مقالات

“صومعةُ المبدع وضجيجُ المحافل” د. زيد أحمد أمين الأعظمي – الإمارات

ما بين وهمِ الغزارة وحقيقة الابتكار: مرافعةٌ ضد تسليع الفن واختزال المبدع في أرقام

 

د. زيد الأعظمي

 

في زمنٍ أصبحت فيه “السرعة” معياراً والـ “أرقام” لغةً وحيدة للحقيقة، تسللت لوثة القياس المادي إلى أقدس معاقل الروح: الفن. لقد بات الوسط الفني اليوم يمارس نوعاً من “القمع الثقافي” عبر الترويج لمغالطةٍ منطقية فجة، تحصر صك “المواطنة الإبداعية” في عدد المعارض وغزارة اللوحات، وكأن المرسم قد تحول من مختبرٍ للجمال إلى خط إنتاجٍ صناعي محكومٍ بخوارزميات السوق التي لا ترحم.

أولاً: كينونة الفنان.. وجودٌ لا وظيفة

إن ربط صفة “الفنان” بضجيج الظهور هو خلطٌ بين “الإبداع” كعملية ذهنية وروحية، وبين “الاحتراف” كنشاط تسويقي. الفنان في جوهره هو كائنٌ يمتلك عدسةً متفردة لرؤية الوجود، وأدواتٍ مبتكرة لصياغة هذه الرؤية. هذه “الكينونة” لا يلغيها انزواء الفنان في صومعته؛ فالمعرض هو مجرد “نافذة”، وإغلاق النافذة لا يعني أبداً هدم الغرفة. إن الفنان الذي يصنع “أسلوباً” ويحرفن “تكنيكاً” مستحدثاً هو فنانٌ مكتمل الأركان، حتى وإن كانت أعماله حبيسة مرسمه؛ لأن القيمة الفنية تُخلق لحظة اكتمال العمل، لا لحظة تعليقه على الجدار.

ثانياً: دروس التاريخ.. حين تكون “القلة” خلوداً

تتجلى المغالطة الكبرى في تقديم “الكم” على “الكيف”. تاريخ الفن يصفع دعاة الغزارة بنماذج خلّدها “التكثيف” لا “التكرار”:

  • يوهانس فيرمير: سيد الضوء الهولندي، الذي لا يملك العالم له سوى 34 لوحة فقط! لم يكن فيرمير يملأ القاعات بالضجيج، بل كان يحيك الضوء والسكينة في لوحاته لشهور طويلة. هذه القلة جعلت من كل عمل له “جوهرة” نادرة لا تُقدر بثمن.

  • ليوناردو دافنشي: العبقرية التي أذهلت البشرية، لم يترك وراءه سوى أقل من 20 لوحة مؤكدة. كان دافنشي “فنان الصومعة” بامتياز، يقضي سنوات في دراسة تشريح عضلة أو انعكاس ضوء قبل أن يضع لمسته. هل يجرؤ أحد على نزع صفة “الفنان” عنه لأنه لم يقم معارض سنوية؟

  • مارسيل دوشامب: الذي توقف عن الرسم تماماً لسنوات طوال، مكتفياً بأعمال معدودة أحدثت ثورة “المفاهيمية” في الفن. لقد أثبت أن “الفكرة” المبتكرة والأسلوب الصادم يزنان أكثر من ألف متر من القماش الملون.

ثالثاً: فخ “التسييل” وقتل الابتكار

حين يرضخ المبدع لإملاءات “وهم الغزارة”، فإنه يقع في فخ “الاجترار الذاتي”. إن الضغط لإقامة معارض دورية يفرغ التجربة من نضجها، ويحول الفنان إلى “صانع محتوى” يخشى النسيان، فيبدأ بنسخ نجاحاته السابقة، مما يقتل روح “المغامرة” التي هي جوهر الفن. إن “الاستثنائية” تتطلب وقتاً للصمت، ووقتاً للتأمل، وهو ما لا توفره ثقافة الضجيج التي تختزل الفنان في مجرد “رقم” في سجل الزوار.

رابعاً: شرفُ الندرة ومسؤولية الأسلوب

إن “الابتكار” وحرفنة “التكنيك” هما المعياران الوحيدان للحكم. الفنان المقلّ الذي يستغرق وقته في تطويع المادة وصهر وعيه في الأسلوب، هو أكثر “أمانة” من الذي يغرق الساحة بأعمالٍ باهتة ليوهم الناس بوجوده. إن الندرة هنا هي “انتقائية عالية” وتقديسٌ لمستوى الجودة؛ فالفنان الحقيقي يرفض أن يقدم للجمهور إلا ما هو جدير بالخلود.

العودة إلى “المعنى”

لنتوقف عن ممارسة هذا القمع الثقافي. الفنان هو أثره، لا عدد صوره. إنه ذاك الذي يترك فينا “خدشاً” لا يُمحى، ويفتح في عقولنا “نافذةً” لم تكن موجودة. إن هويّة المبدع تُصك في محراب صومعته، حيث يختمر الابتكار بعيداً عن ضجيج المحافل، فالفن أثرٌ يُحفر في الوجدان، والأثر لا يقاس بمساحة الظل، بل بعمق الحفر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى