يرى بعضُ النُقّاد-ورأيهم صحيح- أن أكثر أسماء الشعراء في تاريخنا الأدبي دورانا على الألسنة، وأغلب أشعارهم مستحسنة، هو اسم شاعر العربية وحكيمها أبو الطيب المتنبي-رحمه الله-، فقد كان شعره فَصِيحًا، وقصيده مليحًا، وكلامه جَزْلًا، وحديثه فَخْمًا؛ مَتِين الْحَبْكِ، صَفِيق الدِّيبَاجَة، مُوَثَّق السَّرْدِ، مُحْكَم النَّسْج. ولا غرو في ذلك فقد طُبع على الفصاحة، وجَزَالَةِ الأَلْفَاظِ، وَفَخَامَة الأسلوب. ولقد كنت وما زلت أقول إن أبا الطيب هو شاعر الإنسانية جمعاء.
قال الإمام الذهبي :”ليس في العالم أحد أشعر منه، وأما مثله فقليل”،وقال الثعالبي:”سافر كلامُه في البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده ، والأيام تردده” وهو من قوله:
وما الدهر إلا من رواةُ قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهرُ منشدا
وقال:
قوافٍ إذا سِرْنَ عن مِقولي
وثبْنَ الجبال وخُضْنَ البِحارا
ولقد يصدق فيه وصف علي بن الجهم في وصف الشعر:
فصار مسيرَ الشمسِ في كل بلدة
وهبّ هبوبَ الريح في البرّ والبحرِ
فمنذ أن فرض أبو الطيب اسمه في عالم الشعر، ورسخ رسمه في دنيا الأدب؛ إنْ في عصره أو العصور التي تلته، حتى ظل رقما صعبا-كما يقال – لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن نسيانه، فما من شاعر قط -عربي أو غربي- عاصره مثل أبي فراس والسري أو جاء عقيبه كالمعري والشريف الرضي إلا وقد تأثر به من قريب أو بعيد، وما من ناقد أو أديب في عصره أو في العصور اللاحقة إلا وقف عنده، وفتش شعره، وكأن المتنبي-رحمه الله- يعلم ذلك من نفسه حين قال:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
ومن الأدباء والنقاد المحدثين الذين بهرهم شعر المتنبي، علامة السودان: عبد الله الطيب-رحمه الله-فقد أفرد له مصنفًا مستقلًا سماه :”مع المتنبي”، وملأ كتابه البارع “المرشد إلى فهم أشعار العرب” بذكره والاستشهاد بشعره، فقد استشهد بشعره على امتداد الكتاب حوالي 300 مرة، ونحن في هذا المقال سنطوف مع عبد الله الطيب، ونجول في صفحات كتابه، نقف حيث وقف، متأملين، ومتذوقين، وناقدين، نشاركه دهشته، ونقاسمه بهجته، لعلنا نحظى بشيء من المتعة، ونحظى بشيء من الاطلاع الدقيق على خبايا الزوايا في شعر المتنبي لم نكن قد عرفناها من قبلُ.
تحدث د. عبد الله الطيب-رحمه الله عن قافية الكف عند الفحول من الشعراء فقال:” أكثرُ الشعراء قد أقلو في شعرهم من الكاف، غير أن ابا تمام قد ركبها في بعض طويلياته، فلم يأت بطائل. أما المتنبي فقد استعملها في الوافر، فأجاد وأبدع، وذلك قوله:
فَدىَّ لك من يقصر عن مداكا
فلا مِلكٌ إذن إلا فَدَاكا
وقد جاء بالكاف أصلية في أكثر من نصفها، ولم يستعملها ضميرية في أكثر من ثلاثة أبيات متتابعات، كما في قوله:
إذا التوديعُ أعْرض قالَ قلبي
عليك الصَّمتَ لا صاحبتَ فاكا
ولولا أنَّ أكثر ما تمنى
معاودةٌ لقلتُ ولا مُناكا
قد استشفيتَ مِنْ داءٍ بداءٍ
وأقتل ما أعلك ما شفاكا
وفي حديثه عن بحر المديد المعتل في النظم أتى برأي الأستاذ الهاشمي صاحب “ميزان الذهب” :” أن السبب في إقلال الشعراء في هذا الوزن هو ثقله”. ولم ينكر د عبد الله الطيب ذلك، ولكنه أرجع السبب الرئيس في ذلك إلى أن الفحول أمثال المتنبي.. قد تنكبوه في الكثير الغالب وبهم اقتدى من جاء بعدهم. فهذا مما يرسخ كون أبي الطيب قدوة لمن عاصره او جاء بعده من الشعراء !.
ثم يمضي عبد الله الطيب ويتحدث عن التغييرات التي تحدث في عمود وزن الخفيف، فبعضها حسن وبعضها مستقبح، وما ذلك إلا لصعوبة التحكم في ذلك، وقلة من يتقنه من الفحول، وقد ضرب على ذلك النوع قول المتنبي:
ليس منا قط الرضا بالدنية
ومثل ذلك ما يقال في (المنسرح) الذي أصل وزنه من الرجز، وقد جرى الشعراء على تجنبه، لأن وزنه غير ثابت عندهم، وليس هو في يسر السريع ولا الكامل ، ولو قد كان كذلك لأكثروا منه لما يغلب الشعراء من تكلف الرقة واللين.
قال شوقي في رواية “مجنون ليلى” (45 – 46):
هلا هلا هيا … اطو الفلا طيا
وقربي الحيا … للنازح الصب
قال د. عبد الله الطيب: وهذا نشيد حلو عذب، ولمثله يراد هذا البحر.
ثم قال: وقد أخذ أبو تمام بطرف من “المنسرح” في بعض قصائده، فجاء به على غير وجهه ثم أضاف :” ولم يرفع “المنسرح” من الوهدة التي قذفه فيها تنكب أبي تمام له “إلا فيما قل]”وإعراض البحتري عنه على وجه الإجمال، شاعر بعدهما إلى يومنا هذا -اللهم إلا ما حاوله المتنبي في قوله:
أهلًا بدار سباك أغيدها
أبعد ما بان عنك خرَّدها
كذلك تظهر عبقرية أبي الطيب رحمه الله في “لاميات الخفيف ونونياته” على كثرتها، فمنذ أن كان المهلهل التغلبي والحرث اليشكري وكشفا عن لجها، وإن كانت لامياتهما كلها في فن الرثاء وذكر الثأر – إلا أنهما كانا من الرقة بمكان عال. فقد هلهلا النظم وحسّناه وبرعا فيه، حتى صارا قدوة تحتذى.
قال الحرث اليشكري:
قربا مربط النعامة مني
لقحت حرب وائل عن حيال
فرد عليه المهلهل بعد هزيمته بقول:
ليس مثلي يخبر الناس عن
آبائهم قتلوا وينسى القتالا
لم أرم عرصة الكتيبة حتى
انــتعل الورد من دماء نعالا
ثم جاء بعدهما الأعشى فقال لاميته في غرض آخر :
ما بكاء الكبير بالأطلال
وسؤالي وما ترد سؤالي
على أنّ لامية الأعشى هذه كانت خاتمة اللاميات في العهد الجاهلي وصدر الإسلام، وظل الحال على هذا حتى جاء عملاق الشعر المتنبي فنظم فيها مرفوعة ومخفوضة، مردفة وغير مردفة، فأربى وزاد على من قبله وفتح الطريق لمن بعده، وذلك في قوله:
ذي المعالي فليعلون من تعالى
هكذا هكذا وإلا فلا لا
شرف ينطح النجوم بروقيه
وعز يقلقل الأجيالا
حال أعدائنا عظيم وسيف الدو
لة ابن السيوف أعظم حالا
وقوله:
ما لنا كلنا جو يا رسول
أنا أهوى وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها
غار مني وخان فيما يقول
أفسدت بيننا المودات عينا
ها وخانت قلوبهن العقول
وفيها من الجيد الرائع الذي يفصح بقلق الشاعر واضطرابه قوله:
نحن أدرى وقد سألنا بنجد
أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من السؤال اشتياق
وكثير من رده تعليل
كلما رحبت بنا الروض قلنا
حلب قصدنا وأنت السبيل
انظر إلى قوله: “رحبت بنا الروض” ألا تحمل هذه الكلمات إليك ما كان يحس به المتنبي في أعماق نفسه من لذع القلق، أم لا تمثل لك ما كان يصبو إليه من الأمن والاستقرار؟
ولا يزال الشعراء ينظمون في هذا النهج الذي أحياه المتنبي، ولكن شتان بين شعر المتنبي وأشعارهم!
وما يقال في لاميات الخفيف يقال في نونياته ولا نزيد.
أما الرجز التعليمي فقد رسخت قدمه وفشا أمره، وذاع صيته في بداية العهد العباسي، فقد روى لنا صاحب “الأغاني” قصة الوليد بن يزيد وكان على شرابه، فقيل له: إن اليوم يوم الجمعة، وقد حان وقت الصلاة، فقال: والله لأخطبنهم بشعر، فصعد المنبر فقال:
الحمد لله وليِّ الحمد
أحمده في يسرنا والجهد
ونظم أبان بن عبد الحميد اللاحقي أرجوزة حول بها كتاب كليلة ودمنة من منثور إلى موزون مقفى، ومطلعها:
هذا كتاب أدب وفطنه
وهو الذي يدعي كليل ودمنة
ونظم أبو العتاهية أرجوزته الطويلة المسماة ذات الأمثال، واولها:
إن الشباب والفراغ والجدة
مفسدة للمرء أي مفسدة
وقد أكثر الناظمون بعد ذلك حتى نظموا فيه في أكثر العلوم؛ مثل النحو ،والفقه والرياضيات ،والمنطق، وغير ذلك من العلوم.
وقد اخذ على الرجز التعليمي جنايته العظيمة على بحر الرجز مما جعل الشعراء الفحول مثل المتنبي يتحامونه، مع أنه أجاد كل الإجادة في لاميته :