مقالات

من النيل إلى الخليج وبالعكس.. رؤية معمارية عابرة للحدود محمد الخضيرى مشهدي – الإمارات  

محمد الخضيري مشهدي

في أدق تعاريف العمارة تخبرنا أبجديات الفنون المعمارية بأنها ليست مجرد تشكيل للفراغ أو سباق نحو الارتفاعات القياسية، بل خطاب حضاري يعكس هوية الشعوب ويجسد قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى قيمة مضافة.
بين ضفتي النيل وسواحل الخليج، تشكلت ملامح رؤية معمارية جديدة عابرة للحدود، تكاملت فيها الخبرات وتلاقت فيها الطموحات، حتى أصبح المجال العربي ساحة مفتوحة للإبداع المشترك لا التنافس المنعزل.
في مصر، حيث يمتد التاريخ العمراني من معابد الأقصر إلى أحياء القاهرة الخديوية، تجددت الروح المعمارية وتجلت في صورة مشروعات قومية كبرى، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة التي تمثل محاولة لإعادة صياغة مفهوم المدينة الحديثة وفق معايير حداثية صارمة.
في العاصمة الإدارية الجديدة أعيدت هندسة العلاقة بين الإنسان والمكان، بين التراث والتكنولوجيا، وبين التخطيط المركزي واحتياجات المجتمع،وعلى الضفة الأخرى من المشهد العربي، برزت مدن الخليج كنماذج واعدة وأمثلة حية لسرعة التنفيذ ودقة التسليم.
من دبي التي تحولت إلى مختبر عالمي للعمارة المستقبلية، وأعادت تعريف صورتها الحضرية ضمن مشاريع تحول وطني طموحة، تجسدت في إرادة سياسية واقتصادية جعلت من البناء أداة للتنمية الشاملة، لا مجرد استثمار عقاري.
ما يلفت الانتباه هنا هو ليس الفارق في الطابع المعماري، بل مساحات التلاقي الممكنة، فالمعماري المصري الذي تشكل وعيه في سياق حضاري عريق، يجد في الخليج بيئة خصبة لتجريب أفكاره على نطاق واسع.
في المقابل، تستفيد المدن المصرية من خبرات الإدارة الحضرية المتقدمة ونماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص التي ازدهرت في الخليج.
إنها علاقة تبادلية لا أحادية الاتجاه، فمن النيل إلى الخليج انتقلت الكفاءات والخبرات، ومن الخليج إلى النيل عادت الاستثمارات والرؤى الحديثة، وبين هذا وذاك، تشكلت هوية معمارية عربية جديدة، قائمة على احترام الخصوصية الثقافية إلى جانب الانفتاح على العالمية.
غير أن الرؤية العابرة للحدود لا ينبغي أن تنحصر في الأبراج الشاهقة أو الواجهات الزجاجية. فدائمًا ما نوصي أو نتطلع إلى بناء مدن إنسانية تراعي المناخ، وتحترم الموارد، وتمنح ساكنيها شعورا بالانتماء.
هنا يمكن للخبرة المصرية في العمارة المتكيفة مع البيئة، وللتجارب الخليجية في التقنيات الذكية وإدارة الطاقة، أن تتكاملا في صياغة نموذج عربي للاستدامة نتمنى حدوثه، فالعمارة القادرة على الجمع بين روح المشربية وذكاء الأنظمة الرقمية، بين الفناء الداخلي وتقنيات التبريد الحديثة، هي عمارة تفهم تاريخها دون أن تُكون أسيرة له وهذا ما نرجو حدوثه مستقبلًا.. أي مدرسة معمارية عربية بروح عصرية تناسب البيئة وتتطلع للمستقبل بخطى واثقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى