أقلام مجنحة

“رسائل مشبوهة”  قصة قصيرة   لطيفة مجمد حسيب القاضي        –        السعودية 

لطيفة مجمد حسيب القاضي

فوجئت بتلك الرسائل التي وصلت إلى هاتفي ذات يوم، والتي فيها: زوجك “هاني”إنسان كذاب وضلالي.لم أُعِر تلك الرسائل أهميةً قصوى،فزوجي يحبني كثيرًا ولا يكذب في يوم،اعتبرتها ربما دعابة ثقيلة أو أن أحدًا ما يريد أن يؤذيني.

في صباح اليوم التالي، جاءت رسالة أخرى تقول: “أنتِ غبية، افتحي عينيك على زوجك”. ضعت في أفكاري قليلًا، لكنني لم أُعِر أي اهتمام في المرة الثانية. عملت لذلك الرقم حظرًا حتى لا يرسل مرة أخرى.

وفي صباح مشرق، حيث كانت السماء صافية، تسلل ضوء الشمس الدافئ من خلال النوافذ، مما أضفى إشراقة على البيت. كان الجو خارج المنزل معتدلًا وصافيًا، والسماء زرقاء رائعة. أحاطت بي رائحة زهور الربيع والنسيم اللطيف، وصوت العصافير المغردة، مما أعطاني شعورًا بالراحة والتفاؤل بغدٍ أجمل. كانت الأشجار تتأرجح برقة، فتوجهت خارج المنزل حيث زوجي “هاني” في العمل، و و لداي “سعيد” و”أحمد” في المدرسة. استنشقتُ هواءً نقيًا وأشعر بنسمات لطيفة على وجهي. الشوارع مليئة بالحياة، فقد تسللت أشعة الشمس الدافئة وأنارت كل ما حولها. أمضيت ساعة استمتعت فيها بالتنزه والاسترخاء.

في تمام الساعة الواحدة ظهرًا، ذهبت لاصطحاب أولادي من المدرسة. ودعوا أصدقاءهم بابتسامة سعيدة وركضوا نحوي.
– كيف كان يومكم في المدرسة؟
رد الولد الصغير سعيد بحماسة:
*كان ممتعًا! المعلمة تحبني كثيرًا وزملائي أيضًا يحبونني.
– وأنت يا أحمد، كيف كان يومك في المدرسة؟
* كان يومًا رائعًا، اجتزت امتحان اللغة العربية بتفوق.
– ممتاز!

وقلت لنفسي: أنا محظوظة بإنجابي  ولديَّ اللذين يحملان قدرًا كبيرًا من اللطف والرقة منذ أن كانا رضيعين.

ذهبنا للتسوق في السوبر ماركت، وبعد التسوق عدنا إلى المنزل لتحضير وجبة الغداء. لعب الولدان بمكعبات “ليغو” بينما كنت أطهو الطعام. شقتي صغيرة، تعمها أجواء من الدفء والراحة. لمحت التقويم المعلق على أحد جدران المطبخ، فاكتشفت أن ذلك اليوم هو الثامن من ديسمبر يوم الثلاثاء، عيد زواجي الثامن. كانت الأجواء مريحة في ذلك اليوم. أمسكت الهاتف لأتفقد الرسائل الموجودة عبر “واتس آب”، لأجد رسالة أخرى من رقم آخر تقول: “لمتى ستظلين مغفلة؟” قررت أن أتصل بذلك الرقم، وبالفعل اتصلت ولم يجب أحد، فأرسلت رسالة قلت فيها:
-من الذي يرسل لي؟ هل أنت رجل أم امرأة؟ ماذا تريد مني؟

 جائني الرد :
أنا ناصح لك، انتبهي، زوجك يخونك.

قلت له وأنا في قمة العصبية:
أثق في زوجي، ولم أشك فيه أبدًا.

رد هذا الشخص قائلًا:
راقبي زوجك من فضلك، وستعرفين كل شيء.

“هاني” زوجي يعمل في شركة تصدير واستيراد قطع الغيار للسيارات. يخرج من الصباح ويعود ليلًا بعد المغرب، مرهقًا كأن ساعات يومه جعلته تمثالًا متحركًا من طول ساعات العمل.

لم أهتم بالرسائل ولا بالمكالمة من ذلك المجهول، وبنفس الطريقة عملت حظرًا للرقم. لا وقت عندي لكلام هراء، اليوم عيد زواجي، وسوف أعمل مفاجأة جميلة لحبيبي “هاني”.. بماذا يمكنني أن أفاجئه؟ سأزين غرفة الطعام وأعمل وجبة سمك شهية، فزوجي “هاني” يحب السمك جدًا.

بالفعل، وضعت الشموع المعطرة في أركان الغرفة لتضفي جوًا من الرومانسية، ورتبت الأثاث بشكل مريح وأنيق، وضعت نباتات منزلية زاهية الألوان. وقدمت العشاء لولديَّ وقلت لهما:
-اذهبا إلى غرفتكما، أريد أن أعمل مفاجأة لوالدكما.
شغَّلتُ الموسيقى الهادئة لخلق أجواء دافئة مريحة. جاء موعد قدوم زوجي من العمل، والآن يطرق الباب. لم يعلم بأنني جهزت له مفاجأة جميلة. هل يذكر أن اليوم هو ذكرى يوم زواجنا؟ أم نسي؟ أسئلة تدور في ذهني وأنا أذهب لفتح الباب. وجدت “هاني” يمسك ضمة ورد حمراء جميلة، في غاية الذوق والأناقة، وقال لي:
*كل عام وأنت بخير يا حب عمري. لم أختر شيئًا صحيحًا في حياتي مثلما اخترتك. لن أتمنى أن يعود بي الزمن لأستبدلك، ستبقين دائمًا الكتف الذي يسندني وأميل عليه، والبئر الذي أرمي فيه أسراري، والضحكة التي تخرج من قلبي، والراحة التي ألقاها بعد التعب، ولو عاد بي الزمن ألف مرة، لاخترتك مرة أخرى… أنا أحبكِ.

سعدت وقتها عندما سمعت تلك الكلمات، وشعرت بأنني أسعد إنسانة في الحياة، وأن الله وفقني عندما اختار لي “هاني” زوجًا محبًا مخلصًا. قضينا ليلة رائعة كلها عشق وحب وغرام.

زوجي “هاني” رجل وسيم في أواخر الثلاثينيات من عمره، شعره داكن وله عينان عسليتان تشعان بالحيوية والنشاط والإقبال على الحياة بتفاؤل. يتمتع بذكاء مميز، وهو طويل القامة وممشوق البنية، مما يضفي عليه مظهرًا أنيقًا ومهيبًا. هو مدير ناجح في حياته المهنية، محترم بين زملائه. لقد أبهرني منذ اللقاء الأول بشخصيته الدافئة وحسّه الفكاهي. كان يشاركني اهتماماتي، أعطاني الحب والثقة والأمان.

مضى أسبوع على الاحتفال بعيد زواجنا، وبعد مرور الأسبوع أرسل لي الشخص المجهول رسالة أخرى من رقم آخر يقول فيها:
-إنني أمتلك إثباتات لما أقول. بقيت غاضبة طوال اليوم، وعندما وصل “هاني” من العمل، نظرت إليه معاتبةً، وهو لم يفهم سبب موقفي. طوال الوقت، كان رأسي مشغولًا بتلك الرسائل.

أخبرني “هاني” عن يومه كيف قضاه والمشكلات التي تعرض لها في العمل. هدأت قليلاً، ولكن طوال الوقت كنت أفكر وأفكر…

جلسنا نتناول العشاء، ودخل ولدانا كعادتهما إلى غرفتهما، فبقيت مع زوجي وحدي. قلت له:
-هناك من يرسل لي رسائل سيئة عنك، فبرز على ملامحه التوتر، وسأل: “ماذا في الرسائل؟”

*تقول إنك مخادع وماكر.

(بدت على ملامحه المفاجأة).

– ماذا.. ماذا.. لا.. لا. – أريني تلك الرسائل.

* لقد حظرت كل الأرقام التي أرسلت لي منها الرسائل.

فوجئت بردة فعله. لم يفكر في الرسائل بقدر ما كان يفكر في من الذي أرسلها. بدت على وجهه علامات الاستياء والاستنكار، ولم يقل شيئًا، ولكن اعتقدت أننا سنتباحث في الأمر سويًا، لكن لم يحدث ما توقعته.

خلدنا للنوم، فأضاء القمر الغرفة من خلال النافذة، لكنني بقيت مستيقظة في الفراش لساعات. “هاني” أيضًا لم يعرف أن ينام تلك الليلة. كنت أشعر بأنفاسه وحركاته التي كانت تدل على القلق وعدم النوم.

فكرت صباحًا في أن أفك الحظر. تمهلت قليلاً ثم فككت الحظر وأرسلت للمجهول، أسأله عن الإثباتات التي يحملها، وبالفعل، أرسل لي عبر “واتس آب” وثائق وأوراقًا تثبت أن زوجي متزوجٌ بأخرى ولديه ولد لم يتجاوز الثالثة من العمر.. شعرت وكأن الأرض انفتحت تحت قدمي، ونار تأكلني. في تلك اللحظة، انفجرت بالبكاء والصراخ. شعرت بغضب شديد اجتاحني، وبالصدمة. ولم أستطع التفكير بشكل صحيح.

– كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيًا؟ علاقتي رائعة بزوجي، ولم تكن هناك أية إشارات على وجود امرأة أخرى.

شعور الكره والانفصال انتابني. شعرت بخيبة الأمل وفقدان الثقة. لقد كان هذا الخبر الصادم أقسى شيء مررت به على الإطلاق. أدركت وقتها أنني وعائلتي لسنا بأمان.

مع مرور الوقت، يبدو لي الزمن وكأنه توقف، وهو يغذي المعاناة، ويجعل الأيام والليالي لا تنتهي. يهرب النوم من عيني، تختفي الشهية، ومعها يتم فقدان طعم العيش، وأشعر بأن أدنى حركة تتطلب مجهودًا مضنيًا. أشعر بأنني فارغة، جوفاء، حبيسة نفسي.

قررت أخيرًا أن أتصل بصاحب الرقم المجهول، وإذ بسيدة ترد على الهاتف. فقلت لها:

– هل أنت زوجة “هاني”؟

* نعم، أنا زوجته.

– احكي لي كيف حدث ذلك.

* كنت السكرتيرة في مكتبه. أقمنا علاقة غرامية منذ سنوات، وانتهى المطاف بنا بالزواج. وعدني كثيرًا بأنه سيطلقك.اشترى لي شقة، وكل يوم يحضر عندي ويقول لك إنه في العمل. مع مرور السنين، أنجبت ولدًا منه. أنا قبلت بتلك الحال لكي أؤمن مستقبلي. “هاني” لطالما وعدني بأنه سيطلقك، فقلت له: لا، لا تطلقها، لأنها مريضة.

* أنا لست مريضة، بل أتمتع بصحة جيدة.

أطلقَتْ زفيرًا باردًا، وكأن وجهها محفور  بعمق الاستياء.

– حياتي كزوجة معدومة بسببك.

* هل ممكن أن نلتقي؟ لم أؤذيكما، ثقي في.

– تمام، سأعطيك عنوان البيت.

كانت في داخلي مشاعر متضاربة عندما وقفت أمام بيت الزوجة الثانية. كان هناك خليط من الغضب والأسى والفضول المريب. قررت أن أواجه الحقيقة بنفسي بعد الصدمة. دخلت شقتها. ألقينا التحية على بعضنا بعضًا. وجدت فتاة في العشرينات من العمر، جميلة وطويلة، وشعرها الذهبي منسدل على كتفيها. كانت ترتدي فستانًا أزرق مزركشًا بورد أحمر تحت الركبة. رأيت ولدًا صغيرًا بريئًا جميلًا للغاية. في تلك اللحظة، انقبض وجهها من الدهشة.

* أنت زوجة “هاني”، أليس كذلك؟ لكن “هاني” لم يذكر أي شيء عن زوجته الأولى سوى أنها مريضة.

في تلك اللحظة، بدأت تفهم “سارة” حقيقة ما كان يحدث. لقد خدعها زوجها.

كان الولد يحمل لعبته ويركض في البيت. نظرت إلى الشقة النظيفة والمزينة بذوق خلاب، وإلى ضرتي وابنها، وعملت ما كان عليّ فعله. لم أتفوه بكلمة، وذهبت.

في المساء، جاء كالعادة “هاني” من العمل، وجلسنا نتناول العشاء مع ولدينا، وبعدها ذهب الولدان إلى الغرفة، وجلسنا وحدنا.

– أنا عرفت بموضوع زواجك الثاني وابنك.

* من؟ لا.. كذب.

– اصمت، لن أدعك تخدعني بعد اليوم. كفاك كذبًا! اعلم أنك لم تعد تعني لي شيئًا على الإطلاق.. لم أعد أثق بك..  لم أعد أحترمك.

* ماذا تريدين؟ الطلاق؟

– لا، أبدًا.

* ماذا تريدين بعدما عرفت بكل شيء؟

– سأبقى زوجتك لأجل ولديّ، وستقسِّم وقتك بين هنا وهناك بعدل، كما أوصاك رب العباد أن تفعل، وستنفق المال عليّ وعلى ولديّ.

*تمام.

– وتكتب هذا البيت باسمي.

* لا أريد ذلك.

– بل ستفعل، وإلا فضحت أمرك.. سأدمرك إن رفضت..أنا امرأة مجروحة إلى أقصى درجة.. لن تلمسني مجددًا، فأنا أشمئزُ منك. وهنيئًا لك بالزوجة الثانية.

-هل تعلم أن أعظم وأرقّ ما يحصل عليه المرء في حياته هو قربٌ آمن، دافئ، لطيف وحنون، شخصٌ يحبه، يلجأ إليه في كل حالاته، يجده في كل حين دون افتقاد، شخصٌ لا يحمل معه عناء التبرير؟ شخصٌ يجعله يغمض عينيه وهو مطمئن لا أكثر. كل ذلك كنت أعتقده فيك، ولكنني الآن أشعر بخذلان كبير لدرجة أنني لا زلت أبحث في وجهك عن الشخص الذي عرفت، عن الشخص الذي آمنت به، عن الشخص الوحيد الذي أحببت. إنني أغرق بغصتي في كل مرة أنظر إليك، ولا أعرفك. أذهب الآن من البيت، لا أريد رؤيتك.

اقتنعت بمقولة: “وما أنبلَ الإنسانَ الذي يخفي أوجاعَه بابتسامةٍ حتى يُسعدَ مَنْ حوله”. وسعادة أولادي أهم شيء في الحياة.

مع مرور الوقت، لم ينتبه أحد لغرقي. أنا الذي ظهرت بمظهر الناجي دومًا. ولكنني أتحسن.

لا أريد استعادة أي شيء. لا الأشخاص الذين انتهوا من حياتي، ولا شعوري الذي أهدرته فيما مضى، ولا محاولاتي كيفما كانت.

أريد أن أبدأ من جديد دون غضب، دون ضغينة، دون خوف، دون تردد، دون ندم. هادئة، وأكون مستقرة، لا يعرقل خطواتي ماضٍ ولا خوف من المستقبل، وأن أكون بكامل سكينتي واللحظة الراهنة فقط،وإذ بي أفاجأ بيد “هاني” على كتفي يوقظني من نومي ليقول لي:
-جهزت لك وجبة الإفطار، تعالى نفطر سويًا ونتناول فنجانين من النسكافيه.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى