
وجيه حسن
يقول أحدهم: “أدب الأطفال كالفيتامينات للفكر، يحتاج عقل الطفل وخياله منها إلى أنواع مختلفة.. كلّ نوع يغذّي جانباً من شعوره وتفكيره، ويقوّي نواحِيَ الخيال فيه”.
بناءً عليه، فإنّه ما من سبيل بالنسبة إلى الأطفال لتجنّب الانغماس في الأدب، فهو يأتيهم بأشكال مختلفة، منها الكلمات والصّور، وهو يطالعهم في المنزل والشارع والمجلّة والمدرسة ودور السينما والمسرح وعلى الشاشة الصغيرة، بل ويواجههم في علاقاتهم بأصدقائهم، عليه فإنّ هذه الصّور الأدبيّة تختلف في قيمتها، وهو أمر كثيراً ما أغفله الباحثون نظراً لأنّ الأدب قد أصبح يرتبط بنظر الكثيرين بمجموعةٍ مختارةٍ من المواد.
ولا ريب في أنّ “أدب الأطفال” يؤلّف أداة فنيّة من أدوات تنشئة الطفولة التي تُعتبر بحقّ ركيزة المستقبل المأمول، لأنّه يسهم في بناء شخصيتها التي تقوم عليها في الغد شخصيّة المجتمع الجديد، كما أنّ الطفولة طاقة كامنة، لا يمكن لها أنْ تنطلق من عقالها بشكلٍ كافٍ، إلّا إذا عملنا ـ نحن الكبار ـ على تفتّحها وانطلاقها، ثم لا يظنّن أحدٌ، أنّ طفل اليوم هو طفل صغير، بعيد عن المجتمع والمعرفة والإدراك والاستيعاب، بل علينا أنْ نقرّ، بأنّ لدى الطفل من الطاقات والمعلومات ما يعادل ما لدى أبويه أحياناً، وربّما أزْيَد، فالطفل يستطيع أن يدرك ويلتقط بأسرع وأدقّ ممّا نتصوّره ونعرفه عنه، “لأنّ طفل اليوم ينمو ويكبر مع الاكتشافات والتكنولوجيا، ولا يشعر بأنّها خارقة ومُدهشة، لأنّها نشأت معه، وتأثّر بها أيّما تأثّر”!!
إنّ “أدب الأطفال” يضعه الكبار ـ هذه حقيقة ـ فهل يترتّب على ذلك اختلاف مفهوم “أدب الأطفال” عن مفهوم الأدب بشكل عامّ؟ ثمّ هل يستمتع الأطفال بالأدب؟ وأيّ أنواع الأدب يُولّد المتعة في نفوسهم؟ ما طبيعتها؟ وفي أيّ سنّ يستشعر الطفل هذه المتعة الحقيقية؟
إنّها وسواها أسئلة مهمّة تحتاج إلى أجوبةٍ شافيةٍ من جانب المهتمّين بالطفولة وأدبها، وعلم النفس والتربية كذلك..
عليه.. فإنّ “أدب الأطفال” المُعافَى، هو منقذنا، ومنقذ أطفالنا ـ فلذات الأكباد ـ من سَيْل الأخطار التي تدهمنا في عقر بيوتنا ومهودنا ومواقعنا عبر الفضائيّات والإعلام المفتوح أو “المفضوح”، كما أنّ “أدب الأطفال” هو الأمل في حياةٍ مستقبليّةٍ مشرقةٍ لنا وللأجيال العربيّة الصّاعدة.
إنّ طفلنا العربيّ اليوم، كان ولا يزال يعاني واقعاً لا حدّ لِقبحِه وفسادِه وإرهاصاته، ومع ذلك، فلقد كان هذا الطفل نفسه ولا يزال “الينبوع الذي يتفجّر بالضّوء والماء.. بالفجر والمطر”، على حدّ وصف المرحوم د. عبد العزيز المقالح، مدير جامعة صنعاء سابقاً.
إنّ عالم الطفولة ـ على الرّغم من صغره ـ هو عالمٌ كبير، واسع الأرجاء، يجعل الطفل الذي سيغدو شابّاً، ثمّ رجلاً، شديدَ الصّلة بواقعه وأرضه والجذور، كما يمكنه من الدّخول إلى هذا الواقع بخطوات ثابتة، فلا يُفاجَأ، ولا يتردّد.
إنّ “أدب الأطفال” ليس أداة لفائدة الطفل، بقدر ما هو أداة للنّهوض به وبالمجتمع على وجه العموم،بل إنّه وسيلة من وسائل حياة الطفل، التي هي أساس حياة المجتمع كله، وعليه وبه يقوم البناء النفسي والاجتماعي والعاطفي والعقلي للإنسان الجديد.
إنّ من حقّ الأطفال علينا ـ نحن الكبار ـ أنْ يتذوّقوا الأدب، “فالأدب: تعبير عن حكمة الإنسانيّة ورغبتها وشكوكها وأخطائها في هيئة رموز وكلمات وصور، وهو كذلك تراثٌ يغرفُ من نبعه كلُّ مَنْ يهمّه أنْ يرتويَ من هذا النّبع الزاخر”!
وممّا لا شك فيه، أنّ أطفالنا على موعد مع عالم الغد، فبأيّ عالمٍ سوف يعيشون؟ وممّا تجدر معرفته أنّ “أدب الأطفال” اليوم له تأثيره الواضح في تربية الطفل، وبالتالي في تكوين شخصيّته، لأنّ هذا الأدب هو الباعث على خلق الاتجاهات الحميدة في نفوس الأطفال، وهو المساعد على تكوين الذّوق الفنّي لديهم من سماع موسيقى، وقصص المبدعين من كتّاب وفنّانين ونحّاتين وموسيقيّين، ومعرفة الفنون الجميلة، وهو العامل على نموّ ذوقهم الأدبيّ والعلميّ من خلال “القصّة”، التي تحتلّ المكانة الأولى في “أدب الأطفال”.
ونستطيع التّوكيد مع كثيرين، أنّ (المضمون مهمٌّ جدّاً في أدب الأطفال)، لأنّه المحور الذي تنطلق منه توجّهاتنا لتمهيد الطريق الصحيح أمام الأجيال الناشئة، وأهم ما يتضمّنه هذا الأدب: “تقديم منظومة متكاملة من القِيم والمبادئ”، وعلينا أن نؤكّد أنّ المعادلة الصّعبة، هي ألا نقدّم للطفل ما يريده هو، ويميل إليه، بل ما نريده نحن الكبار من اتجاهات وقيم ومُثُل ومَغازٍ ومضامين تربويّة هادفة أيضاً، وبما يتناسب وقدرات الطفل وحاجات لغته وثقافته، بحيث يستهويه ويحقق علاقة سعيدة بينه وبين الكتاب، كلّ هذا وذاك علينا تقديمه بأسلوب فيه الخيال الفنّي الثريّ والسّلاسة، دونما تصنّع، أو تكلّف، أو ابتذال.
إنّ من حقّ الأطفال علينا ـ نحن الكبار ـ أنْ يتذوّقوا الأدب، لأنّه هو الذي يحمي هُويّة مجتمعنا، وهُويّة أبنائنا من الذلّ والانكسار والإنكار، فهو الذي يرقى بأخلاقيّات الأبناء من بنين وبنات، لِيشبّوا في إطار ما خلّفه الآباء والأجداد من قيم راسخة، ومبادئ ساطعة في الحياة.
يقول الكاتب السوري نزار نجّار في كتابه الماتِع “في أدب الأطفال”:
“الأطفال أثمن ما نملك من حطام الحياة، ومن دونهم لا حياة متوالية، ولا خلود، والطفل طفل قبل أن يكون رجلاً.. فتعالَوا نفهم الأطفال، ونرى الصّورة الصّحيحة لهم، قبل أنْ ندخل مملكتهم الصّغيرة ـ الكبيرة، ونحطّم أمانيَّهم وأحلامَهم”.
قصارى القول، فإنّ المطلوب اليوم هو الاهتمام المُضاعَف بأدب الأطفال، وتحديداً قضايا أدب الأطفال الجوهريّة، بخاصّة بعضُ مراحل عمر الطفل، عندما يترك القصص السّاذجة، ويبدأ يتطلّع إلى القراءات الجديّة، التي تتناول قِيم الحقّ والخير والجَمَال، والعدالة، والصّدق، وحبّ الآخر، والتعاون، وإنكار الذّات، والأمانة، كما أنّه بحاجة إلى الوعي والإرادة.
لقد مرّ بخاطري وأنا أستمع إلى صاحبٍ لي، كان قد تحوّل إلى الكتابة للأطفال، بأنّه يحبّهم، وكأنّ الآخرين يكرهون الأطفال، إنّ كلّ الكبار يحبّون الأطفال، يحبّون عالمهم الرّائع البريء، لذا لم أعجب أنْ أرى كتابات صاحبي مجرّد حنان على الطفولة، ومودّة لها بلا حدود، كأنّه يتكيّف مع الطفولة، ويتمتّع معها.
وفي هذا السّياق، يقول الكاتب الرّوسي “مكسيم جوركي، (1868 – 1936م)، صاحب كتاب “طفولتي”: “حتّى الدّجاجات تحبُّ الأطفال، ولكنْ هل تعرف كيف تربّيهم“؟
زر الذهاب إلى الأعلى