مقالات

      فلسفة التربية عند أبي حامد الغزالي تهاني عبد الرحمن الزبيدي*    –   فلسطين

جاء في “لسان العرب”: ربّى يُربّى تربية، يقال: رَبَّ ولَدَه،والصَّبِيَّ يَرُبُّهُ رَبّاً، ورَبَّبَه تَرْبِيباً وتَرِبَّةً، ورَبَّاه تَرْبِيَةً، وتَرَبَّاه، وأَنشد اللحياني:

 تُرَبِّبُهُ من آلِ دُودانَ شَلّةٌ

                          تَرِبَّةَ أُمٍّ لا تُضيعُ سِخَالَها

يقول أستاذ التربية “سويفت”: “التربية: هي الطريقة التي يتمكن الفرد من خلالها اكتساب الكثير من القدرات البدنية والأخلاقية والاجتماعية، التي تتطلبها الجماعة التي ولد بها، والتي يجب أن يعمل فيها”.

ومع أن تعريف “سويت” تعريف جيد، فإنه يؤخذ عليه أنه ناقص ومفتقر إلى ركن مهم هو: القدرات النفسية، وهي – في نظري المتواضع – لا تقل أهمية عن نظيراتها البدنية والأخلاقية والاجتماعية، لذا فإننا قد نعبر بشكل أفضل فنقول: إن التربية بناءٌ أو تشكيلٌ لشخصية الفرد بشقيها النفسي والعقلي، وهذه التربية تتدرج مع الإنسان شيئًا فشيئًا حتى يكون بالغًا عاقلًا مسؤولًا عن نفسه.

ومما ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ،وهو غير صحيح، حديث : “داعِب ولدك سبعًا ، وأدِّبه سبعًا ، وعلِّمه سبعًا ، ثم اترك حبله على غاربه”، وإنما ينقله بعض كتب الأدب من كلام عبد الملك بن مروان،  وينبغي هنا التنبيه على عبارة : “ثم اترك حبله على غاربه” عدم الفهم من ذلك إهمال الأبناء وعدم توجيه النصح لهم، بل المقصود هو منحهم استقلالية في قرارات حياتهم المتنوعة ، وعدم التسلط عليهم كي لا يعود ذلك بالفساد إليهم .

قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ” 5 / 72 “

“الناس يظنون أن وصايا الوالدين حجة على أن للوالدين أن يعبثا باستقلال الولد ما شاء هواهما ، وأنه ليس للولد أن يخالف رأي والديه ولا هواهما ، وإن كان هو عالمًا وهما جاهلين بمصالحه وبمصالح الأمة والملة، وهذا الجهل الشائع مما يزيد الآباء والأمهات إغراء بالاستبداد في سياستهم للأولاد، فيحسبون أن مقام الوالدية يقتضي بذاته أن يكون رأي الولد وعقله وفهمه دون رأي والديه وعقلهما وفهمهما، كما يحسب الملوك والأمراء المستبدون أنهم أعلى من جميع أفراد رعاياهم عقلًا وفهمًا ورأيًا .

وربما يظن ظانٌّ أن العلماء المسلمين – قديمًا – كانوا في معزل عن هذه المفاهيم، وفي منأى عن هذه التعاليم، غير أن من نظر في كتبهم، وبحث في آثارهم يرى أنهم كانوا محيطين بها، يراعونها في حياتهم العامة والخاصة فأنشئوا بذلك جيلًا من الفتيان أمثال: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وغيرهم  الكثير الكثير من الصحابة والتابعين!

ومن هؤلاء النوابغ الذين اهتموا بالتربية فكانت لهم فلسفتهم الخاصة، وطريقتهم المتميزة ؛ حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، الذي نثر آراءه التربوية في كتبه جميعًا ولا سيما “إحياء علوم الدين” و “أيها الولد ”  ونحن إذ ندرس فلسفته التربوية في كتابه :”أيها الولد” فإننا ندرسها – باختصار- عند عالمٍ مربٍّ فيلسوف.

والملاحظ أن مفاهيم التربية عند الإمام أنها انعكاس لمفاهيم القرآن والسنة وخبرات السلف وأقوالهم ، أما ما يميزها فأنها  تهدف إلى بناء الشخصية الإسلامية بشقيها: العقلي، والنفسي، وذلك بتحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى أولًا، ثم بناء أفراد صالحين مصلحين يكونون لبنة طيبة في بناء مجتمع إسلامي متكافل، فيصدق عليهم الحديث الصحيح “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

    فأول ما يرى الغزالي – رحمه الله – أن الأخلاق مرجعها النفس لا الجسد، فالخلق عنده هيئة ثابتة في النفس، تدفع الإنسان للقيام بالأفعال الأخلاقية بسهولة ويسر، دون الحاجة إلى التفكير الطويل.

     ويرى أيضاً أن الأخلاق الفاضلة لا تولد مع الإنسان، وإنما يكتسبها عن طريق التربية والتعليم من البيئة التي يعيش فيها، والتربية الأخلاقية السليمة في نظره، تبدأ بتعويد الطفل على الفضائل الأخلاقية وممارستها مع الحرص على تجنيبه مخالطة قرناء السوء، حتى لا يكتسب منهم الرذائل، وفي سن النضج العقلي، تشرح له الفضائل شرحاًا علميًا، يبين سبب عدها فضائل، وكذلك الرذائل وسبب عدها رذائل،  حتى يصبح سلوكه مبنيًا على علم ومعرفة واعية، ومما لا شك فيه أن الغزالي قد استفاد تجربته التربوية العميقة على الشريعة الإسلامية، ومن هنا كان الغزالي مفكرًا ومربيًا ومصلحًا اجتماعياًا في آن معًا.

وقد احتوت الرسالة على العديد من الأفكار والآراء التربوية التي نحتاجها في أنظمتنا التربوية الحديثة، وعلى عدد لا بأس به من الحلول لعدد من المعضلات التربوية المعاصرة، التي نعاني وجودها؛ مثل : الأزمة الأخلاقية، وأزمة البحث العلمي ، وأهداف وفلسفة التعليم.

    إن التربية عند الإمام الغزالي أشبه ما تكون بعمل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع “ليحسن نباته ويكمل ريعه”، ويتضح من هذا المعنى إشارة الغزالي إلى مرونة الطبيعة الإنسانية للفرد، فهي ليست جامدة لا تتغير بل تكتسب من الصفات ما ليس فيها، “ويمكن تغيير ما فيها من صفات وإضافة أخرى “ فالإسلام يقف موقفًا وسطًا ، فالطبيعة الإنسانية ليست خيرة وليست شريرة وإنما هي “استعدادات وقدرات قابلة للتشكيل والصياغة ومن خلال تفاعلها يتحدد صفتها بالخير أو بالشر، فليست هناك طبيعة إنسانية خيرة أو شريرة، فبقدر ما تحقق الطبيعة الإنسانية   من نجاح وتوفيق تكون خيرة، وبقدر ما تفشل وتخفق تكون شريرة ” ، قال تعالى ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾[الإنسان : 3]، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ،  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾[الشمس : 9ـ10]..

ثم يمضي الغزالي في إبراز الجانب العقدي الصحيح في فلسفة التربية حيث لا بدعة ولا مفاهيم إلا مفاهيم القرآن والسنة.  قال رحمه الله :” ثم تسألني عن العبودية ، وهي ثلاثة أشياء : أحدهما محافظة أمر الشرع ، وثانيها الرضاء بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى ، وثالثها: ترك رضاء نفسك في طلب رضاء الله تعالى . وسألتني عن معنى التوكل: هو أن تستحكم اعتقادك بالله تعالى في ما وعد، يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل من في العالم على صرفه ، وما لم يكتب لك لن يصل إليك وإن ساعدك جميع العالم” ويمضي الغزالي المربي والمعلم في توضيح معنى التوكل وإبراز بعض مظاهره ، وهي: أن لا يذل الإنسان نفسه لكائن من كان بغية الرزق ، فيذكر في هذا ما حاكاه الشبلي بقوله “: … إني رأيت كل أحد يسعى ويجتهد بمبالغة لطلب القوت والمعاش بحيث يقع به شبهة وحرام ، ويذل وحرام ، ويذل نفسه ، وينقص قدره ، فتأملت في قوله تعالى : “وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” [هود : 6] ، فعلمت أن رزقي على الله تعالى ، وقد ضمنه فاشتغلت بعبادته وقطعت طمعي عمن سواه “ أما عن التقوى فيشير ـ  الغزالي  إلى ما حكاه الإمام  الشبلي ـ أيضاً ـ قوله ” ..إني رأيت بعض الخلق ظن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر فاغتر بهم ، وزعم آخر أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد فافتخروا بها ، وحسب بعضهم أن الشرف في غضب أموال الناس ظلمهم وسفك دمائهم ، واعتقدت طائفة أنه في ائتلاف المال وإسرافه وتبذيره ، وتأملت في قوله تعالى : “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ” [الحجرات : 13] فاخترت التقوى وأعتقد أن القرآن حق صادق وظنهم وحسبانهم كله باطل زائل” .

وأخيرًا يرشد الغزالي الطالب إلى طريق المجاهدة ومنه الصلاة بالليل والاستغفار في ذلك، قال: ” أيها الولد : “ومن الليل فتهجد به” (أمر) ، “وبالأسحار هم يستغفرون” (شكر)، “والمستغفرون بالأسحار” (ذكر) ، وقد روي في حديث ضعيف: “ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى : صوت الديك ، وصوت الذي يقرأ القرآن ، وصوت المستغفرين بالأسحار”.

*اختصاصية اجتماعية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. شكرا جزيلاً لابنة فلسطين المثقفة – الأستاذة والمربية تهاني- التي زفت إلينا التهاني، ونبهت إلى عظمة ديننا وعظمة أفكاره ومفاهيمه من خلال دور ومساهمات إمام جليل لم نكن نعرف عنه قبل هذا المقال نبوغه وتفوقه في أحد وأهم فروع العلم والمعرفة.. ما أعظم علماءنا وما أعظم ديننا! دمت أيتها الأستاذة ودامت فلسطين حرة ولادة.

  2. الشكر كله لهذه المجلة الجادة الرصينة المحترمة التي تستضيف على صفحاتها مثل هذه النخبة الطيبة والكوكبة الفاضلة من الكتاب والتربويين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى