مقالات

    .. وفي حي يدعى “لاكمبا” أمان السيد – أستراليا

 للكاتب عين لا يستهويها الجميع..

 أنا في “سيدني” في حي يدعى “لاكمبا” يغلب عليه الطابع الإسلامي، فيه ألتقي من المشاهد ما يسيّل قلمي، متناقضات الاعتقاد تتجلى على أقصاها، وتجعل للحياة طعمًا ثريًا، رجل يسبق امرأته وهي تلحق به مسربلة بغطاء يذكرني بغطاء للصلاة، أتأملها من رأسها حتى قدميها، لباسها لا يخفي أنها شابة، ولا يبدو عليها التذمر الذي به أشعر، ألتقي أخرى مسلمة أيضًا يتبعثر حولها جمع من أطفال يسلبون المارّ حقه في الرصيف، منهم طفلات يتراوحن بين الثالثة والرابعة يغطين رؤوسهن بخمار الكبيرة، فأفكر كيف تعتاد مثيلات هذه الطفلة على السجن، لكن السبب واضح للغاية، أتذكر أقدام الصينيات اللاتي حبست منذ الطفولة في قوالب حديدية، طويت منها الأصابع الكبرى حتى لا تتضخم، فمقياس  الجمال في أعرافهم أقدام طفلة تأبى اللحاق بمراحل العمر بمختلفها، وبين أسر وسجن وانقياد، تلاحقني الأنوثة بجسد ذنبه اشتهاء رجل، أدخل السوبر ماركت، على رأسي قبعة حجبت شعري، تتطفل عليّ امرأة قد أسدلت خيمة لا يظهر منها سوى عينيها، وبعد أن تذهب أكتشف أنها كانت تتذاكى بتحايل غريب لتوصل إلي رسالة ختمتها بدعوة: ليهدك الله، وتغطي شعرك، ثم تفرّ سريعًا، أعبس قليلًا، كيف لم أوصل إليها رسالتي: أدعو لك الله أن يفك أسرك!

 يفرقع صوت خلفي.. آآآ.. إي.. إنها كلمات، وردود أفعال يستعملها العرب، لا لست مخطئة، فلقد تكرر المقطع خلال أحاديثهم، ألتفت لأرى رجلًا يزاحم ضجيج الشارع بصوته العالي، وهو يقرأ القرآن في سيره، ثم أحملق مدهوشة في المرأة التي اعتادت تربع ناصية رصيف في “لاكمبا”، وقد تدلى صليب فضي من عنقها، تجلس فاشخة بين فخذين يسترهما بنطال مطاطي، فتذكرني بمثيلة اتهموها بالجنون في مدينتي، لكن تلك لم تكن ترتدي أي شيء، أكرر النظر فيها تتشاغل بهاتفها، وأتوقف عند رصف الأقراط حول شحمة أذنيها والدبابيس في وجهها، ثم أراها بعد فترة وقد حجبت شعرها الأصفر بما اعتيد في ذلك الشارع، أعود إلى الأسر والسجن الذي يأتي منا، وأتساءل: أليس خضوعًا أيضا لعرف مجتمع  يحتجّ بالتطور؟!
أشعر بالجوع حقًا، رائحة خبز طازج تدغدغ أمعائي، لا بد أن أشتري رغيفًا، نوع من أسر واعتياد على أمر هو سمة للمكان يلتقطها الزائر منذ دخوله البكر إلى هذا الحي، وفي المقهى المغاربي أستكين مع كوب “الكابوتشينو” الخالي من الدسم، يطيب لي المقام وأكثر من رجل يحتشدون ويتحادثون حول هموم الشارع اليومية، وبين داخل وخارج، ألتقط تحية اعتدت هويتها وأدركت سر التأكيد عليها.

 أتجرع قهوتي بهدوء على الطاولة الغافية على الشارع، وأبتسم للمارين بين اكتراث ولا اكتراث.
سيدة مسنة تقترب، تبتسم لي وهي تدخل.. يبدو اللطف والعفوية جليين في محياها، إحساس ما يجذبنا إلى بعضنا بعضًا، تسألني بعد السلام: هل أشرب القهوة، أم الشاي؟
وبابتسامة أدع لها الخيار.. ما تشتهين؟  تختار: سأشرب الشاي.
تجالسني، نتبادل حديثًا يتبادله عادة العرب وغير العرب، حديث الإنسان للإنسان، تتمتم بلهجة عربية واضحة أستغربها بعد ثلاثة وخمسين عامًا من الإقامة في “سيدني”، لكنها تؤكد لي أنها لا تحب أن تتكلم بالإنجليزية، تحدثني عن عملها كخياطة، وعن زوجها القاسي، وعن أبنائها الذين لم يتزوج منهم إلا الفتاة، ثم تستدرك مستغربة كيف تفيض أمامي وهي تلتقيني لأول مرة.
أعرف أنها لم تسافر إلى لبنان أبدًا، مات من مات، وزوجها لا يسمح لها بالسفر، هو يحب المال،. كلهم يعشقون المال هنا! تقول هذا، ثم تحدثني عن ابنها الشاب المدمن على المخدرات، وكيف تجهد لتعطيه ثمنها!

 أدعها، للقاء سيأتي وحده.. أرى بوابات سجون تفتح أمامي، وأكثر من رأس أدمن التحديق.. أتوقف عند الخمارة، وأتوجه بقبلتي إلى المئذنة القريبة، وأدفع رأسي ليستقر، وليكتفي بالسير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى