مقالات

القيمة والمعنى.. جدلية الوجود والاعتراف ريما آل كلزلي        –        السعودية

ريما آل كلِّزلي

ما الذي يمنح حياتنا معنى؟ وما الذي يمكن أن يضفي على الأشياء التي نسعى إليها قيمتها؟

منذ اللحظة التي وعى فيها الإنسان وجوده، رافقته هذه الأسئلة كظلال لا تنفك عنه، تلاحقه في صراعه اليومي مع الفناء، وفي لحظات الحب، الكراهية، الإبداع، وحتى الهدم. الإنسان، بتكوينه، يبحث عن معنى يبرر وجوده، وعن قيمة تضفي على أفعاله غاية، لكن هل القيمة والمعنى موجودان في العالم الخارجي بانتظار أن نكتشفهما، أم أنهما ينبعان من ذات الإنسان وتجربته؟

في هذه الجدلية، يتأرجح الإنسان بين ذاته والآخر. هل يحتاج المرء دائمًا إلى اعتراف الآخرين بقيمة ما يفعله؟ أم أن القيمة الحقيقية مستقلة، تنبع من داخله؟ هذه الأسئلة ليست تأملات فلسفية مجردة، بل تتجلى في الأدب كمرآة لرحلة الإنسان في البحث عن ذاته ومعناه.. من “أوديب” في الأساطير الإغريقية، الذي اكتشف أن القيمة التي سعى إليها كانت مدمّرة، إلى “ميرسو” في رواية “الغريب” لألبير كامو، الذي واجه سؤال الوجود في أبسط أشكاله وأكثرها عبثية: “هل أنتحر أم أعيش؟” كانت الإجابة تشير إلى أن هناك دائمًا أشياء، مهما بدت بسيطة، تجعل الحياة تستحق العيش. القيمة والمعنى هما وجهان لعملة واحدة. المعنى هو الغاية أو الهدف الذي يجعل الشيء ذا صلة بحياتنا، يمنحنا الدافع للاستمرار، ويبرر وجودنا. أما القيمة، فهي أهمية الشيء بالنسبة لنا، سواء كانت ذاتية أو موضوعية. يرى كانط أن القيم أخلاقية تنبع من مبدأ الواجب والعقل، مؤكدًا أن الإنسان غاية في حد ذاته وليس وسيلة. أما نيتشه، فيُقر بأن القيم ليست معطاة، بل نحن من نمنحها للعالم.

لنفترض أن طالبًا كتب نصًا إبداعيًا، وعند قراءته، صفق له زملاؤه، فشعر بالفخر والاعتزاز. هنا نتساءل: هل كانت قيمة النص موجودة بذاتها، أم أنها ظهرت فقط بعد التصفيق؟ النص ذاته يحمل قيمة ضمنية كامنة، لكنها لم تتجلَ إلا بعد أن اعترف بها الآخرون، والتصفيق يمثل الاعتراف الجماعي، الذي يحول القيمة الكامنة إلى قيمة ظاهرة. لكن إذا شعر الطالب بالرضا عن نصه قبل التصفيق، فهذا يعني أن القيمة كانت ذاتية ومستقلة. أما إذا اعتمد على التصفيق ليشعر بقيمة عمله، فهذا يعكس ارتباط القيمة عنده باعتراف الآخرين. كما يقول هيجل: “لا يكتمل وعي الإنسان بنفسه إلا من خلال اعتراف الآخر.”

الإنسان كائن اجتماعي، ووجوده كذات واعية مرتبط بالآخرين الذين يؤكدون هويته، لكن إذا أدرك أن القيمة تنبع من داخله، سيتحرر من انتظار التصفيق الجماعي، دون أن ينكر حاجته إلى الآخرين، فالتصفيق لا يمنح القيمة، لكنه يضيف بُعدًا جديدًا يجعلها أكثر وضوحًا وأهمية. إذا لم يقرأ أحد قصائد المتنبي أو شكسبير، هل ستظل عظيمة؟ نعم، لكنها ستظل عظمتها في الظل، تنتظر من يكتشفها ويمنحها الاعتراف.

الأدب هو انعكاس لبحث الإنسان عن القيمة والمعنى، عن السبب الذي يبرر وجوده. المعنى يرتبط بالسؤال عن الغاية: لماذا نحن هنا؟ ولماذا نقوم بما نفعله؟ هذه الأسئلة تُنتج معنىً للحياة، سواء أكان ذاتيًا، ينبع من معتقداتنا وتجاربنا الشخصية، أو موضوعيًا، مرتبطًا بأمور أكبر كالدين أو الحقيقة المطلقة، لكن المعنى ليس فكرة جاهزة أو موروثة، بل هو شيء نصنعه بأنفسنا من خلال اختياراتنا وأفعالنا. كما يقول هايدغر: “المعنى هو ما يكشف عن العالم، ومن خلاله نكتشف القيم التي تحدد وجودنا.”

في رواية “الغريب” يأخذنا “كامو” إلى عالم بطله “ميرسو”، الذي يتعامل مع الحياة والموت بلا مبالاة، وكأنهما فاقدان للمعنى. عندما ماتت أمه، لم يُظهر الحزن، وعندما قُدم للمحاكمة، لم يدافع عن نفسه. كانت هذه اللامبالاة تعبيرًا عن عبثية الوجود لدى “كامو”، حيث يصبح الإنسان حرًا فقط عندما يتقبل هذا العبث ويخلق معناه الخاص، لكن إذا وجدنا المعنى الذي نبحث عنه، كيف نعرف أن له قيمة؟ القيمة تتعلق بما هو مهم حقًا، بما يجعل الأشياء جديرة بالاهتمام أو الحب أو السعي. قد تكون القيم مادية، مثل المال والممتلكات، أو معنوية، مثل الكرامة والحرية. عندما نفقد الشعور بالقيمة، نفقد الشعور بالمعنى أيضًا. وكما قال جلال الدين الرومي: “لا تسعَ وراء المعنى، كن أنت المعنى.”

القيمة والمعنى يشكلان جدلية لا تنتهي. أحيانًا نجد المعنى من خلال الأشياء التي نعتبرها ذات قيمة، وأحيانًا نكتشف قيمة الأشياء من خلال المعنى الذي تضيفه لحياتنا. في النهاية، القيمة هي ما يمنح الأشياء أهميتها، والمعنى هو ما يبرر وجودها. كلاهما يشكلان جوهر التجربة الإنسانية، وهما المحرك الأساسي لأسئلتنا الكبرى وإبداعنا الأدبي والفكري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى