إبداعات

قصة قصيرة   خارج الوعي     ريما آل كلزلي   –   السعودية  

 إحساس كريه راودني في ذلك الصباح، لم أنم جيدًا فتورّم جفناي، بدوا  كأنهما مثقلان بأكوام من الطين. كنت أشرب فنجان قهوتي الأول فيما كانت لبنى تمد لي مغلّفًا لأرى بعض التفاصيل في القضية التي رفعتها على زوجي وديع ، واستدعتني لأتابع تطوراتها على وجه السرعة.

أشبه بصاعقة جاء صوت من مرسمي، بينما أنا أتحدث معها، أفلتُّ فنجان قهوتي فانكسر على الأرض.

كان البرد قارسًا، والمشعات الكهربائية تعمل بأقصى طاقتها، تسارعت دقات قلبي فور انبعاث صوت آخر أقوى من الذي سبقه، نظرنا إلى بعضنا بعضًا، فيما توسعت حدقتا عيني لبنى، و ركضنا معًا لنرى مصدر الصوت.

كانت الشقة المقابلة لمكتب لبنى عبارة عن محترف لي.. كنت متأكدة من أنني أغلقت الباب خلفي، لأجده مفتوحاً وفوضى عارمة تملأ المكان.. حوامل لوحات ملقاة على الأرض.. عبوات ألوان  تناثرت في كل مكان..المكان تفوح منه رائحة الشمع والزيت، وكأن حريقًا ما أطفئ للتّو، ما زالت موسيقى تنبعث من سماعة خلف أصيص حجري رمادي في الركن.. إضاءة تنبعث من نافذة جانبية.. نظرة دائرية خاطفة تحققت بها.. المكان خالٍ من مصدر الصوت إلى ممر ينتهي بالمطبخ. أسرعت لبنى وأنا أرتجف تبعتها.. قطرات دم قانٍ في خط متعرج بقربه شابة ممددة على الأرض عيناها مغمضتان  ومعصمها مقطع الأوردة.. الشعر تدلى ليغطي صدرها.. مازالت ساقاي ترتعشان .. أقف بذهول.. قلبي يخفق كما لو أنه عشرة قلوب تعمل بنبض واحد ، فيما انحنت لبنى تضع يدها على الشريان لتجس النبض، نظرت إليّ قائلة:

– نبض واهن، اطلبي الإسعاف. اتصلت على الفور بينما رفعت ذراعها إلى الأعلى للحد من تدفق الدم.. حاولت خلع الوشاح الذي يلف رقبتها لتربط به معصمها.. انهمكت لبنى تكلّمها وتحاول إنعاشها، وكنت أوضح العنوان بالتحديد للمسعفين.. ماهي إلا دقائق حتى وصلوا، والتفّ المسعفون حول جسد الشابة لأخذ الإجراءات التقليدية لمحاولة انتحار كهذه.. استطعتُ التّماسك أخيرًاً لعلمي بأنها حيّة.

تم انقاذ الشابة في الوقت المناسب، ليس الجسد وحده عرضة للاهتمام -قالت الطبيبة- فإن جسم العقل المكبّل هو أيضاً يحتاج إلى تحرير.

كانت الفتاة تنظر حولها متجولة بعينيها في المكان.. تحاول أن تعي ما يحدث، ثم تستعرض  المكان من جديد كأنها تمسك بكتاب غريب، وتمر بسرعة على الفهرس للتعرف إليه، وفي بعض اللحظات تعود مجددًا لتتلفّت حولها، كأنما راودها غموض آخر مباغت، ثم تتوقف عن النظر كمن ينتظر أن تأتيه إجابة صامتة،     وكأن كل معاينة جزئية لا تثير اهتمامها هي ضوء لاستطلاع أوسع نطاق، ثم تنظر أخيراً إلى وجهي الخالي من أية تعابير.. تبحر في تقاطيع الوجه.. تحاول الابتعاد عن التحديق في عينيي .. ترمقني بنظرة عامة من أعلى شعري الخرنوبي حتى أسفل ثنية بنطالي الجينز .. كأنما  خلفي إحدى لوحات توماس إيكنز.. غرفة العمليات داخل مستشفى كيف كان يرتدي جميع من فيها المعاطف السوداء، ثم في أخرى تلتها تحولت المعاطف السوداء إلى بيضاء!.

ظننت أنها تنظر إليها وهي توغل في الصمت..  كان عليّ أن أسأل من أنتِ ؟ وماذا تفعلين في محترفي؟ أو مالذي دفعك للانتحار هنا تحديدًا..!!

لكنها سألتني بوقاحة: أنت شام !!؟

وبهذه الفكرة يرتب المشهد مرحلة أخرى بإيقاع مختلف. هناك ومضة متسائلة تمرق في نظرتها المحدقة إلى اللاشيء ، لعلها الآن توقفت بالفعل عن الإيمان بأن المعرفة شرط للبقاء.

سألتني: هل أنت حبيبة وديع ..؟

ذهلت والحاضرون كذلك ..

تتغضن مشاعرها بيأس شديد تغيب نظرتها عن الوعي وعن المشهد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

    1. نعم القصة من الفنون الممتعة التي تنقل رسائل وجمال يشبه ارتشاف قهوة صباحية ..
      شكراً لكِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى