قال أبو الطيب المتنبي -رحمه الله- في “مُعجز أحمد” (ص350):
الرأيُ قَبل شَجاعةِ الشُجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
بيتٌ شهير من مطلع نونية أبي الطيب المتنبي التي يمدح فيها الأمير سيف الدولة الحمداني بعد انتصاره على الروم؛ يصفُه فيها بشدة البأس، ورباطة الجأش، وشجاعة القلب، غير أنه يقول أيضاً: إن رأيه، وحكمته وعقله سبقت شجاعته وشدة بأسه، وما ذلك إلا لأن الرَأي والعقلَ والحكمةَ أفضل من الشجاعة، فالشجاعة محتاجةٌ إلى الرأي، فإذا لم تصدر عنه، وتنبعث منه فربما تأتي على صاحبها وتورثه الردى.
وروى بدل: الشجعان “الفُرسان”، ثم قال:
فإذا هما اجْتَمعا لنَفْسٍ مِرّةٍ
بلغَتْ من العلياءِ كُلّ مكانِ
مِرَّة: أي أبية. وروى: حرة.
يقول: إذا اجتمع الرأي والشجاعة لنفس واحدة كريمة أبية، بلغت كل مكان من المعالي.
ثم علّلَ رأيه ذلك بقوله:
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الفَتَى أَقْرَانهُ
بِالرَّأي قَبْلَ تَطَاعُنِ الأَقْرَانِ
يقول: إن الرأي ربما يغني عن الشجاعة، ويوصل صاحبه إلى الإيقاع بالأعداء والنكاية بهم دون الحاجة إلى الحرب.
ثم اتى ببرهان ذلك كله فقال:
لَوْلَا العُقُوْلُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَمٍ
أَدْنَى إِلَى شَرَفٍ مِنَ الإنْسَانِ
فلولا وجود العقل في الإنسان، لكان أدنى أسد أقرب إلى الشرف من الإنسان؛ لما للأسد من فضل البأس والتقدم الإقدام.
و(الرَّأْيِ) : مصدر رأي رأيًا، ويُجمع على آراء ، والرأي: هو التفكر في مبادئ الأمور والنظر في عواقبها، والعلم بما تؤول اليه من الخطأ والصواب، وأصحاب الرأي عند الفقهاء هم أصحاب القياس والتأويل، وقد أجمع الحكماءُ والعقلاءُ والشعراءُ على امتداح الرأي، قال أبو فراس الحمداني:
وَلا أَرضى الفَتى ما لَم يُكَمِّل
بِرَأيِ الكَهلِ إِقدامَ الغُلامِ
وقد رأى بعض النقّاد أن أبا الطيب قال بيته: الرأي قبل شجاعة الشجعان
ردًّا على شيخه “أبي تمام” الذي يقول:
السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ
في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
ولكن المتنبي سرعان ما رجع عن رأيه إلى راي أبي تمام، فقال:
حتّى رجعت وأسيافي قوائل لي
المجدُ للسيف ليس المجد للقلم
قال أحد الحكماء: يصيب الملكُ الظفر بالحزم، والحزمُ بإجالة الرأي، والرأيُ بتحصين الأسرار.
قال أمية بن أبي الصلت:
بالحزمِ تظفرُ قبل البأس والجلد
والحزم بالرأي تجنيهِ مدى الأبدِ
والرأي تحصينُ أسرار ترومُ بها
إدراك حاجك في قربٍ وفي بُعدِ
وقال حكيم : لا يصلح الرأي إلّا بثلاث: دربةٌ في الأمور، ونظرٌ بالسياسة، وفكرٌ في العواقب.
عن الحسن: الناسُ ثلاثةٌ: فرجلٌ رجل، ورجلٌ نصف رجل. ورجلٌ لا رجل. فأما الرجل فذو الرأي والمشورة، وأمّا نصف الرجل فالذي له رأي ولا يشاور، وأمّا الذي ليس برجل فالذي لا رأي له ولا يشاور. وقيل: أعقلُ الرجال لا يستغني عن مشاورة أولي الألباب، وأفره الدوابّ لا يستغني عن السّوط، وأورع النساء لا تستغني عن الزوج. وقيل: من بدأ بالاستخارة وثنّى بالاستشارة، لحقيق أن لا يضلّ رأيه.
وكان يقال: من أجهد رأيه واستخار ربّه واستشار صديقه، قضى الله في أمره ما أحبّ.
وعن عليّ رضي الله عنه: لا تدخلنّ في مشورتك بخيلًا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانًا يضعفك عن الأمور، ولا حريصًا يزيّن لك الشره بالجور، فإنّ البخل والجبن والحرص يجمعها سوء الظنّ بالله تعالى.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما تشاور قوم قطّ إلا هُدوا إلى أرشد أمرهم.
وقال سليمان عليه السّلام: يا بنيّ؛ “لا تقطع أمرًا حتى تؤامر مرشدًا، فإذا فعلت فلا تحزن”. يضرب للحازم أنّ رجلًا شكا إلى أخيه قلّة مرفقه في عمله، واستشاره في التفصي عنه فقال له: إن كلبًا لقي كلبًا في فيه رغيف محرق، فقال: ويحك ما أردأ هذا الرغيف! فقال: نعم، لعنة الله عليه وعلى من يتركه حتى يجد خيرًا منه.
وكان بعض العقلاء إذا استُشير قال لمشاوره: أنظرني حتى أصقل عقلي بنومة. قال المنصور لولده: خذ عنّي ثنتين: لا تقل من غير تفكّر، ولا تعمل بغير تدبّر.
