ضمن فعاليات مهرجان الشارقة للشعر العربي في دورته (ـ22) انطلقت في قصر الثقافة بالشارقة الإثنين 5 يناير/ كانون الثاني 2026 فعاليات الأمسية الشعرية الأولى، من المهرجان الذي افتتحه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأ‘على للاتحاد حاكم الشارقة.
حضر الأمسية سعادة الأستاذ عبدالله محمد العويس رئيس دائرة الثقافة بالشارقة و الأستاذ محمد إبراهيم القصير مدير إدارة الشؤون الثقافية في الدائرة، و الشاعر محمد البريكي، مدير “بيت الشعر” في الشارقة وجمع من الشعراء والمثقفين ومحبي الشعر العربي الذين غصت بهم القاعة.
قدم الأمسية الشاعر خالد اليساري من العراق، مرجبًا بضيوف المهرجان مثمناً جهود ومبادرات صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والدعم السخي للثقافة والشعر العربي، ما أثمر عن بوادر ثقافية كبيرة، و شارك في الأمسية خمسة شعراء هم: عبد الواحد عمران من اليمن، وأحمد الفاخري من ليبيا، ومبروك السياري من تونس، وصلاح الدين الخو من موريتانيا، وحنان فرفور من لبنان،
ابتدأ الأمسية الشاعر اليمني عبد الواحد عمران، الذي ألقى عدة قصائد تفيض بالحنين والشوق، وتعج بالمشاعر الإنسانية الرقيقة، وجاءت قصيدته الأولى، في رثاء ولده الذي توفي غرقاً منذ عامين، مليئة بمشاعر الحزن واللوعة التي يعانيها الأب المكلوم بفقد فلذة كبده. يقول:
منذ عامين لم أزلْ في انتظاركْ
يا ابن قلبي، وخائفًا من قراركْ
ربما قلتَ لن أعودَ، أتدري
أنني ناظرٌ برغم اعتذاركْ
خلف وجه الغروب أحصي بدمعي
نزعَ شمسِ النهارِ وهْيَ تعاركْ
شبح الموت عند كلِّ أفولٍ
في يدي موجتين سودِ المَبارِكْ
هل تعودانِ رفقةً، هل سأصحو
من ذهولي عليك في حضن داركْ
وفي قصيدته الثانية بعنوان: “وجه يكمل نحاته”، يغازل الشاعر اليمني مدينة صنعاء وأطلالها المنحوتة على تجاعيد وجههه بقوله:
لِوجهي الذي مِنْ أوّلِ العُمرِ أنحتُهْ
ولم يلتفتْ لي، جئتُ نصًّا سيَلفتُهْ
ألوّحُ مكسورَ الذراعِ لحزنِهِ
فتجبرُ مكسورَ الأزاميلِ سمرتُهْ
لصنعاءَ وهْيَ الآن منقوشةٌ على
تجاعيدِهِ محتارةٌ كيف تَنعِتُهْ
على طللٍ دومًا أُلاقيهِ واقفًا
كأنّ الذي ينهارُ في الأرضِ بلدتُهْ
و ألقى الشاعر أحمد الفاخري من ليبيا، بعضاً قصائد يبث فيها لواعج همومه وشكواه، ويسرد فيه قصصه الإنسانية المعبرة، حيث يقول في قصيدته بعنوان “سيرة الخطى الغرقى”:
حَدِيثُ المَسَافَاتِ الَّتِي لا تُعِيدُنَا
حَدِيثٌ بِلَيْلٍ – لو تُصَدِّقُ – أَجْوَفُ
جَلَسْنَا.. وَدُرويشُ المَكَانِ تَرَدَّدَتْ
تَهَاوِيدُهُ.. والسّامعون تصوّفوا
عَلَى مِقْعَدٍ من وَحْيِ أَفْكَارِنَا مَعًا
وَفِي شَارِعٍ بالذّكرَيَاتِ سَنَرْصِفُ
يُحِيطُ بِنَا سُورُ الخَيَالِ فَلاَ نَرَى
لِأبعَدَ مِنْ شَكٍّ تُغَطِّيهِ أَسْقُفُ
الشاعر أحمد الفاخري تابع بث مكنونات نفسه التي تقطر عذوبة وصدقاً مستعرضاً في قصيدته الثانية بعنوان: “يجوبون حزن الليل”، تفاصيل معاناة عاشق عذري يقوله:
غريبٌ سنَا عَيْنَيْكِ.. كالبدرِ.. مُلهِمٌ
ولكن لِعِشْقِ المُتعبِينَ ظَلِيلُ
أَلاَ يَكْتَفِي بالضَّوءِ.. بدْرٌ.. وَوَجْهُهُ
قديمًا بأُفْقِ الحَالِمِينَ نَزِيلُ؟
يَجُوبُونَ حُزنَ اللّيلِ منذُ تَكَسَّرَتْ
عليهِ نُجُومُ الأمسِ وهو عَلِيلُ
ومن تونس أطل الشاعر مبروك السياري، عازفًا في قصائده على قيثارة الحنين، بألحان شعرية ألهبت خيال الحضور بقوله:
الذَّاهِبُونَ بَعِيدًا فِي دَمِي عَزَفُوا
لَـحْنَ الـحَنِينِ وَأَصْغَى قَلْبِيَ الخَزَفُ
مَرُّوا وَقَدْ نَبَتُوا فِي مُهْجَتِي سَعَفًا
وَخَلَّفُوا نَخْلَةً كَمْ خَانَهَا السَّعَفُ
مَرُّوا خَيَالًا بِعُمْرِ الـمَوْجِ فِي خَلَدِي
وَرِقَّةً مِنْ عُيُونِ الحُلْمِ تَنْذَرِفُ
وَغَابَ فِي سَبَإِ الأَيَّامِ هُدْهُدُهُمْ
وَعَادَ مُنْكَسِرًا يَقْتَاتُهُ الأَسَفُ
وفي قصيدته الثانية يظهر الشاعر وفاءه لخلانه، ويعبر عما يجول في قلبه من مشاعر حزن على فراقهم بقوله:
عَبَرْتُ مِنْ زَمَنِ الذِّكْرَى إِلَى زَمَنٍ
حُلْمٍ، كَأَنِّي حُلُولُ الضِّيقِ فِي السَّعَةِ !
أَشْعَلْتُ فِي البَيْتِ مُوسِيقَى، وَمِنْ هَوَسِي
سَمِعْتُ نَقْرًا عَلَى شُبَّاكِ أُغْنِيَتِي
وَظَلْتُ أُصْغِي عَسَى تَأْتِينَ مِنْ نَغَمٍ
يَكُونُ مَطْلَعُهُ: “جَاءَتْ مُعَذِّبَتِي” !!
و كانا رابع شعراء الأمسية صلاح الدين الخو من موريتانيا، فألقى مجموعة من أشعاره المليئة بالشغف للقوافي والقصائد، وابتدأ بقصيدة بعنوا: “أبناء الشمس” ويقول فيها:
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ لَمَّا مَسَّنِي الشَّغَفُ
فَهَلْ لِقَلْبِي مِنَ الْأَضْوَاءِ مُرْتَشَفُ ؟
كَأَنَّمَا قَلَمِي غُصْنٌ يَمِيدُ عَلَى
كُرَّاسَتِي وَحُرُوفِي كُلُّهَا أَلِفُ
وَالشِّعْرُ حَافِي الْقَوَافِي يَرْتَدِي سُحُبًا
مِنَ الشِّتَاءِ وَيَمْشِي وَهْوَ يَرْتَجِفُ
لَمْ تَزْدَدِ الشَّمْسُ إِلَّا لَهْفَةً.. أَوَلَا
تَرَوْنَهَا وَهْيَ فِي الْآفَاقِ تَلْتَهِفُ ؟!
وفي قصيدته الثانية بعنوان “على أهبة الضوء” يعبر الشاعر الخو عن حبه للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مستعرضاً مشاهد مؤثرة من سيرة سيد المرسلين بقوله:
بِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الدَّمِ لَهْفَةٌ
هَوْجَاءُ ذَاتُ تَمَوُّجٍ وَعُبَابِ
أَنَّى يَدُورُ النُّورُ حَوْلَكَ بُرْدَةً
لَكَ كُلَّمَا لَمَعَتْ يَسِيلُ لُعَابِي ؟!
مَا مِنْ سِوَاهَا لِلْعُلَا سَبَبٌ وَمَا
لِلْمَرْءِ غَيْرُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ
اختتمت الشاعرة اللبنانية حنان فرفور الأمسية بقصائد تفيض عاطفة وشعورًا مرهفًا، عبرت فيها عن ذاتها التواقة للشعر والمليئة بالشجن والوجد تقول:
أطلُّ عليكَ من الأغنيات
ومن رجفةٍ في حداء الرعاةِ
أطلّ من التائهين بلا امرأةٍ
وحنينُ المنازل عاتِ
فأين ستبني العصافير عُشّا
إذا ما انْثنَتْ ركبةُ الفاتنات؟!
وفي قصيدة أخرى تغنت بالليل والنجوم، وما تحمله من رمزية واضحة ودلالات مؤثرة في القلوب والوجدان:
مرّ بي هودجٌ عنِ الليل ينأى
أرجعوهُ صوب النجوم الكسالى!
قلتِ لي : لا ضيرٌ إليكِ جمالي
فاخرجي الآن من دموع الثكالى
قلتُ: صحبي أحبّهم قلتِ ألقوا
فوق عينيك الليل حتى استطالا
يستمر المهرجان الذي يجمع 80 شاعراً وناقداً وإعلامياً حتى 12 يناير 20236، ويقدم مجموعة من الفعاليات المتنوعة منها أمسيات شعرية يومية، وندوة فكرية مصاحبة تحت عنوان “الاتجاه الوجداني في الشعر العربي وتحولاته”، وتقام على جلستين قي “بيت الشعر” في الشارقة، حيث يشارك في الأولى: د. سعيد بكور من المغرب بدراسة تحمل عنوان “الوجدانية والذات.. جسر العبور إلى الآخر”، ود. أحمد الجوّة من تونس بورقة “الاتجاه الوجداني في النقد العربي”، ويديرها د. محمد أبوالشوارب من مصر، فيما يشارك في الجلسة الثانية: د. محمود الضبع من مصر بورقة “الوجدانية وتشكيل الهوية الثقافية”، ود. عمر العامري من الأردن بورقة تحمل عنوان “تجليات الطبيعة في الشعر الوجداني”، وتدير الجلسة لامعة العقربي من تونس.