أخبار

“بلاغة اللفظ في القرآن: دلالة كلمة “ثاوياً” نموذجًا” د. قاسم محمد كوفحي – الإمارات

د. قاسم محمد كوفحي

وردت كلمة “ثاوياً” في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في القرآن الكريم (سورة القصص: 45)، وهي لفظة تبدو في ظاهرها بسيطة من حيث البنية المعجمية، غير أن تأملها في سياقها القرآني يكشف عن عمق بلاغي وفلسفي كبير يجعلها جزءًا من البناء الحجاجي للنص لا مجرد كلمة وصفية، فالقرآن لا يكتفي بسرد الأحداث أو نقل الأخبار، بل يبني منطقه الداخلي عبر اختيار لغوي بالغ الدقة، بحيث تتحول الكلمة المفردة إلى عنصر معرفي يسهم في تشكيل البرهان.

من الناحية اللغوية، تنتمي كلمة “ثاوياً” إلى الجذر العربي “ثوى”، وهو جذر يدل في الاستعمال العربي على الإقامة الطويلة المستقرة في مكان معين. ويُستخدم هذا الفعل غالبًا للإشارة إلى مقام ممتد في الزمن، بل وقد يرتبط في بعض السياقات بمعنى الاستقرار النهائي أو الدائم. ولذلك فإن اختيار صيغة اسم الفاعل “ثاوياً” يوحي بحالة من المكث والمعايشة المستمرة، أي بالوجود الذي يسمح للإنسان بأن يكتسب معرفة دقيقة بالمكان وأهله وثقافتهم وأحداثهم. ومن هنا يتجاوز اللفظ مجرد معنى الوجود أو المرور العابر ليحمل دلالة المعايشة العميقة التي تولّد الخبرة والمعرفة، وعندما يُنفى هذا الوصف في الآية الكريمة، فإن النفي لا يقتصر على غياب الحضور المكاني للنبي – صلى الله عليه وسلم-  بين أهل مدين، بل يمتد ليشمل نفي المصدر الاجتماعي والتجريبي للمعرفة، فالآية لا تقول ببساطة إن النبي لم يكن هناك، وإنما تؤكد أنه لم يكن مقيمًا بينهم إقامة طويلة تسمح له بأن يتعلم أخبارهم وقصصهم عبر المعايشة أو الاحتكاك المباشر، وبهذا يتحول اللفظ إلى عنصر أساسي في بنية الحجة القرآنية؛ إذ إن نفي المعايشة يفضي منطقيًا إلى نفي إمكانية اكتساب تلك المعرفة بوسائل بشرية مألوفة.

من منظور فلسفي لغوي، يمكن قراءة هذه اللفظة في إطار العلاقة بين المعرفة والتجربة في الفكر الإنساني. فالمعرفة البشرية عادة ما تنشأ من مصادر محددة، أهمها المشاهدة المباشرة أو المعايشة الطويلة أو النقل التاريخي المتوارث. غير أن الآية تنفي المصدر الثاني بوضوح من خلال لفظة “ثاوياً”، فتستبعد أن تكون المعرفة الواردة في الخطاب القرآني نتيجة تجربة اجتماعية أو تاريخية عاشها النبي، وهذا النفي يفتح المجال لإثبات نمط آخر من المعرفة يتجاوز حدود الخبرة الإنسانية المباشرة، وهو المعرفة التي مصدرها الوحي.

ومن زاوية التداول اللغوي، يخاطب النص جمهورًا كان يعرف سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام-  ويعلم أنه لم يعش في مدين ولم يقم بين أهلها، ولذلك فإن اللفظة تؤدي وظيفة حجاجية مزدوجة؛ فهي تذكّر المخاطبين بحقيقة تاريخية معروفة لديهم، ثم تحول هذه الحقيقة إلى دليل منطقي على أن المعرفة الواردة في النص لا يمكن تفسيرها تفسيرًا بشريًا، وهكذا تتحول الكلمة من مجرد وصف لحالة زمنية إلى أداة برهانية تعزز مصداقية الخطاب.

إن هذا المستوى من الدقة في اختيار الألفاظ يكشف عن طبيعة الخطاب القرآني بوصفه خطابًا يبني معناه عبر شبكة دقيقة من العلاقات الدلالية، حيث تتداخل اللغة مع الحجة، ويتحول اللفظ إلى حامل لفكرة معرفية وفلسفية في آن واحد، فكلمة “ثاوياً” لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تؤكد أن المعرفة التي يقدمها النص ليست نتاج تجربة تاريخية أو معايشة اجتماعية، وإنما معرفة متجاوزة للتجربة، تستمد مشروعيتها من مصدر أعلى من الخبرة البشرية.

بهذا المعنى يمكن القول إن هذه اللفظة تمثل مثالًا بليغًا على قدرة اللغة القرآنية على تكثيف المعنى في أقل عدد ممكن من الكلمات. فالكلمة الواحدة تختزن أبعادًا لغوية وبلاغية وفلسفية متعددة، وتؤدي دورًا محوريًا في بناء الحجة وإقناع المتلقي. ومن خلال هذا الاقتصاد اللغوي المدهش يتحقق أحد وجوه الإعجاز البياني للنص، حيث تتحول المفردة إلى نقطة التقاء بين اللغة والمعرفة، وبين البلاغة والفلسفة، في خطاب يزاوج بين الدقة التعبيرية والعمق الفكري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى