أخبار

الاحتفال بإعلان جائزة خالد خليفة للرواية الدورة (2)

فوز التونسي عماد علي قيدة عن روايته "المنصرمون"

عماد قيدة خلال تكريمه بجائزة خالد خليفة للرواية يتوسط فارس الحلو وحسين درويش

في اللاذقية.. الياسمين يعود على شكل رواية

اللاذقية    –    حسين درويش :

لم يكن مساء الأربعاء 30 أيلول/ سبتمبر عادياً في اللاذقية.القاعة ممتلئة حتى آخر كرسي، والوجوه التي اعتادت أن تلتقي على هامش معرض أو أمسية، اجتمعت هذه المرة لسبب واحد: أن خالد خليفة ما زال حياً، لكن على شكل جائزة.
وسط هذا الحضور النخبوي والجماهيري الواسع، صعد اسمٌ قادم من الضفة الأخرى للمتوسط. التونسي عماد علي قيدة، الفائز في الدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية عن روايته “المنصرمون”.
اللحظة التي انتظرها الجميع جاءت حين تقدم الفنان فارس الحلو، عضو مجلس أمناء الجائزة، حاملاً الدرع. لم يكن مجرد تسليم جائزة، كان تسليم أمانة. درعٌ باسم روائي جعل من الهزيمة مادة للحكاية، يذهب الآن إلى روائي شاب اختار أن يحاور تاريخ بلاده من مدينة نابل.
ولم يكن الحفل ليكتمل دون صوت يأتي من عمق التجربة السورية. الروائي الكبير نبيل سليمان، وقف وتحدث لا كناقد، بل كجار قديم لخالد. ربط بين اللاذقية وخالد، وقال ما يشبه الاعتراف: اللاذقية لم تكن ديكوراً في روايات خليفة. لم تكن خلفية. منذ روايته الأولى “حارس الخديعة” التي حملت روح “سمك ميت يتنفس قشور الليمون”، كانت اللاذقية هي الرائحة، هي الذاكرة، هي البحر الذي يبتلع أسئلة المنفى والخسارة ويعيدها على شكل موج. سليمان بدا وكأنه يقول: نحن لا نكرّم خليفة في اللاذقية، نحن نعيد خليفة إلى اللاذقية.
ثم جاء دور الكلمة الرسمية التي رفضت أن تكون رسمية. الأمين العام للجائزة، الشاعر حسين درويش، شكر لجنة التحكيم، لكنه توقف مطولاً عند كلمة واحدة: الاستقلالية. أكد أن هذه الجائزة التي أسسها أصدقاء خالد، بلا تمويل مشروط ولا أجندة، ستبقى حيادية ونزيهة. وقال إن طموحها ليس توزيع دروع، بل تشجيع أولئك الروائيين الشباب الذين ما زالوا يؤمنون أن الحرية ليست شعاراً، وأن العدالة الاجتماعية يمكن أن تبدأ من سطر في رواية، من أمل صغير تقدمه للقارئ.
الحفل نفسه، الذي نظمته الأمانة العامة للجائزة بالتعاون مع تجمع “سوريون أحرار”، لم يكن خطابات فقط. كان برنامجاً كاملاً لاستعادة خالد: معرض لأغلفة رواياته الثماني، من “حارس الخديعة” إلى “لم يصلِّ عليهم أحد”، قراءات شعرية، شهادات حية من أصدقائه الذين ضحكوا وبكوا وهم يتذكرون، عرض لفيلم سينمائي، وموسيقى تملأ الفراغات بين الكلمات. في الصفوف الأولى، كان المشهد السوري الثقافي حاضراً: الشاعر منذر المصري، الفنان مجد فضة، الشاعرة ندى منزلجي، التشكيلي فادي عساف، بالإضافة إلى بولس حلاق أحد المؤسسين للجائزة وعضو الأمانة العامة الذي رحب بالحضور وقال شكراً للذين جاؤوا ليقولوا إن الرواية ما زالت قادرة على جمعنا، فضلاً عن إطلالة احترافية لماريا تورمش وكارلا إبراهيم اللتين تناوبتا على تقديم فقرات الحفل.
أما الفائز، عماد علي قيدة، فوقف قليلاً مرتبكاً أمام كل هذه المحبة لاسم لم يلتقِ به. قال إنه يعتز بجائزة تحمل اسم روائي ترك أثراً عميقاً في الرواية العربية، وإن روايته “المنصرمون” تسكن نفس الأسئلة التي اشتغل عليها خالد خليفة طويلاً: كيف تتذكر المدن أبناءها؟ وكيف يتحول المنصرمون إلى حكاية لا تنتهي؟
وكانت الأمانة العامة قد أعلنت في منتصف يوليو الماضي فوز “المنصرمون” في دورة 2026 المخصصة للعمل الروائي الأول غير المنشور وقيمة الجائزة (رمزية) ألف دولار أمريكي وطباعة الرواية لدى دار نشر عربية معروفة.
لجنة التحكيم كانت برئاسة الروائية الفلسطينية ليانة بدر وعضوية د. شهلا العجيلي من سوريا ود. خيري دومة من مصر، و قالت في حيثياتها إن الرواية تحاور التاريخ السياسي التونسي بشخصيات واقعية ومتخيلة، تتنقل بين القرن التاسع عشر وما بعد الثورة في مدينة نابل، ببنية سردية مركبة تستخدم تعدد الأصوات والوثائق الحقيقية والمتخيلة، وتحافظ في الوقت ذاته على تشويق رحلة البطل الشخصية والوطنية والوجودية.
ونافست على القائمة القصيرة خمس روايات: “منافٍ قريبة” لإبراهيم عدنان ياسين (لبنان)، و”ميم طاء عين” لعمر العزاوي (العراق)، و”دماء مغسولة” لمدحت صالح (مصر)، و”أن يُبنى على تراب” لمي محمود محمد (سوريا)، إلى جانب “المنصرمون”.
هذه الجائزة التي تُمنح سنوياً للعمل الأول غير المنشور، بدأت العام الماضي مخصصة للسوريين فقط، وفازت بها في دورتها الأولى التي أقيمت في المكتبة الوطنية بدمشق الروائية السورية مناهل السهوي عن “أنثى فرس النبي”.
اليوم، في دورتها الثانية، توسعت لتقول إن اسم خالد خليفة، ابن “أورم” الصغرى بريف حلب، خريج الحقوق في جامعة حلب، وصاحب روايات “مديح الكراهية” و”لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” و”الموت عمل شاق”، لم يعد ملكاً لمدينة واحدة، بل صار جسراً من اللاذقية إلى نابل، ومن نابل إلى كل مدينة تبحث عن رواتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى