العفّةُ في شعر أبي الطيب

د. أحمد الزبيدي
قال أو الطيب المتنبي -رحمه الله- في “مُعجز أحمد” (ص104):
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنيَّاتِ وَاضِحٍ
سَتْرتُ فَمي عَنْهُ فَقَبَّلَ مَفْرِقي
قيل: هذا البيت من أحسن ما قيل في العفة.
يقول: رب حبيب باردِ الإسنان، حلو ريق الثنايا، أبيض الوجه، تعففت عنه وتصونت بستر الفم منه كيلا يقبلني فقبل رأسي؛ اجلالا لي وميلا إليّ يريد أنه أحبّ وصله وتعفف عما يحرم.
وله في نفس المعنى أيضاً:
يَرُدُّ يدًا عن ثوبها وهو قادر
ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
يقول: إذا خلوت معها رددت يدي عنها وأمسكتها عن ثوبها، ولو أردت لقدرت منها على ما اشتهيت، وإذا رأيت طيفها في النوم عصيت الهوى فيه، وعففت عنه، فحالي في النوم مع الطيف كحالي في اليقظة معها.
ومعناه: أن الفاحشة لا تخطر ببالي لاستعمال العفة في اليقظة، لأن الإنسان إنما يرى في المنام ما حدثته به نفسه في حال اليقظة، وأخذ منه التهامي هذا المعنى.
قال الأمير الأديب أسامة بن منقذ في كتابه “بديع الشعر”(ص175):” اعلم أن الطاعة والعصيان باب يمتحن به العالم والناقد، وتعرف به فضيلة الكاتب والشاعر، وهو أن يزيد البيت على ما تقتضيه صناعة الشعر، فلا يوافقه الوزن، فيأتي بما لا يخرج عن الصناعة.
ذكر أبو العلاء في “تفسير المتنبي” في قوله:
يردُّ يداً عن ثوبها وهو قادرٌ
ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
قال: أوجبت عليه الصناعة أن يقول: يرد يدًا عن ثوبها وهو مستيقظ، فلم يطاوعه الوزن، فلم يخرج عن الصنعة، قوة منه وقدرة، فقال: قادر، وهو عكس راقد في الصورة والمعنى، أما في الصورة فهو من جناس العكس، وأما في المعنى فان الراقد عاجز، وهو ضد القادر، فتم له الطباق صورة ومعنى وهذا من الأفراد الأفذاذ.
قال شارح مقامات الحريري بعد ان ذكر بيت المتنبي : يرد يدا ..
وهذا أملك شهوة من التّهامي، وإن كان قد أحسن حيث يقول: [البسيط]
إنّي لأصرف طرفي عن محاسنها
تكرّما وأكفّ الكفّ عن لمم
ولا أهمّ ولي نفس تنازعني
أستغفر الله إلا ساعة الحلم
على أن العصر الجاهلي قد حفل بقيم أخلاقية جميلة ولعل أهمها قيمة هي “العفة”، ولعل الشاعر الفارس عنترة بن شداد العبسي خير من جسد هذا المعنى بهذا البيت الفريد، قال:
وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي
حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا
إني امرؤ سمح الخليقة ماجد
لا أُتبِع النفس اللّجوج هواها
وَالْغَضُّ: صَرْفُ الْمَرْءِ بَصَرَهُ عَنِ التَّحْدِيقِ وَتَثْبِيتِ النَّظَرِ. وَيَكُونُ مِنَ الْحَيَاءِ.
قال د. شوقي ضيف في تاريخ الأدب العربي (1/373):” وعنترة بهذا كله يصور لنا المروءة الجاهلية الكاملة، وهى مروءة طرزها حب عذرى عفيف لابنة عمه عبلة. وحقا إن هذا الحب إنما شاع فى بوادى نجد فى أثناء العصر الأموى، بسبب المعانى الروحية التى بثّها الإسلام فى نفوس العرب، وهو لم يشع فى الجاهلية، إنما ظهر عند بعض الأفراد من الفرسان مثل عنترة، فقد كان يتسامى لا فى خلقه فحسب، بل أيضا فى حبه، وقد جعله ذلك يستشعر غير قليل من الأسى والحزن حين رفض عمه يده، فلم يزوجه من ابنته. ومضى يحبها حبا عنيفا، أو قل حبا يائسا محروما فيه طهارة النفس ونقاؤها وفيه الفؤاد الملذع الذى يكظم حزنه فتفضحه عبراته، يقول :
أفمن بكاء حمامة فى أيكة
ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل
ودائما نراه يعبر عن ظمأ شديد إلى رؤيتها، لا لغاية حسية، ولكن ليمتع طرفه بجمالها. ومن أهم ما يلاحظ عنده أنه يقدم لها في معلقته وغير معلقته مغامراته الحربية، فمن أجلها يحارب ويستبسل في القتال، ومن أجلها يذود عن قومه ويحمى حماهم، ومن أجلها يسوق كل مناقبه ومحامده، وكان حين يشتد القتال يلمع خيالها أمام عينيه فيندفع كالثور الهائج، يقول:
ولقد ذكرتك والرّماح نواهل
منّى وبيض الهند تقطر من دمى
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسّم
فهو دائم الذكر لها في وغى الحرب، حتى حين تعبث به سيوف أعدائه ورماحهم، إنه من أجلها يحارب ويخاطر ويغامر، فلا غرو أن يذكرها فى ساعات القتال الحرجة، فإذا هو يتحول إلى أسد ضار لا يعبس، بل يبتسم، لأنها تتراءى له من خلال بريق السيوف، فيؤمن بأنه منتصر.
وقال صاحب لامية العرب (الشنفرى):
وَلَا خَالِفٍ دَارِيَّةٍ مُتَغزِّلٍ
يَرُوحُ وَيَغْدُو دَاهِنًا يَتَكَحَّلُ
الخالف: الذي خلف: بمعنى فسد, ويسمى بهذا المعنى الثاني خالفة أيضاً, أو الذي خلف عن أصحابه. بمعنى تخلف عنهم, أو الذي خلف غيره: أي صار خليفته في أهله. والدراية: من لا يفارق البيوت. والمتغزل: الذي يتكلف الغزل-بالتحريك-: وهو محادثة النساء, ومرادودتهن, غازلهن وغازلته.
يقول: ولست بالفاسد الذي يتخلف عن أصحابه، أو يخلفهم في أهاليهم بالريبة, لا يفارق البيوت لذلك يغازل النساء ويغازلنه, رائح غادٍ متطيباً متكحلاً يستميل بذلك النساء. فإن نفوس ذوي الهمم من العرب كانت تأنف من ذلك في جاهليتها, وتذم فاعله غاية الذم, ويتمدحون بغض البصر عن الجارات.
وَقَالَ جَمِيلٌ:
أقصِّر طَرْفِي دُونَ جُمْلٍ كَرَامَةً
لِجُمْلٍ وَلِلطَّرْفِ الَّذِي أَنَا قَاصِرُهُ
وقال الشريف الرضي:
وإذا هممت بمن أحب أمالني
حصر يعوق وعفة تنهاني
وله أيضا: [البسيط]
بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى
يلفّنا الشّوق من فرق إلى قدم
وبات بارق ذاك الثّغر يوضح لي
مواقع اللّثم في داج من الظّلم
وباتت الرّيح كالغيرى تجاذبنا
على الكثيب فضول الرّيط واللّمم
وأكتم الصبح عنها وهي غافلة
حتّى تكلّم عصفور على علم
فقمت أنفض بردا ما تعلقه
غير العفاف وراء الغيب والكرم
وقال ابن فرج الجيانيّ: [الوافر]
وطائعة الوصال صددت عنها
وما الشّيطان فيها بالمطاع
بدت باللّيل سافرة فباتت
دياجي اللّيل سافرة القناع
وما من لحظة إلّا وفيها
إلى فتن القلوب لنا دواع
فملّكت الهوى جمحات شوقي
لأجري في العفاف على طباعي
كذاك الرّوض ما فيه لمثلي
سوى نظر وشمّ من متاع
ولست من السّوائم مهملات
فأتخذ الرّياض من المراعي
وقال أيضًا فأحسن:
بأيّهما أنا في الشكر بادي
أشكر الطيف أم شكر الرّقاد
سرى لي فازدهى أملي، ولكن
عففت فلم أنل منه مرادي
وما في النوم من حرج ولكن
جريت من العفاف على اعتياد
كأنه لما عفّ في اليقظة جرى على عادته في النوم، وهذا من قول أبي الطيب المتقدم.
وقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إنّي لأصرف طرفي عن محاسنها
تكرّما وأكفّ الكفّ عن لمم
ولا أهمّ ولي نفس تنازعني
أستغفر الله إلا ساعة الحلم
وقال ابن طباطبا: [الكامل]
يقظاته ومنامه شرع .
كلّ بكل منه مشتبه
إن همّ في حلم بفاحشة
زجرته عفّته فينتبه
ولله در القائل:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها
من الحرام، ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها،
لا خير في لذة من بعدها النار
ومما يستحسن في العفة، أيضاً، ما أنشده أحمد بن يحيى ثعلب لبعض نساء العرب:
وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم
ولا نحن بالأعداء مختلطان
وبتنا يقينا ساقط الطل والندى
من الليل، بردا يمنة عطران
نذود بذكر الله عنا من الصبى
إذا كاد قلبانا بنا يردان
ونصدر عن ري العفاف، وربما
نفينا غليل النفس بالرشفان
وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب:
أحبك لا من ريبة كان بيننا
ولا نسب بيني وبينك شابك
أحبك إن خبرت أنك فارك
لعمري إني مولع بالفوارك
أحب فتاة أن تشاغب زوجها
وإن لم أنل من وصلها غير ذلك
واعلم بأن العشق يَحسُنُ بأهل العفّة والوفاء، ويقبحُ بأهل العهر والخَنى مع أن الهوى قد فسد وقلّ الوفاء وكثُرت الخيانة والغدر، واستعمل الناس في العشق شيئاً ليس من سُنّة الظرف، ولا من أخلاق الظرفاء، وذلك أن أحدهم متى ظفر بحبيبه، وأصاب الغفلة من رقيبه، لم يَعفّ دون طلب الصفاء. وأنشد عبد الحميد المَلطي:
قد فسد الحب وهان الهوى
وصار من يعشق مُستعجلا
يريد أن ينكِحَ أحبابه
من قبلِ أن يسهر، أو يَنحُلا
وقيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة.
وأما العفة والفجور فخلقان لهما جمرة وهمود، والحاجة تمسّ إلى العدل في استعمال العفة ونفي الفجور، وإذا قويت العفّة حالت عصمة، وإذا غلب الفجور صار عدوانا.
وأما التنبّه والغفلة فقريبان من الخلق ويغلبان على الإنسان، إلا أن فرط التنبّه موصول بالوحي، وفرط الغفلة موصول بالبهيمية.
قال أبو الحسن عليّ بن عيسى الرّمّانيّ الشيخ الصالح: العفّة واسطة بين المقارفة والعصمة، والعصمة واسطة بين البشريّة والملكيّة.
وقال فيلسوف: حيث يكون الشراب لا تسكن الحكمة، ولا تلبث العفة.
وقيل لعمرو بن العاص ما المروءة؟ فقال: العفة عما حرم. وقيل للأحنف ذلك فقال: أن لا تعمل في السرّ ما يستحيا منه في العلانية.
قال النبي صلّى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة.
وسئل عن أكثر ما يدخل الرجل النار فقال: الأجوفان الفم والفرج.
وقيل لبطليموس: ما أحسن أن يصير الإنسان عما يشتهي؟ فقال: أحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي.
وكان طاووس تمثلت إليه امرأة تراوده فواعدها يوما إلى رحبة المسجد فلّما حضرت إليه قال: إنخضعي. قالت: ههنا قال: نعم إن الذي يرانا ههنا يرانا في الخلا فاقشعرت المرأة وانزجرت وتابت.
وكان سليمان بن يسار مفتي المدينة من أحسن الناس وجها فدخلت إليه امرأة فسامته نفسه وقالت: إن لم تطاوع لأخبرنّ الناس أنك فعلت ولأفضحنك. قال: نعم وتركها في البيت وخرج وفرّ ثم رأى في منامه يوسف عليه السلام فقال له: يا يوسف أنت الذي هممت فقال له: وأنت الذي لم تهم.
وقال رجل لسقراط: إني تفرست فيك أنك تميل إلى الزنا فقال له صدقت فراستك إني أشتهيه ولكني لا أفعله.
وفي أطواق الذهب: أشعر قلبك حلاوة العفة، واضره على الاكتفاء بالغُفة. فإن ما زاد هاجم بك على الشبهات، وربما ابتلاك بصغار الترّهات.
قال المرزوقيّ: كثير من نساء العرب طلبن التشبيب من الشعراء مع العفّة كعزّة وليلى وميّة وللخلفاء معهنّ محاورات.
ومن أعجب شعر النساء القديم في الجاهلية الأبيات المشهورة المروية لليلى الملقبة بالعفيفة، وهي التي تصف فيها ابتذال الأعداء لعفافها بهذا البيت النادر:
قيدوني غللوني ضربوا
ملمس العفة مني بالعصا
وقولها “ملمس العفة” من الكلام الذي لا يفنى التعجب من بلاغته ومن حسن التعبير فيه.
قال الجرجانيّ في التعريفات (151): العفّة: هي هيئة للقوّة الشّهويّة متوسّطة بين الفجور الّذي هو إفراط هذه القوّة والخمود الّذي هو تفريطه. فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشّرع والمروءة .
أنواع العفة:
قال الماورديّ- أدب الدنيا والدين (384- 390) :”العفّة والنّزاهة والصّيانة من شروط المروءة، والعفّة نوعان:
أحدهما العفّة عن المحارم، والثّاني العفّة عن المأثم، فأمّا العفّة عن المحارم، فنوعان: أحدهما ضبط الفرج عن الحرام، والثّاني كفّ اللّسان عن الأعراض، فأمّا ضبط الفرج عن الحرام فلأنّ عدمه مع وعيد الشّرع وزاجر العقل معرّة فاضحة، وهتكة واضحة. وأمّا كفّ اللّسان عن الأعراض؛ فلأنّ عدمه ملاذّ السّفهاء وانتقام أهل الغوغاء، وهو مستسهل الكفّ، وإذا لم يقهر نفسه عنه برادع كافّ، وزاجر صادّ، تلبّط بمعّارّه، وتخبّط بمضارّه، وأمّا العفّة عن المأثم فنوعان أيضا: أحدهما: الكفّ عن المجاهرة بالظّلم، والثّاني:
زجر النّفس عن الإسرار بخيانة. فأمّا المجاهرة بالظّلم فعتوّ مهلك وطغيان متلف، ويؤول إن استمّر إلى فتنة تحيط في الغالب بصاحبها فلا تنكشف إلّا وهو مصروع. وأمّا الاستسرار بالخيانة فضعة لأنّه بذلّ الخيانة مهين، ولقلّة الثّقة به مستكين، وقد قيل: من يخن يهن. هذا ولا يجعل ما يتظاهر به من الأمانة زورا، ولا ما يبديه من العفّة غرورا، فينتهك الزّور وينكشف الغرور، فيكون مع هتكه للتّدليس أقبح، ولمعرّة الرّياء أفضح .
زر الذهاب إلى الأعلى