مقالات

العمران مشروع دولة: نهضة مصر والإمارات في بناء المستقبل محمد الخضيري مشهدي – الإمارات

محمد الخضيري مشهدي

لم يعد العمران في القرن الحادي والعشرين مجرد نشاط إنشائي أو استجابة لحاجات سكنية متزايدة، بل تحول إلى أداة استراتيجية لصياغة الدولة الحديثة، وإعادة تشكيل الاقتصاد، وبناء صورة ذهنية جديدة في الداخل والخارج، ومن هذا المنظور تبرز التجربتان المصرية والإماراتية كنموذجين عربيين يعكسان كيف يمكن للعمران أن يكون مشروع دولة متكامل الأبعاد، وإن اختلفت السياقات والسرعات والأولويات.
في الإمارات العربية المتحدة، جاء المشروع العمراني منذ البدايات متلازمًا مع مشروع بناء الدولة نفسها، فقد أدركت القيادة الإماراتية مبكرًا أن الاستثمار في المدن والبنية التحتية هو الطريق الأسرع لتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات العالمية، وتحويل الدولة إلى مركز إقليمي ودولي للتجارة والخدمات والسياحة، لذلك لم تكن مدن مثل دبي وأبوظبي مجرد تجمعات عمرانية حديثة، بل منصات اقتصادية عالمية، صُممت بعقلية المستقبل، واعتمدت على التخطيط المسبق، والحوكمة المرنة، والشراكة الواسعة مع القطاع الخاص.
أما في مصر، فقد جاءت النهضة العمرانية المعاصرة استجابة لتحديات مختلفة وأكثر تعقيدًا، في مقدمتها الانفجار السكاني، والضغط الهائل على المدن القديمة، واختلال التوازن التنموي بين الوادي والدلتا من جهة، وبقية الجغرافيا المصرية من جهة أخرى. ومن هنا، اتخذ العمران طابع “إعادة التأسيس”، عبر التوسع الأفقي في الصحراء، وبناء مدن جديدة، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، وغيرها من المدن الذكية التي تستهدف إعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية.
ورغم اختلاف الدوافع، تلتقي التجربتان عند نقطة جوهرية: العمران لم يعد مشروعًا منفصلًا عن الاقتصاد والسياسة والأمن القومي، ففي الإمارات أسهمت الطفرة العقارية في خلق بيئة أعمال جاذبة، ورفعت من تنافسية الدولة عالميا، وربطت بين العمران واقتصاد المعرفة والسياحة والخدمات اللوجستية، وفي مصر، أصبح العمران محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، ومصدرًا لتشغيل ملايين العمال، وأداة لرفع كفاءة البنية التحتية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز قدرة الدولة على استيعاب الزيادة السكانية المستقبلية، كما تكشف المقارنة عن اختلاف في فلسفة الإدارة العمرانية. فالتجربة الإماراتية اتسمت بالسرعة العالية، والاعتماد على الابتكار المعماري، والجرأة في كسر القوالب التقليدية، بينما تميل التجربة المصرية إلى الجمع بين الطموح الكبير والحاجة إلى التدرج، بحكم حجم الدولة، واتساع رقعتها، وتراكم مشكلاتها التاريخية، ومع ذلك فإن السنوات الأخيرة أظهرت أن مصر تسير بخطى متسارعة نحو نماذج أكثر حداثة، خاصة في مجالات المدن الذكية، والتحول الرقمي، وربط العمران بشبكات الطرق والنقل الحديثة .
اللافت أيضًا أن التقارب المصري الإماراتي في المجال العمراني لم يقتصر على تبادل الخبرات، بل امتد إلى شراكات استثمارية حقيقية، حيث أصبحت الشركات الإماراتية لاعبًا رئيسيًا في السوق العقارية المصرية، بما يعكس ثقة متبادلة، ورؤية مشتركة تعتبر العمران ركيزة للتنمي والاستقرار.
تؤكد التجربتان أن العمران ليس رفاهية، ولا مجرد سباق في تشييد الأبراج والطرق، بل هو تعبير عن فلسفة الدولة ورؤيتها للمستقبل، وبينما نجحت الإمارات في تقديم نموذج عالمي لمدينة المستقبل، تعمل مصر على توظيف العمران كأداة لإنقاذ الحاضر وصناعة الغد، والدرس الأهم من المقارنة أن الاستثمار في الإنسان، والتخطيط طويل الأمد، والتكامل بين الدولة والقطاع الخاص، هي مفاتيح أي نهضة عمرانية حقيقية ومستدامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى