مقالات

وقفات مع المتنبي (59) د. أحمد الزبيدي – الإمارات

فلسفة الفقر عند أبي الطيب

 

د. أحمد الزبيدي

 

قال أبو الطيب المتنبي -رحمه الله- في “مُعجز أحمد” (ص12):

إلى أيِّ حينٍ أنتَ في زيِّ مُحرمِ

وحتى متى في شقوةٍ وإلى كمِ

    يخاطبُ المتنبي نفسه وكأنه يخاطب سواه، والشعراء يفعلونه كثيرًا:

إلى متى ستظل فقيرًا صعلوكًا خاليًا من المال؟

ويحتمل أن يكون مراده: إلى متى ستظل مثل المحرم خاليَا بعيدًا عن القتل والصيد، فعلى الوجه الأول يكون متذمرًا من الفقر، متضجرًا من الشقاء، ومستعيذًا منهما، ولا غرو في ذلك؛ فقد ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك، ففي صحيح مسلم (2713): «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ».

وقال الشّيخ عبد الوهّاب خلّاف في كتابه “نور من القرآن والسنة” (ص121) : حين جاء الإسلام كان إنصاف الضّعفاء من الأقوياء أظهر شعائره وأوّل أهدافه، كذلك أنصف الفقراء من الأغنياء، فقرّر في أموال الأغنياء حقّا معلوما للسّائل والمحروم، وأنصف اليتامى ممّن يتولّون أمرهم فقال سبحانه وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [النساء/ 2].

ولذلك رأينا القرآن الكريم يخاطب الأغنياء بألطف أنواع الخطاب قال : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). [البقرة/ 245].

وهو استفهام متضمّن معنى الطّلب، وهو-عند البلاغيين- أبلغ في الطّلب من صيغة الأمر، والمعنى: هل من أحد يبادر لهذا القرض الحسن، فيجازى عليه أضعافا مضاعفة؟

ولله در أمير الشعراء -أحمد شوقي- حينما خاطب نبينا الكريم صلّى الله عليه وسلّم بقوله:

أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى

فالكلّ في حقّ الحياة سواء

فلو انّ إنسانا تخيّر ملّة

ما اختار إلّا دينك الفقراء

وعندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن بشع صورة الطمع في عيون المسلمين شبَّه لهم الطمع بالفقر الحاضر. عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله أوصني. قال: «عليك بالإياس ممّا في أيدي النّاس وإيّاك والطّمع؛ فإنّه الفقر الحاضر، وصلّ صلاتك وأنت مودّع، وإيّاك وما تعتذر منه».

ومن مخازي الجاهليين انهم كانوا  يدفنون بَنَاتِهُمْ أَحْيَاءً خوفًا من الْفقر، وهو المقصود من الآية الكريمة : (كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ).

وفي هذا منتهى السفاهة فقتل الأولاد خوفًا من الفقر؛ والفقر وإن كان ضررًا ، إلا أن القتل أعظم ضررًا وفسادًا منه ، لأن القتل متحقق والفقر موهوم، فمباشرة الضرر العظيم على سبيل القطع خوفا من ضرر موهوم لا شك أنه ضرب من الجنون.

وقد أجاد حسان بن ثابت – رضي الله عنه في ذمه الفقر:

رُبَّ حِلْمٍ أضاعَهُ عدم الما

ل وجهل غطّى عليه النَعيمُ

ولهذا البيت قصة طريفة، زعموا أن حسان بينما هو في أُطُمِه، وذلك في الجاهلية، إذ قام في جوف الليل فصاح: يا للخزرج فجاءوا وقد فزعوا، فقالوا: ما لك يا ابن الفريعة فقال: بيت قلته فخفت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة، خذوه عني، فقالوا: وما قلت؟ فأنشد البيت المذكور.

فَيُقَالُ: هذَا أشْرَدُ مَثَلٍ قِيْلَ فِي ضيَاعِ العَدِيْمِ العَاقِلِ وَاسْتِسْرَارِ جَهْلُ الوَاجِدِ الجاهِلِ.

وحكى أحمد بن يحيى: وجدانُ الرِّقين يغطِّي أفنَ الأفين.

وقال أبو العتاهية:

أنت ما استغنيت عن صا حبك الدهر أخوه

فإذا احتجت إليه ساعة مجّك فوه

وقال خالد بن صفوان لابنه: “يا بني، أوصيك باثنين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك”.

ولقد أحسن من يقول:

ذَرِيني للغِنَى أَسْعَى فإِنِّي

رأَيتُ النَاسَ شَرُّهم الفقيرُ

وأَبعدُهم وأَهونُهم علَيْهم

وإِن أَمسَى له كَرَمٌ وخِيرُ

ويُقْصِيه النَّدِيُّ وتَزدريه

حَليلَتُه، وينهرُه الصّغيرُ

وتلقَى ذا الغِنَى وله جَلالٌ

يَكادُ فؤادُ صاحِبهِ يَطيرُ

قليلٌ ذَنبُه والذَّنبُ جَمٌّ

ولكنَّ الغِنَى ربٌّ غَفُورُ

وله مع الغنى أمر ونهي، وقوة سلطان، وجد ودولة؛ فكل عيبه مستور، وكل فضله منشور.

وقال الهذليّ :

رأيت معاشرًا يثنى عليهم

إذا شبعوا وأوجههم قباح

زعموا أن عليًّا بن عيسى لما استوزر ورأى اجتماع الناس عليه تمثل بقول أبي العتاهية:

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها

فحيثما انقلبت يومًا به انقلبوا

يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت

يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا

قيل: ما من خصلةٍ تكون للغنى مدْحاً، إلا وتكون للفقير ذماً، فإذا كان حليماً قيل: ذليل، وإن كان شجاعًاً قيل: أهوج، وإن كان لسِناً قيل مهْذارَ.

قال معاوية لصعصعة بن صوحان: إنما أنت هاتف بلسانك، لا تنظر في أود الكلام ولا في استقامته: فإن كنت تنظر في ذلك فأخبرني عن أفضل المال.

فقال: والله يا أمير المؤمنين، إني لأدع الكلام حتى يختمر في صدري، فما أرهف به ولا أتلهّق  فيه حتى أقيم أوده، وأحرّر متنه، وإن أفضل المال لبرّة سمراء في تربة غبراء؛ أو نعجة صفراء في روضة خضراء؛ أو عين خرّارة في أرض خوّارة. قال معاوية: لله أنت، فأين الذهب والفضة. قال: حجران يصطكّان، إن أقبلت عليهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا.

وقيل لأعرابية: ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت: قنى. قيل لها: فمائة من الضأن؟ قالت غنى. قيل لها: فمائة من الإبل؟ قالت: منى.

قال شاعر حكيم:

أَصَبْتُ صُنُوْفَ المَالِ مِنْ كلِّ وَجْهة

فَمَا نِلْتُهُ إِلَّا بِكَفِّ كَرِيمِ

وإنّي لأرجو أن أموت فتنقضي

حياتي وما عندي يد للئيم

نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، أما من بين يدي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا) [طه: 82] وأما من خلفي: فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) [هود: 6] وأما من قبل يميني فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ (والعاقبة للمتقين) [القصص] وأما من قبل شمالي: فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) [سبأ: 54]

ومن أبحاثهم الطريفة اختلافهم في أيهما افضل الفقير الصابر ام الغني الشاكر؟

قال الحافظ في “الفتح” (9/583) «اختلف النّاس في أيّهما أفضل: الفقير الصّابر أم الغنيّ الشّاكر، والتّحقيق عند أهل الحذق أن لا يجاب في ذلك بجواب كلّيّ، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى