محمد العامري و أحمد الجسمي و عبدالإله عبدالقادرمارية طورمشعمر غباشمحمد قاسم محمد
الشارقة – “البعد المفتوح”:
نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة مساء الخميس 27 نوفمبر 2025 أمسية بعنوان “وفاء للمسرح” احتفاء بالمسرحي عبد الإله عبد القادر وكتابه “فضاءات المسرح العربي: قاسم محمد نموذجًا” الصادر حديثا عن دائرة الثقافة في الشارقة، والذي كرسه لسيرة ومنجز ذلك الرائد المسرحي العربي الكبير، وتحدث في الأمسية كل من عبد الإله عبد القادر والفنان أحمد الجسمي والمخرج محمد العامري، وقدمتها مارية محيي الدين طورمش قائلة: ما أجمل أن نستذكر “نحن كبشر زائلون ويبقى المسرح ما بقيت الحياة”.. هكذا أطلقها حضرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ونحن في رحاب رؤاه ومن هذا الصرح الثقافي مساؤكم مسرح .. ومساؤكم وفاءٌ له .. مساءٌ نلتقي فيه على محبة المسرح .. على خشبةٍ لا تنطفئ أضواؤها، خشبةٍ حملت ذاكرةَ هذا الوطن، وشهدت ولادة أجيالٍ من الحالمين. الخشبة التي تجمعنا اليوم لا لتضيئ الوجوهَ فحسب، بل لتنير الذاكرة والروح.
و أضافت مارية طورموش في تقديمها: “نلتقي هذا المساء على محبة المسرح، على خشبةٍ لا تنطفئ أضواؤها، خشبةٍ حملت الذاكرة، وشهدت ولادة أجيالٍ من الحالمين، خشبة تنير لنا الذاكرة والروح في هذه الأمسية التكريمية التي تأتي وفاءً للمسرح، واحتفاءً بمبدعٍ كبيرٍ من مبدعيه: هو عبد الإله عبد القادر، الكاتبٌ، والمخرج، والمؤطر والمؤسس والأب الروحي لأجيال من المسرحيين، والذي رافق المسرح الإماراتي منذ بداياته، فكان شاهدًا على نضجه، وشريكًا في تطوره، وصانعًا لمساحات من الضوء لا تُنسى، ونحلق معه في سماء إصداره الجديد “فضاءات المسرح العربي: قاسم محمد نموذجًا” الذي كتبه بروح الصديق الوفي، وبوعي المسرحي العارف للمخرج الكبير قاسم محمد، وما أدراك ما قاسم محمد، مخرجٌ حمل معه من العراق إرثًا مسرحيًا عريقًا، وجاء به إلى الإمارات ليزرع فيها ذاكرة جديدة، مختلفة، ثرية هو المبدع الذي أعاد تشكيل اللغة المسرحية، وأطلق الخيال، ودرّب وألهم وصنع علامات في تاريخ الخشبة العربية”.
حضر الأمسية د. عمر عبد العزيز رئيس مجلس إدارة النادي وعلي المغني نائب رئيس مجلس الإدارة وناصر الدرمكي عضو مجلس الإدارة، و محمد ولد سالم رئيس اللجنة الثقافية و حليفة الشيمي رئيس اللجنة الفنية ، و عدد من المسرحيين ومحبي المسرح.
الأستاذ عبد الإله عبد القادر استعرض في حديثه حياة وتجربة قاسم محمد منذ البدايات، مبينا كيف تشكلت شخصيته المسرحية بمؤثرات كثيرة كان أبلغها أثرا طفولته القاسية حين كان في وهو في السابعة من عمره مضطرا تحت ضغط الحاجة يبيع الخبز في صباحات شتاء بغداد القارس، تحت صواريخ وقنابل الحرب العالمية الثانية ليحصل مقابل ذلك على خمسة أرغفة طعاما لأهله في ظروف الحرب القاسية، فكان الألم هو المسرح الأول الذي تحرك فيه وعكسه بعد ذلك في (النخلة والجيران)، وكان والده حكواتيا فتأثر به، وأصر قاسم على دخول معهد المسرح ثم حصل على منحة للدراسة في الاتحاد السوفيتي، وتنقل بين عواصم عربية وأجنبية كثيرة، وتساءل : هل كان قاسم محمد ممثلا أو مخرجا أو مؤلفا أو دراماتورجيا أو مترجما أو منظرا أو باحثا تراثيا، ليجيب إنه كل هذه الحقول مجتمعة، فنان شمولي، كرس حياته للمسرح، وكان شعلة من العمل الذي لم يتوقف، حتى في مرضه كان يقرأ ويخطط ويتخيل مشاهد لمسرحية يعتزم إخراجها، وقد منح المسرح العربي روائع مسرحية كبيرة، فكانت مسرحيته (النخلة والجيران) نقلة نوعية في المسرح، قدم فيها التراث الشعبي العراقي بشكل مختلف عن كل تناول، حيث دخلت شخصيات شعبية عراقية في المسرح لأول مرة (الفرج، خاتون المحلة)، لقد كانت حدا فاصل في تاريخ المسرح العراقي، فتحت الباب لطرق جديدة في تناول الترات العراقي الثري واستلهام أشكاله الاحتفالية على خشبة المسرح، وكذلك فعلت في المسرح الحربي، فكان تأثيره بالغا من هذه الناحية.
وعن تجربة قاسم محمد مع المسرح الإماراتي قال عبد الإله إنه كان إضافة فنية للمسرح الإماراتي، وكانت الإمارات حاضنة فريدة لعبقريته وعطائه، وقد تلاقى فهمه للمسرح ورؤيته للتراث والتاريخ ودوره مع رؤية وفهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الفريدة للتاريخ والتراث ولدور المسرح في تشكليل الوعي والوجدان، وهي رؤية جعلت من صاحب السمو حاكم الشارقة حالة فريدة بين الحكام، فتجاوز كونه حاكمًا إلى كونه الأستاذ الجامعي والباحث المؤرخ والمؤلف والكاتب المسرحي والداعم الدائم للمسرح، وكان من ثمرة هذا الالتقاء بين القامتين أن أخرج قاسم محمد لصاحب السمو ثلاث مسرحيات بديعة، هي (عودة هولاكو والقضية والواقع صورة طبق الأصل).
بعد ذلك تحدث أحمد الجسمي عن تأثير قاسم محمد وعلاقته بالمسرح الإماراتي وفرقة مسرح الشارقة الوطني على وجه الخصوص، مشيرا إلى أن أولا إلى أن فرقة مسرح الشارقة لم يكن لها أن تستمر وتبقى حية بهذا الزخم من العطاء المستمر إلى اليوم لولا الدعم المعنوي والمادي السخي الذي تتلقاه من صاحب السمو حاكم الشارقة، وقد الفرقة في بدايتها فرقة أهلية بسيطة قبل أن ينضم إليها المخرج عبد الإله عبد القادر الذي كان شعلة من النشاط، فزرع فيها بذور العمل الجاد المتواصل، فأصبحنا نشارك في مهرجانات عربية كبيرة ونحتك بأسماء لامعة مثل قاسم محمد والطيب الصديقي و سعد الله ونوس وكرم مطاوع، لكن عبد الإله لم يلبث أن انتقل إلى مؤسسة العويس الثقافية، فكان علينا أن نبحث عن منشط مسرحي جديد، فتواصلت شخصيا مع قاسم محمد، الذي جاءنا، فكان المعلم والمخرج والمبدع، الذي تعلمنا منه بعمق، وخضنا معه تجارب عظيمة، ومنها (رحلة حنظله) لعبد الله ونوس، وكانت هذه المسرحية قد قدمت في عدة دول عربية ومن طرف مخرجين عظام، وحين اقترح قاسم محمد أن نعمل على إعدادها، ظننا أننا داخلون إلى تجربة عادية ليس فيها ما هو مميز، لكننا وجدنا أننا كنا نكتشف أنفسنا ونتعرف على طاقاتنا، وعندما عرض العمل اكتشفنا كنا نقدم تجربة عظيمة دون أن نعلم بذلك. وهذا هو الجانب العظيم في محمد قاسم، يبدأ بهدوء وبشيء مختلف يبنيه مع فرقته لبنة لبنة، فيعلمهم من خلاله ويطلق مواهبهم ليبعدعوا ويصلوا في النهاية إلى ذلك الشيء العظيم المميز.
وختم الجسمي بقوله:تشرفت بأنني عملت مع مخرجين مسرحيين عرب عظام واستفدت منهم كثيرًا، لكن قاسم كان مختلفا عن كل أولئك، تعلمنا منه معنى أن نكون ممثلين ومسؤولية الوقوف على الخشبة، ولقد استفاد منه المسرح الإماراتي بشكل عام.
وفي مداخلته قال المخرج محمد العامري: لقد كنت قريبا من قاسم محمد وتعرفت فيه على أولا على ذلك الجانب الإنساني المرهف، فقد كان يحمل في قلبه الكثير من الحب والحنان، وعلى صعيد العمل أذكر أنه لم يكن يتوقف، فكان يعمل وقت العمل ويعمل وقت الفراغ، وكان من حسن حظي أنني مثلت في مسرحيات هو مخرجها، فرأيت كيف يتحول إلى ممثل بارع في غمضة عين، يصعب علينا أن نحاكيه، وكان مدركًا لضرورة أن يوازن بين رشاقة وقوة أدائه، وبين قدراتنا كشباب في بداية مشوارهم التمثيلي، ويأخذنا بالتدريج لنرتقي إلى ما يشبه ذلك الأداء الذي أداه، كان كعربة هدايا تجر بيننا، وكان علينا أن نلتقط هذه الهدايا، لم يعطنا نظريات لكنه ترجمها لنا عمليا. كانت نصيحته لي نصحته الدائمة لي (اعمل.. لا تتوقف) فأقول: (ما عندنا مهرجان). فيقول “اعمل لتكون جاهزا إذا حان موعد المهرجان.. هكذا هو المسرح”.
د. عمر عبد العزيز قال غي هذه المناسبة، إن قاسم محمد يتخطى المدرسية الأكاديمية نحو المسرح المفتوح، متأسياً بالرائي الكبير بيتر بروك”، ومناجزا رجل الدراما الدائرية “صمويل بيكيت”، وناظرا لفلسفة التغريب الفني عند برتولد بريشت”، بل وصانعا وشائج اتصال وانفصال مع النظرات الصوفية، والتماسات الحلاج المستغورة في التروحن الوجودي العاصف حد التراجيديا العاتية، وكذا المقاربات الكلامية الاجتهادية.
وأدلى كل من عمر عباش رئيس جمعية المسرحيين في الإمارات سابقًا ، و محمد قاسم محمد شهادة في المخرج الراحل، وفي نهاية الحفل كرًم د.عمر عبدالعزيز المشاركين.