وقيل: يفسد التدبير ثلاثة أسباب: أحدها: كثرة الشّركاء فيه المفضية لانتشاره وبطلانه، والثاني: تحاسد الشركاء لدخول الهوى والغرض، والثالث: أن يملك التدبير من غاب عن الأمر المدبّر فيه دون من باشره، فإنه يدخل حقده للمباشر الحاضر.
قال بزرجمهر: إنّ الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضلّ لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها، وكذلك الحازم يجمع وُجُوه الرَّأْي فِي الْأَمر الْمُشكل ثمَّ يضْرب بعضه بِبَعْض حَتَّى يخلص الرَّأْي.
قال صاحب “مفيد العلوم ومبيد الهموم” (ص511) “في أدب الحرب وأن من شهامة الملك وكماله أن لا يتولى الحرب بنفسه” قال : ” ويجتهدُ في قمع العدو بالحيلة والمكيدة، فالحيلة أنفع وسيلة والرأي قبل شجاعة الشجعان، وقد يبلغ ذو الرأي بحبلته ومكيدته ما يعجز عنه السلطان بمملكته، فإن أمكنه خديعة العدو بالمال فبذل الدرهم أهون من بذل الروح والدرهم حجر له بدل والروح إذا فاتت لا بدل لها. لا بارك الله بعد العرض في المال”.
وذكر أبو إسحاق الحُصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ) في كتابه “زهر الآداب وثمر الألباب” أن قوماً من العرب أتوا شيخاً لهم قد أربى على الثمانين وأهدف التسعين فقالوا إن عدونا استاق سرحنا فأشر علينا بما ندرك به الثأر وننفي به العار فقال إن ضعف قوتي فسخ همتي ونقض ابرام عزيمتي ولكن شاوروا الشجعان من ذوي العزم والجبناء من أولي الحزم فإن الجبان لا يألو برأيه ما وقى مهجكم والشجاع لا يألو ما يشيد ذكركم ثم خلصوا من الرأيين نتيجة تبعد عنكم معرة الجبان وتهور الشجعان فإذا نجم الرأي على هذا كان أنفذ على عدوكم من السهم الصائب والحسام القاضب فلله هذه الكلمات لو يجدها الجبان جنة لوقته أو هادياً أرته مواطن العواقب ووفقته.
قال الشيخ محمد الخضر:” في الشباب شجاعة، وفي الشيوخ تجارب، فإذا صدرت شجاعة شباب الأمة عن آراء شيوخها الحكماء، فلا جَرَمَ أن يكون لها الموقف الحميد، والأثر المجيد.
وحسب المشورة وأخذ الرأي شرف أن الله جل وعز وهو المستغني عن المشورة وأخذ الرأي قال للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة }.
وكانت الفرس والروم مختلفين في الإستشارة، فقالت الروم: نحن لا نملك من يحتاج أن يستشير، وقالت الفرس نحن لا نملك من يستغني عن المشاورة وفضل الفرس لقوله تعالى: {وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }. وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بمشاورة من هو دونه في الرأي، فقال: {وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ }.
قال الإمام فخر الدين الرازي: الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه:
الأول: أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته.
الثاني: أنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا.
فقد قال: «أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم»،
ولهذا السبب قال الحسن البصري: «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم»
الثالث: قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته.
الرابع: أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج، وكان ميله إلى أن يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر. فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة.
الخامس: وشاورهم في الأمر، لا لتستفيد منهم رأيا وعلما، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم.
السادس: وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات. وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد.
السابع: لما أمر الله محمدًا عليه السلام بمشاورتهم ذل ذلك على أن لهم عند الله قدرا وقيمة، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند الله وقدرا عند الرسول وقدرا عند الخلق.
الثامن: الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة، بل أنا أزيد فيها، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم، والآن تعولون على فضلي وعفوي، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم. والوجوه الثلاثة الأول مذكورة، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع والله أعلم بمراده.
واتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا؟ والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال: {فاعتبروا يا أولي الأبصار } [الحشر: 2] وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار، ومدح المستنبطين فقال: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [النساء: 83] وكان أكثر الناس عقلًا وذكاء، وهذا يدل على أنه كان مأمورًا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة فلهذا كان مأمورًا بالمشاورة، وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، والدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم، ثم إن إبليس خص نفسه بالقياس وهو قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين } [الأعراف: 12] فصار ملعونا، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب.
مسألة: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: (وشاورهم)يقتضي الوجوب، وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب، فقال هذا كقوله عليه الصلاة والسلام: «البكر تستأمر في نفسها» ولو أكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك تطييبًا لنفسها فكذا هاهنا.
وقال بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
برأي نصيح أو مشورة حازم
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضة
فإنّ الخوافي رافدات القوادم
قال الأصمعي: قلت لبشار: رأيت رجال الرأي يتعجبون من أبياتك في المشورة، فقال: أو ما علمت أن المشاور بين إحدى الحسنيين، صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، فقلت له: أنت والله في هذا الكلام أشعر منك في شعرك. وقال الجاحظ:
المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب، والمستشير على طرف
وهي قصيدة طويلة، قالها في إبراهيم بن عبد الله، فلمّا قتل صرفها إلى المنصور في أبي مسلم، وكان بشّار يقول: المشاور على إحدى الحسنيين: صواب يفوز بثمرته، وخطأ يشارك في مكروهه وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [آل عمران: 159]، لما في ذلك من الائتلاف، وهو أغنى الناس عن المشورة وقال ابن المعتز:
تجاوز عن إساءة كل دهر
وصاحب يوم حادثة بصبر
وإن نابتك نائبة فشاور
فكم حمد المشاور غبّ أمر
وقسّم همّ نفسك في نفوس
ولا تنفردن بطول فكر
وقال ابن رشيق في أدب قوله تعالى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]: