلم والخطاب والغيبة مطلقًا ينقل كل واحد منها إلى الآخر، ويسمى هذا النقل التفاتًا عند علماء المعاني”،وقد عرفه الإمام الحجة الطاهر بن عاشور بقوله : ” الِالْتِفَاتَ وَهُوَ نَقْلُ الْكَلَامِ مِنْ أَحَدِ طُرُقِ التَّكَلُّمِ أَوِ الْخِطَابِ أَوِ الْغَيْبَةِ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ مِنْهَا، وَهُوَ بِمُجَرَّدِهِ مَعْدُودٌ مِنَ الْفَصَاحَةِ”، وقد ذكره مرة اخرى في مقام الثناء عليه، بقوله : “وَمِنْ أَسَالِيبِهِ-القرآن- مَا أُسَمِّيهِ بِالتَّفَنُّنِ وَهُوَ بَدَاعَةُ تَنَقُّلَاتِهِ مِنْ فَنٍّ إِلَى فَنٍّ بِطَرَائِقِ الِاعْتِرَاض والتنظير والتذليل وَالْإِتْيَانِ بِالْمُتَرَادِفَاتِ عِنْدَ التَّكْرِيرِ تَجَنُّبًا لِثِقَلِ تَكْرِيرِ الْكَلِمِ، وَكَذَلِكَ الْإِكْثَارُ مِنْ أُسْلُوبِ الِالْتِفَاتِ الْمَعْدُودِ مِنْ أَعْظَمِ أَسَالِيبِ التَّفَنُّنِ عِنْدَ بُلَغَاءِ الْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، ثُمَّ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَقْصُودِ فَيَكُونُ السَّامِعُونَ فِي نَشَاطٍ مُتَجَدِّدٍ بِسَمَاعِهِ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَبْدَعِ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ. أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . [الْبَقَرَة: 17- 20].
على أن لفظة “الالتفات” قد ذكرت في القرآن في آيتين.
الآية الأولى: في قوله تعالى في سورة [ هود: 81] عليه السلام :{قَالُواْ يَٰا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ}.. قال الفخر الرازي :”نَهَى مَنْ مَعَهُ عَنِ الِالْتِفَاتِ، وَالِالْتِفَاتُ نَظَرُ الْإِنْسَانِ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ فِي الْبَلْدَةِ أَمْوَالٌ وَأَقْمِشَةٌ وَأَصْدِقَاءُ، فَالْمَلَائِكَةُ أَمَرُوهُمْ بِأَنْ يَخْرُجُوا وَيَتْرُكُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَلَا يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا أَلْبَتَّةَ، وَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ قَطْعَ الْقَلْبِ عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَقَدْ يُرَادُ مِنْهُ الِانْصِرَافُ أَيْضًا”. كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا}..[يُونُسَ: 78] أَيْ لِتَصْرِفَنَا، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ النَّهْيُ عَنِ التَّخَلُّفِ.
الآية الثانية : في سورة يونس عليه السلام : [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا] [ سورة يونس: 78] قال الفخر الرازي: أَيْ: لِتَصْرِفَنَا.
ويعدُّ الإمام أبو عبيدة (المتوفى 210 هـ) من أوائل العلماء الذين فطنوا لأسلوب الالتفات، وقد عبر عنه بقوله :ومن المجاز ما جاءت مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت إلى مخاطبة الغائب”.
في الشعر الجاهلي
كَانَ لأسلوب الالتفات وغيره من الأساليب البلاغية والبيانية عنْد الجاهليين الْمكانُ الْقَصِيُّ وَالْقَدْرُ الْعَلِيُّ فِي باب الْبلاغة، وَبِهِا فَاقَ امْرُؤُ الْقَيْسِ غيره من الشعراء، وذكروا أنه قد التَفَتَ ثلاثة التفاتات في ثلاثة أبيات:
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأثْمدِ
ونَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
وَباتَ وَباتَتْ لَهُ لَيْلَة
كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ
وذلكَ من نَبَأٍ جاءني
وَخُبِّرْتُهُ عَنْ أبي الأسْوَدِ
وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرّفهم فيه؛ ولأن الكلام إذا نُقِلَ من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطريةً لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختصّ مواقعه بفوائد.
عند الإمام ابن جني
لقد رأينا الإمام أَبا الْفَتْحِ ابْن جِنِّي في كتابه “الخصائص”يبالغ في تقديره لأسلوب الالتفات ويسميه “شَجَاعَةَ الْعَرَبِيَّةِ” يشير بذلك إلى حِدَّةِ الذِهْنِ وتفننه في تَصْرِيفِ أَسَالِيبِ الكلام كَيْفَ يشَاءَ؛ كَمَا يَتَصَرَّفُ الكميُّ الشُّجَاعُ كرًا وفرًا فِي حومة الْوَغَى .
عند الزمخشري
يُعدُّ أسلوب الالتفات عند الإمام الزمخشري ذا قيمة جمالية ضافية، تمثلت في : مراعاة الحس اللغوي والنفسي، وفي صدمة المتلقي توخيًا للإفهام والفهم، والإقناع والاقتناع، فهو يکشف خوالج النفس، ويجعل المتلقي راغبًا في المتابعة والتفاعل والانصهار ، وهو عنده طريقة من طرق البلاغة، وأسلوب من أساليبها ومزية من مزاياهما؛ وهو يوشي الكلام حسنًا وروعة لما فيه من التلوُّن والافتنان، وقد أشار الزمخشري إلى جملة من فوائده، وهو يريد بذلك الأبعاد الفنيّة والجمالية يتركها أسلوب الالتفات.
و في صدد فوائد الالتفات قال الزمخشري: “إنّ الكلام إذا نُقِلَ من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطريةً لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد”، وقال في مكان آخر: “إنه فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع… وهكذا الافتنان في الحديث، والخروج فيه من صنف إلى صنف يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول”، وهذا يعني أنّ الالتفات -كما يراه الزمخشري- يأتي مراعاةً لأحوال المتلقِّي (السامع) النفسيّة، وتخليص الكلام من الرّتَابة التي تبعث على الملل في نفس السامع، ويأتي في المرتبة الثانية في مراعاة “الالتفات” الأسلوب والوقوف عنده مرات وكرات في تفسيره، حسب قول الإمام الفخر الرازي حتى أنه قال في أحد المواضع:” هَذَا مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِرَارًا”، وقال مرة أخرى :” …عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ وَهِيَ أَبْلَغُ فِي الوعيد”.
وقد ذكر -رحمه الله- الحكمة من هذا الأسلوب عند تفسيره للآية الكريمة(10) من سورة “لقمان”،
{خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}.. قال : ” وَالْعُدُولُ مِنَ الْمُغَايَبَةِ إِلَى النَّفْسِ فِيهِ فَصَاحَةٌ وَحِكْمَةٌ، أَمَّا الْفَصَاحَةُ فَمَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الِالْتِفَاتِ مِنْ أَنَّ السَّامِعَ إِذَا سَمِعَ كَلَامًا طَوِيلًا مِنْ نَمَطٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ وَرَدَ عَلَيْهِ نَمَطٌ آخَرُ يَسْتَطْيِبُهُ أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ قَالَ زَيْدٌ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ خَالِدٌ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ عَمْرٌو كَذَا ثُمَّ إِنَّ بَكْرًا قَالَ قَوْلًا حَسَنًا يُسْتَطَابُ لِمَا قَدْ تَكَرَّرَ الْقَوْلُ مِرَارًا. وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ ثَقِيلٌ، وَالسَّمَاءُ فِي غَيْرِ مَكَانٍ قَدْ يَقَعُ لِجَاهِلٍ أَنَّهُ بِالطَّبْعِ، وَبَثُّ الدَّوَابِّ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ بِاخْتِيَارِ الدَّابَّةِ، لِأَنَّ لَهَا اختيار، فَنَقُولُ الْأَوَّلُ طَبِيعِيٌّ وَالْآخَرُ”.
ويظهر لنا من قول الرازي أن العدول في هذه الآية جرى على طريق الغيبة في قوله تعالى: [خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ] ،ثم انتقل إلى طريق التكلم{ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً}، فكان هذا التحول في السياق ذا مغزى مهم ، وهو: تعلقه أولا بقدرة الله على الخلق، وإشارته ثانيا إلى نعمة من نعم الله الظاهرة المتمثلة في إنزال المطر ، فلما كان هذا الانزال من نعم الله الظاهرة أسنده سبحانه إلى نفسه العلية صريحا، لينتبه الانسان إلى ذلك، وليشكر النعمة التي أحاطها الله به ،فيزيده سبحانه من رحمته.
وقد قسم العلماء الالتفات إلى أقسام :
1- الالتفات من المتكلم إلى المخاطب: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[يس: 22]، يقول: ولقد وضع قوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} مكان قوله:
{وما لكم لا تعبدون الذي فطركم}، ألا ترى إلى قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؟ ولولا أنه قصد ذلك لقال: (الذي فطرني وإليه أرجع).
2- من المتكلم إلى الغائب:
{طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى}.[طه: 1-4]، يقول: «فإنْ قُلْتَ: ما فائدة النّقْلة من لفظ المتكلّم إلى لفظ الغائبِ؟ قلتُ: غير واحدة؛ منها عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحُسْنِ والرَّوْعة، ومنها أنّ هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغَيْبة، ومنها أنه قال أولًا: {أَنزَلْنَا}، ففخّم بالاستناد إلى ضمير الواحد المطاع، ثم ثنّى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد؛ فضوعفت الفخامة من طريقَين».
3- من المخاطب إلى المتكلم
السلام عليكم وكل عام وانتم بخير
سؤال يا دكتور ما الفرق بين الالتفات والالتفاف للفائدة
مع الشكر