مقالات

هل الإبداع و العبقرية صناعة ام طفرة جينية؟ صوفي بدر الدين – الإمارات

صوفي بدر الدين

 

ظل سؤال الإبداع والعبقرية لغزاً يحاول الفلاسفة وعلماء النفس فك شفراته على مر العصور. هل العبقرية هبة نادرة تولد مع الإنسان؟ أم هي حالة من (الجنون المفارق) كما شاع عن   الفنان التشكيلي فنسنت  فان جوخ    و الموسيقار  موزارت؟ أم أن خلف كل هذا البهاء أسرارًاً أخرى أكثر واقعية وأقرب متناولاً للإنسان العادي؟

تُظهر الدراسات السيكولوجية الحديثة، لاسيما أبحاث عالم النفس الأمريكي جوي ب. غيلفورد في خمسينيات القرن الماضي، أن الإبداع درب مستقل تماماً عن الذكاء التقليدي المتعارف عليه. حيث أن الذكاء يبحث عن جواب واحد محدد للمشكلة، بينما الإبداع هو “الفكر المتغاير”؛ وهو القدرة على توليد حلول بديلة وتفسيرات مبتكرة أي التفكير خارج الصندوق، والأهم من ذلك، أن الإبداع لا يعمل في فراغ، بل يرتكز على قواعد ناظمة تحفزه؛ مثلما كتب.

إذا تأملنا حيوات كبار المبدعين في الأدب والفلسفة، سنجد أن الأسطورة البطولية للعبقرية (الالهام المفاجئ)تتلاشى أمام قيمتين أساسيتين: المثابرة، والبيئة الداعمة. العباقرة ليسوا هواة ينتظرون سقوط التفاحة، بل هم خبراء عنيدون كللوا تجاربهم بالعمل المستمر، وهو ما يتضح في مسارات قامات فكرية وأدبية تركت بصمة لا تمحى في تاريخ الإنسانية.

ألبير كامو: ثورة الفنان في مواجهة العبث

لم يكن الفرنسي الجنسية الجزائري المولد ألبير كامو (1913 – 1960م) صاحب مدرسة فلسفية تقليدية، بل كان فناناً شن غارات متتابعة على الأفكار البالية. عانى كامو من قسوة الفقر وفقدان الأب، وحرمه داء السل من ممارسة التعليم في السابعة عشرة من عمره، لكن هذه المعاناة والبيئة الجزائرية بطبيعتها الخلابة شكلت “المادة الخام” لإبداعه.

امتزج الفكر بالخيال في رواياته مثل “الغريب” و”الطاعون”، وفي أطروحته “أسطورة سيزيف” حوّل العقاب الأسطوري إلى رمز لشقاء الإنسان الحديث، داعياً إلى مواجهة الحياة بقوة وأمل رغم عبثيتها، وهو الإنجاز الفني الذي استحق عليه جائزة نوبل للآداب عام 1957م.

مدرسة المهجر: جبران وأبو ماضي والإيمان بالتفاؤل والأمل

في سياق آخر، نجد أن الغربة والتنقل والبحث عن الحرية كانت الوقود الإبداعي لأقطاب الأدب المهجري في القرن العشرين. أما جبران خليل جبران (1883 – 1931م)، الشاعر والرسام اللبناني، فقد هاجر إلى أمريكا وعبر في مؤلفاته العالمية مثل “النبى” و”الأجنحة المتكسرة” عن الثورة على التقاليد والإيمان بالعدل والحرية بأسلوب وجداني فريد.

وفي نفس البيئة وتحت مظلة “الرابطة القلمية” التي تأسست عام 1920م، نجد رفيق دربه إيليا أبو ماضي (1889 – 1957م). امتلك أبو ماضي فلسفة وجودية تدعو إلى اقتناص الفرح والتفاؤل. قصائده مثل “كن بلسماً” و”كن جميلاً” لم تكن مجرد أبيات شعرية، بل كانت دعوات فلسفية مغلفة بالبساطة تدعو الإنسان للسمو فوق الصعاب وجور الأصدقاء، بينما أثارت قصيدته الخالدة “الطلاسم” أعمق الأسئلة الوجودية حول كينونة الإنسان ومصيره.

شمس التبريزي وجلال الدين الرومي: شرارة التحول وقيثارة العشق الإلهي

إذا كان علم النفس الإبداعي يرى أن الإلهام يتطلب أحياناً “مُحفزاً صادماً” يعيد تشكيل الوعي، فإن اللقاء التاريخي عام 1244م بين العارف الطوّاف شمس الدين التبريزي (1185 – 1248م) وجلال الدين الرومي (1207 – 1273م) هو التجسيد الأسمى لهذا المفهوم. وهو يثبت أيضاً ما طرحه العالم “سيمونتون” من أن ذروة العطاء الإبداعي في الفلسفة والموسيقى قد تمتد وتتوهج حتى في المراحل المتقدمة من العمر.

لم يكن التبريزي مجرد معلم روحي عابر، بل كان “المرآة الصافية” والشرارة التي هزت كيان الرومي، فتحول إثرها من فقيه حنفي وعالم دين تقليدي في قونية، إلى قطب صوفي يجيش بالعاطفة، وقيثارة تشدو بالعشق الإلهي عابرة للأوطان والأزمنة. ورغم أن شمس التبريزي كان غريباً في ترحاله المستمر بين بغداد وحلب ودمشق، ونُعِت بـ “المجنون” لعمق رؤاه، إلا أنه صاغ فلسفة وجودية عميقة جُمعت في “قواعد العشق الأربعون”.

قامت فلسفة التبريزي على أن “القلب” هو الدليل الحقيقي للحقيقة لا “العقل”، وأن الإبداع والمعرفة الحقة وليدان للمكابدة والتحول الداخلي؛ كما يحتاج الصلصال لحرارة النار ليشتد، وقد تجسد هذا التحول الإبداعي عند الرومي حين دمج الموسيقى والشعر في طقس “السماع” كوسيلة للترقي الروحي، فكان حزنه الشديد على غياب شمس الفجائي هو النبع الذي تفتق منه “الديوان الكبير” (ديوان شمس التبريزي) وملحمته الخالدة “مثنوي المعاني” التي تُرجمت إلى لغات العالم وتنافست على نسبتها إليها أربع دول.

أثبتت تجربة التبريزي أن المبدع الحقيقي يعيش الدنيا خفيفاً ، حيث التخلص من الأنانية (النفس) والوعي بالعدم هما ما يمنحان الروح طمأنينتها، ليعبر نور الجمال من خلال الإنسان كالبلور الصافي، وهي التجربة الإنسانية الفذة التي ألهمت الأدب الحديث وأعادت صياغتها الروايات العالمية المعاصرة، ومن ثَم سيكولوجيا الإبداع، حين نربطها بسير هؤلاء العظماء من “كامو” إلى التبريزي، تخبرنا بحقيقة دافئة: العبقرية ليست طفرة جينية مستحيلة، بل هي ثمرة الشغف، والقدرة على رؤية العالم بالقلب قبل العقل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى