مقالات

“لعبة المرآة والريح” هناء حافظ – الإمارات

هناء حافظ

لم أكن أعلم أن موعدي مع الحقيقة سيكون في تلك اللحظة العابرة، حين جلست على “التراس” أراقب بقايا مطر خفيف يغسل وجه الشوارع الصامتة. كان ثمة شعور غريب يطاردني، قبضة في صدري لا أجد لها تفسيرًا، وكأن شيئًا ما في داخلي أوشك على الانكسار. وفجأة، لمحتها ورقة شجر وحيدة، صفراء شاحبة، تتمسك بغصنها كغريق يرفض الاستسلام لموجه الأخير.
هزت الريح الغصن ، فتوقفت الورقة لحظة وارتفعت ثانية كأن يدًا ألقتها في فضاء لا حدود له. سألت نفسي بفضول: إلى أين ستذهب؟. بدأت الورقة تهيم ، تارة تصطدم بالأغصان ، وتارة تدور في رقصات توحي بأنها لا تسقط، بل تحلق في السماء.
كل حركة لتلك الورقة كانت تنبش في أعماقي جراح طفولة ضائعة، أحلامًا مؤجلة، وخوفًا من السقوط الذي طالما طاردني في كوابيسي. كنت أحاول التنبؤ بمسارها، لكن كل توقعاتي في كل مرة هي محاولة فاشلة، فقد كانت تختفي بين الأشجار، ثم تعود فجأة، شعرت معها بشيء أقرب للانتماء من مجرد المراقبة العابرة. النسيم يحمل رائحة الأرض بعد المطر، وألوان الورقة المنطفئة تعكس ضوءًا غريبًا على حوافها، فخيل لي أنني أسمع خشخشتها في الهواء، وكأنها تهمس بسر خفي لا يدركه سوانا، ثم جاءت اللحظة الفاصلة. توقفت الورقة عن الرقص، واستقرت على حافة “التراس” بين يدي. في تلك اللحظة، شعرت بوخزة في صدري، ونظرت إلى يدي المسترخيتين.. لم تكن أصابعي كما عهدتها. رفعت بصري نحو زجاج النافذة المواجه لي، فصعقتني الحقيقة التي لم تخطر لي على بال.
لم يكن هناك جسد جالس على الكرسي. الانعكاس في الزجاج لم يكن لامرأة مرهقة، بل كان لتلك الورقة ذاتها. كنت أنا الورقة وكل ما عشته في تلك الدقائق من مراقبة لم يكن إلا انعكاسا لحياتي كلها. كل رفرفة قمت بها، كل سقوط مرير، وكل محاولة للصعود. كانت هي مراحل عمري منذ الطفولة وحتى هذه اللحظة. كل خوف سكن قلبي من قبل، لم يكن إلا مقدمة ضرورية لهذا الطيران الحر الذي أختبره الآن.
ابتسمت في مرآة الزجاج، وشعرت بخفة لا توصف، كأن الريح حملتني بعيدا عن أثقال الجسد وهموم البشر. لم أعد مجرد مراقبة للحياة من بعيد، بل صرت جزءًا منها، من كل نسمة. أدركت أخيرا أن الحرية الحقيقية لا تأتي من السيطرة على الأقدار، ولا من التشبث بالأغصان القديمة خوفا من المجهول، بل من الانصياع الواعي لتيار الحياة.
السقوط ليس نهاية، بل هو مجرد رحلة أخرى لفهم ذواتنا. الورقة حرة وهي نحن، ونحن فيها، وما الحياة إلا رقصة قصيرة بين غصن تركه المرء وأرض لم يصل أليها بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى