مقالات

“بنك الوقت” ريما آل كلزلي – السعودية

هل سمعتم بهذا الاسم ؟
لكل بيئة ظروف تحكمها، ولكل مجتمع متطلبات تُعنى به، لكن بعض الأفكار يفرض نفسه لكون الواقع الحالي يفرض على مجتمعاتنا العربية كل ما يستحدثه الغرب، فإذا كان ذلك لنتعرف إلى هذا البنك الذي قد نحتاج إليه يومًا ما عندما تتفكك الأسر ويغادرها الأبناء، لأن هذا ضمن ما هو متوقع حسب القوانين التي تطلق الحرية لهذا الجيل الشاب بمجرد بلوغه سن الثامنة عشرة.
وبما أن القوانين تساندهم الآن فإن هذا يعني أن التربية التي يمارسها بعض الأهل كنوع من الهيمنة وفرض السيطرة، ليست مجدية في تنشئة عقول مضيئة صالحة للإنتاج، تعرف أهمية الأسرة كبنية أساسية في المجتمع وتحافظ عليها.
وطالما كان مجتمع الأسرة هو أقدم المجتمعات، وهو مجتمع طبيعي نظرًا لارتباط الأولاد بالوالدين، فإن هذا المجتمع الصغير يستمر لحفظ أنفسهم، حيث تنحل الرابطة الطبيعية عند انقطاع الاحتياج، ويعود الأبناء إلى الاستقلال ويُحلّون من الطاعة الواجبة نحو والديهم بعد بلوغ سن محددة، ما يحتّم أن استمرارية البقاء متحدين كأسرة، وهذا لايكون إلا طوعًا، يفرض على الوالدين تقديم تربية معرفية من خلال المحبة بطرق أكثر لطفاً، ونصح مرتبط بتجارب واعية، خاصة بعد تدني مستويات القيم، والتهرب من الدين الذي يراه معظم الناشئين واجبًا ثقيلًا ، لم يعد يحكم عقولهم التي تواجه الانحلال المدمر كما كان يفعل في أزمان مضت، وإلا صار على الجميع أن يعرف ما هو بنك الوقت لأنه قد يحتاج إليه يومًاً .
سمعت عن طالب يدرس في سويسرا ويسكن في غرفة عند امرأة عمرها 67 سنة ، تلك المرأة كانت معلمة قبل تقاعدها والآن تتقاضى راتب تقاعد مجزيًا ، لكنها تذهب للعمل مرتين في الأسبوع ، وعملها كان لرعاية مسن عمره 87 سنة، وقد أبدى الطالب الشاب امتنانه لما تفعل المرأة، وسألها بدهشة هل هي تعمل لكسب المال ، فقالت له إنها لا تعمل لأجل المال بل لتكسب الوقت !، وأضافت إنها
تودع لنفسها وقتًا في بنك توفير الوقت أو “بنك الزمن”، وهي بعملها ذلك تودع الزمن لكي تستطيع الصرف منه عندما تحتاج له بعد تقدم السن، أو عندما تصاب بحادث وتحتاج إلى من يساعدها، وعندما استفسر الشاب أكثر عنه، قالت: إن الحكومة السويسرية أنشأت ذلك البنك كضمان اجتماعي للناس، فيفتح كل راغب في الاشتراك فيه حساب زمن، حيث يحسب له الزمن الذي يقضيه في الخدمة الاجتماعية خصوصًا خدمة المسنين والمرضى الذين لا يوجد لديهم من يرعاهم أو يساعدهم من عوائلهم، كما يشترط على المشترك أن يكون سليمًا صحيًا وقادرًا على العطاء والتواصل مع الآخرين والتحمل، وراغبًا في تقديم الخدمات بنفس راضية وإخلاص.
عندما يحتاج الشخص إلى مساعدة يرسل له البنك شخصًا متطوعًا ممن اشتركوا في البنك ليخدمه ويخصم الوقت من حسابه، والخدمات التي يقدمها المتطوع إما تقدم للمحتاج في المستشفى ، وإما تقدم في البيت كأن يرافق المتطوع المحتاج للتسوق أو للتمشية أو لمساعدته في تنظيف منزله.
في أحد الأيام احتاجت تلك المرأة للمساعدة عندما سقطت أثناء تنظيف نافذتها، وكسر كاحل قدمها واضطرت للبقاء في السريرعدة أيام، وعندها أراد الطالب تقديم إجازة اضطرارية لمساعدتها، لكنها قالت له إنها لا تحتاج إلى مساعدته لأنها قدمت طلبً سحب من رصيدها في البنك الذي سيرسل لها من يساعدها، و جاء المساعد الذي عينه البنك وكان يرعاها و يتحدث معها و يرافقها ويقضي لها حاجياتها من السوق، وارسل لها البنك كذلك ممرضة عندما احتاجت لذلك.، و بعد أن تعافت من الكسر عادت للعمل مرتين في الأسبوع لتعويض ما خسرته من وقت في البنك، وهكذا يعمل “بنك الوقت”.
في الحقيقة الفكرة إيجابية مناسبة للغرب، حيث يعيش الوالدان بقية حياتهما وحيدين، لكنها تتطلب انضباطًا وإحساسًا بالمسؤولية وإخلاصًا في أداء العمل.
كان على صعيد التربية الأفضل أن يعرف الوالدان أن الأبناء أصبحوا قادرين على التخلي عنهم والمطالبة بحقوقهم عن طريق القوانين متى شاؤوا، لذلك يتوجب على كل راعٍ أن يعيد النظر في نظام التربية المتخلف الذي يمارسه، ويتجه به وفق الأفضل ، أما عن الوقت في مجتمعاتنا العربية فهو في حاجة ماسّة لإعادة النظرعلى جميع الصعد، وليس فقط في حاجة إلى “بنك الوقت”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى