صدرت للكاتب والفنان السوري طلال معلّا روايته الجديدة “ذاكرة النار.. أطياف لؤي كيالي” عن منشورات “رامينا” في لندن، وفيها يستعيد سيرة أحد أبرز رواد الفن التشكيلي السوري والعربي، عبر معالجة سردية تمزج بين الوقائع التاريخية والتخييل الأدبي، وتفتح أفقاً للتأمل في الفن والذاكرة والوجود الإنساني.
وتنطلق الرواية،من الساعات الأخيرة في حياة الفنان الراحل لؤي كيالي، قبل أن تعود بالقارئ إلى محطات مفصلية من سيرته، مستحضرة طفولته في حلب، وتجربته الدراسية في روما، وعلاقته بالفن والمدينة والإنسان، وصولاً إلى أزماته النفسية والفكرية التي رافقت مسيرته الإبداعية. وفي هذا البناء السردي تتحول الذاكرة إلى فضاء تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات، بما يمنح النص بعداً تأملياً يتجاوز حدود السيرة التقليدية، ويكتسب العمل أهميته من اقترابه من شخصية فنية تركت بصمة بارزة في تاريخ الفن التشكيلي السوري والعربي. فما تزال أعمال لؤي كيالي تحظى باهتمام واسع في الدراسات الفنية والمعارض والكتابات النقدية، لما اتسمت به من حساسية إنسانية وقدرة على تصوير عالم المهمشين والبسطاء، وتحويله إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية، ولا تتوقف الرواية عند إعادة سرد الوقائع المعروفة في حياة كيالي، بل تتجه إلى استكشاف عالمه الداخلي، وما يرافق التجربة الإبداعية من عزلة وهشاشة وأسئلة وجودية، لتطرح تأملات حول العلاقة بين الفن والإنسان، وبين الإبداع والكلفة النفسية التي قد تترتب عليه.
ويستثمر طلال معلّا خبرته الطويلة في الفن التشكيلي ليمنح نصه لغة بصرية واضحة،إذ تتشكل المشاهد الروائية عبر الضوء واللون والظل، وتتجاور المدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة تشكيلية تستعيد ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السورية، كما تحضر في الرواية شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفي مقدمتها الفنان فاتح المدرس، بما يضيء جانباً من التحولات الفكرية والجمالية التي شهدتها الحركة التشكيلية السورية خلال القرن العشرين.
وتسلط الرواية الضوء أيضاً على علاقة الفنان بمحيطه الاجتماعي والثقافي، وتأثير الأحكام النقدية وتوقعات المجتمع في مسيرته، لتتحول شخصية لؤي كيالي من سيرة فردية إلى مدخل للتأمل في مصير الفنان العربي، وما يعيشه من توتر دائم بين الصدق الفني وضغوط الواقع، وبين الحساسية الإبداعية والقدرة على الاحتمال.ورغم استناد العمل إلى شخصية واقعية معروفة، فإنه يتحرك ضمن فضاء تخييلي يمنح الكاتب حرية إعادة تشكيل الأحداث والحوارات والذكريات وفق رؤية أدبية معاصرة، تجمع بين المعرفة الفنية والاشتغال الروائي، لتقدم قراءة جديدة لتجربة كيالي بعيداً عن التوثيق المباشر، وفي الوقت نفسه، تستعيد الرواية جانباً من الذاكرة الثقافية السورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، من خلال الإشارات إلى المدن والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني آنذاك، لتتجاوز حدود السيرة الفردية نحو رسم ملامح جيل كامل عاش تحولات سياسية وثقافية وفنية كبرى.
تقع الرواية في 186 صفحة من القطع الوسط، وتزين غلافها لوحة للفنان الراحل لؤي كيالي.
ويعد طلال معلّا من أبرز الأسماء العربية في مجال الفن التشكيلي والجماليات المعاصرة. وهو فنان تشكيلي وكاتب وباحث سوري، درس اللغة العربية، وتابع دراسات متخصصة في تاريخ الفن المعاصر في إيطاليا. وعمل خبيراً معتمداً لدى اليونسكو في مجال التراث الثقافي، وشغل عدداً من المناصب الثقافية والفنية، من بينها إدارة المركز العربي للفنون ومعهد الشارقة للفنون، كما عمل مستشاراً للشؤون التعليمية في مؤسسة الشارقة للفنون، وأسهم على مدى عقود في تنظيم وإدارة العديد من الفعاليات والمعارض الفنية العربية والدولية، إلى جانب نشاطه البحثي والكتابي في قضايا الفن والثقافة والجماليات المعاصرة.