مقالات

“الأم… الوطن الذي لا يغيب” هناء حافظ – الإمارات

هناء حافظ

في كل صباح، ينبض قلب الأم حبًا لا ينتهي، وتظل ضحكتها شمعة تضيء حياتنا، فكيف نحتفل بهذه الروح التي صنعت منا البشر؟ في كل عام، مع قدوم عيد الأم، تعود الذكريات لتطرق أبواب القلب، وأول من يخطر في بالي هي أمي.
لو أردت أن أختصر أمي في جملة واحدة، لقلت إنها كانت امرأة تحب الله وتخشاه، ولم يكن ذلك ظاهرًا فقط في العبادات والشعائر الدينية، بل كان أسلوب حياة تعيشه كل يوم. وكان يظهر جاليا عند الخلاف أو الأذى من الآخرين. كانت تمتلك قدرة عجيبة على ضبط النفس، وملكة في التسامح قلّ أن رأيت مثلها في حياتي. لم تكن تبحث عن الانتصار لنفسها، بل عن ما يرضي الله فقط، دائما كانت تفضل العفو حبًا في الله. لم أرها يومًا تحسد، بل كانت تفرح للخير حين يصيب الآخرين كأنه أصاب بيتها.– رحمها الله – كانت رقيقة في ملامحها، جميلة في أخلاقها، ونقية في روحها، والنور الذي يضيء لي الطريق دون أن أشعر.
كان معتقدي أمي أن ستعيش طويلًا حتى عمر التسعين، وكان مجرد تخيل فقدانها يقبض قلبي خوفًا، لكنني لم أكن أعلم ما تخبئه الأيام. رحلت أمي عن عمر واحد وخمسين عامًا، وتركت في القلب جرحًا لا يندمل.
كنت أزلزل الأرض تحت قدمي ، ولم أكن أدرك أن قوتي وإحساسي بالامان كانا مستمدين منها. رحلت أمي قبل أن أدرك أن في حياتي نعمة عظيمة اسمها الأم.
كان في نهاية شارع بيتنا مكتبة عامة كبيرة، وكنت أمضي الساعات أتجول بين أرفف الكتب بلا ملل، وأعود إلى البيت أقص على أمي كل ما قرأت فكانت مساحة احتواء لا تنتهي. أمي لم تطلب شيئًا وأعطتني كل شيء. رحم الله أمي وكل أم غادرت الحياة ولم تغادر القلوب يومًا.
واليوم، في زحام الحياة وتسارع الأيام، يأتي يوم الأم كل عام ليوقظ في القلب ذاكرة لا تغيب، ويذكرنا بأن هناك شخصًا واحدًا في هذا العالم كان دائمًا معنا منذ اللحظة الأولى. هي الحضن الذي عرفناه قبل أن نعرف معنى الخوف، والصوت الذي منحنا الطمأنينة قبل أن نتعلم الكلام، واليد التي أمسكت بخطواتنا الأولى حتى استطعنا الوقوف على أقدامنا. مدرسة الحياة التي لا تغلق أبوابها , الابتسامة التي تخفف كل الألم مهما كبرنا.
هي بداية الحكاية وعندما يكبر الإنسان ويظن أنه أصبح قويًا بما يكفي لمواجهة الحياة، يكتشف أن القوة الحقيقية كانت دائمًا في دعوة صادقة رفعتها أم في جوف الليل، أو في قلب ظل يدعو لأبنائه وهو يبتسم رغم التعب.
الأم لا تكتب تاريخها في الكتب، لكنها تكتبه في وجوه أبنائها. لا تتحدث كثيرًا عن تضحياتها، لكنها تقدمها كل يوم في صمت؛ في وجبة أعدتها بمحبة، أو في سهر طويل على مرض طفل، أو في قلق لا يهدأ حتى يطمئن قلبها على من تحب. وربما لهذا السبب تبقى الأم أعظم مدرسة عرفتها الإنسانية. فهي التي تعلم أبناءها أول درس في الرحمة، وأول معنى للصبر، وأول قيمة للعطاء دون انتظار مقابل.
في مجتمعاتنا العربية، لم تكن الأم يومًا مجرد فرد في الأسرة، بل كانت دائمًا عمود البيت وروحه. هي التي تحفظ التوازن بين أفراده، وتمنح البيت دفئه الحقيقي، وتبقى دائمًا آخر من يفكر في نفسه وأول من يفكر في الآخرين. ومع مرور السنوات، ندرك شيئًا فشيئًا أن كثيرًا من الأشياء التي اعتبرناها عادية في طفولتنا كانت في الحقيقة تضحيات كبيرة. ندرك أن هناك قلبًا كان يخفي تعبه حتى لا يقلقنا، ويدًا كانت تعمل بصمت حتى تستمر الحياة.
الدراسات الاجتماعية جاءت تشيرإلى أن أكثر من 85٪ من الأسر العربية تعتبر الأم محور استقرار الأسرة، وأن حضور الأم وتفاعلها اليومي مع الأبناء يؤثر بشكل مباشر على نجاحهم الدراسي ونموهم العاطفي. كما أظهرت البيانات أن 90٪ من الأمهات يقدمن تضحيات يومية لا تُحسب، من رعاية أطفالهن إلى دعم الأسرة المالي والمعنوي، دون انتظار أي مقابل.
لذلك فإن الاحتفال بالأم لا ينبغي أن يقتصر على كلمات جميلة أو هدية في يوم واحد، فالأم لا تنتظر احتفالًًا بقدر ما تنتظر لحظة تقدير صادقة، وكلمة امتنان تخرج من القلب، ولكل من كتب عن الأم كل التقدير، لكن أجمل ما قرأت عن الأم في الأدب العربي ما قاله  الشاعر الكبير حافظ إبراهيم :
الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبًا طيب الأعراق
صدقت، فهي مصدر الحنان والتربية وبناء المجتمع، هي التضحية الصامتة التي لا تنتظر مقابلًا.
وما كتبه كاتبنا الكبير أحمد أمين بعد وفاة أمه، وفيه يتذكر تفاصيل بسيطة من حياتها:
“أعظم ما في الأم ليس الكلمات الكبيرة، بل الأشياء الصغيرة التي تفعلها كل يوم.”
اعلم أن بين يديك درة عمرك التي لن تتكرر. اقترب منها، واحفظ وجودها، واغتنم كل لحظة معها. فالأم ليست مجرد شخص في حياتنا… الأم هي الأمان الذي لن يعوضه أحد، وحين تغيب الأم.. ندرك أن البيت لم يعد بيتًا، فهي الوطن الصغير الذي نحمله معنا أينما ذهبنا..الوطن الذي لا يشيخ.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى