مقالات

غوستاف لوبون .. الأمر مختلف جدًا د. أحمد الزبيدي – الإمارات

إن الحديث عن العلامة غوستاف لوبون حديث ذو شجون، والحديث عن فلسفته حديث ذو فنون، ولا أجامل أحدًا إذا قلت إن القراءة في كتبه، والولوج إلى عالمه متعة عقلية، وراحة نفسية، وغبطة قلبية، وليس ذلك لأن أبحاثه علمية صرفة، ولا لأنها جادة في غير تعقيد، ولا لأن فلسفته سهلة ميسرة لا تحتاج إلى تمهيد، ولا لأنه أدهش الزعماء، وأبهر العلماء، وأرغم الحكماء الصناديد؛ وقدم لهم جميعًا نظريات فلسفية مبهرة، وآراء علمية صائبة، وأتحفهم بكل ما هو جديد، ولا لأنه المؤسس والمنظر لعلم “سيكولوجيا الجماهير”.. لا، ليس ذلك ، وإن كان كل ذلك بلا ريب صحيحًا ، ولكن الأمر عندي مختلف جدًا، فالرجل قد ولد وعاش في زمنٍ تنادى أهلُه للتنكر فيه للعرب والإسلام ، فساقهم ذلك لإنكار فضلهم على أوروبا والإنسانية جمعاء، وعزوا كل فضل للفلسفة اليونانية، وكل مكرمة للشرائع الرومانية، فما أن تذكر الفلسفة والحكمة والعلوم العقلية حتى يشيدوا باليونان تارة وبالرومان تارة أخرى، وينسوا أو – بالأحرى – يتناسوا دور العرب والمسلمين وما قدموه في ذلك كله.
وقد مكن مقالتهم المغلوطة هذه من الانتشار، وهيأ لشعوبهم الانبهار، ما عليه العرب والمسلمون من ذل وتبعية وافتقار، وعلى الرغم من قتامة النظرة السائدة، وسوداوية الفكرة الرائجة عن العرب والمسلمين، فإن شعاعًا من الأمل، وبريقًا من الرجاء ولدا مع ثلة قليلة جدًا من المستشرقين المنصفين أمثال: غوستاف لوبون في كتابه :”حضارة العرب” وزيجريد هونكة في كتابها :”شمس العرب تسطع على الغرب” وفيفيان فوستر في كتابه :”جريمة الغرب”
هَذَا الثَّناءُ، وأَجْدِرْ أَن أُصاحِبَهُ
وَقَدْ يُدَوِّمُ ريقَ الطامِعِ ‌الأَمَلُ
وإذا كنا قد تناولنا شيئًا من سيرة الفيلسوفة فيفيان فوستر في كتابها: “جريمة الغرب”، وشيئًا من إنصافها وعدلها وقولها المدوي للحقيقة في مقالنا السابق، فإننا اليوم سنتحف القراء بشيء قليل من سيرة هذا الفيلسوف الكبير غوستاف لوبون، حيث سجل ووثق أعدل شهادة وأنزهها في العرب والمسلمين في سفر ضخم سيبقى ما بقي الزمان، ويذب عن عرض ويصان ! تميز العلامة “لوبون” بتوثقه وتبينه من كل كلمة يكتبها، فهو لا ينتهي إلى حقيقة ويقول بها إلا بعد عناء في البحث، وكلفة في الدرس، ومشقة في البرهنة والتدليل.
وسترى مصداق ذلك إبان حكمه على العرب وتقييمه لحكمهم وحضارتهم، فقد درس العرب وبحث في بيئاتهم، وفقه معتقداتهم وعلومهم ، وبحث آدابهم وفنونهم، ولم يكتف بذلك بل حمل نفسه على العيش معهم عن قرب للتعرف إلى أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم ونظمهم وصناعتهم وتأثيرهم في المشرق والمغرب، وأسباب عظمتهم وانحطاطهم، وربط ذلك كلّه في الماضي والحاضر.
ولم يستنكف أن تجهز للسفر وحمل عصا الترحال، وأخذ على نفسه العهود والمواثيق لأن كُشفت لي الحقيقة لأصدح بها جهارًا نهارًا، لا أخشى في سبيلها لومة لائم! رحل الرجل إلى عدد من البلاد العربية والإسلامية ليرى بعينه، ويسمع بأذنيه، ويكتشف ببصيرته، فماذا كان؟ لقد هدته رحلاته إلى حقيقة قريبة مما انتهت إليه الفيلسوفة الألمانية زيجريد هونكة وسجلتها في كتابها “شمس العرب تسطع على الغرب، ولعلها ترمز بالشمس إلى نور العلم والحكمة والفلسفة، وأن العرب الذي كانوا يتمتعون بهذه الشمس، سرى منها إلى الغرب أقباس تضيء ظلامهم،وتمحو جهلهم، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، فقد كانوا باعترافهم يعيشون في ظلمات العصور المظلمة. اتضحت الصورة إذن للفيلسوف، فبدأ يسجل ملاحظاته ومشاهداته في أوراق وكراريس، وما لبث أن جمعها ونسقها ووضعها في كتاب سنة 1884” فكان «حضارة العرب»، و من يقرأ الكتاب يدهش لحماسة الرجل وشجاعته وجرأته، حيث أخذ ينافح عن العرب ويدافع عنهم بكل قوة واقتدار، ويرد عنهم التهم والافتراءات التي تفنن في إذاعتها أبناء جنسه من المستشرقين بحكمة وافتخار ، فالعرب لم يكونوا يومًا من الأيام أجلافًا وبرابرة ، و سجاياهم الخُلقية كانت لهم مثل “البَوصَلة” للبحار، وإن ظهور حضارتهم على مسرح التاريخ لم يكن فلتة ، وإنما جاء نتيجة نضج بطيء، واستواء متريث في جميع المجالات العلمية والثقافية، وأن هذا الأمر لا ينطبق عليهم وحدهم بل هو عام في تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات، فكل ذلك لا يتم إلا بالتدرج والترقي، وأن درجة التطور العالية التي تبدو للعيان لا تبلغ إلا بعد الصعود في درجات أخرَ، فإذا ما ظهرت أمة ذاتُ حضارة راقية كانت هذه الحضارة ثمرة ماضٍ طويل، ورأى لوبون، أيضاً، أن جهل الناس بهذا الماضي الطويل لا يعني عدم وجوده، وأن الحضارة التي أقامها العرب في أقل من مائة سنة، هي من أنضر الحضارات التي عرفها التاريخ وأبهاها، وأنه كان للعرب قبل الإسلام حضارة لم تكن دون حضارة الأشوريين والبابليين ، وكان للعرب لغةٌ ناضجة وآداب راقية، وكان لهم صلات تجارية بأرقى أمم العالم، عالمين بما يتم خارج جزيرتهم، متابعين لما يحدث حولهم، فأمة هذا شأنهم فهم بدون شك من ذوي القرائح التي لا تتم إلا بتوالي الوراثة وبثقافة سائقة مستمرة، والعرب الذين صقلت أدمغتهم على هذا الوجه استطاعوا أن يبدعوا حضارتهم الزاهرة بعد خروجهم من جزيرتهم في مدة قصيرة.ويرى لوبون –ورأيه حق- أن الفضل في ذلك كله للرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة ، فالرسول في نظره «كان رابط الجأش إذا ما هزم، ومعتدلاً إذا ما نصر»، «وكان شديد الضبط لنفسه، كثير التفكير، صموتاً حازماً، سليم الطوية ، صبوراً قادراً على احتمال المشاق، ثابتاً بعيد الهمة، لين الطبع وديعاً، وكان مقاتلًاً ماهرًا، فكان لا يهرب أمام المخاطر، ولا يُلقي بيديه إلى التهلكة، وكان يعمل ما في وسعه لإنماء خُلُق الشجاعة والإقدام في بني قومه … وكان عظيم الفطنة».
ورأى لوبون أن الرسول الأعظم أتى العرب بمُثل عليا اهتدوا بها، فاكتسب العرب بهذا المثل العالي آمالاً متماثلة، وتوجهت به جهودهم إلى غرض واحد، وصاروا مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل نشره في أنحاء الدنيا، ثم قال: «إن محمدًا أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام، ومنها اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضل محمد على العرب عظيماً ، وإذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ.
التعصب الديني هو الذي أعمى بصائر مؤرخي الغرب عن الاعتراف بفضل محمد»، ولعل هذه الكلمة الأخيرة– في رأيي- أهم كلمة قالها العلامة “لوبون” يرد بها على تلك الكلمة الآثمة التي طالما لاكها جمع من أبناء جلدته وعلى رأسهم الفيلسوف المتعصب ” رينان”: ” أن الإسلام انتشر بالسيف”! قال لوبون :” إن القوة لم تكن عاملًا في انتشار القرآن ، فقد ترك العرب المغلوبين أحرارًا في أديانهم ، فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام، واتخذوا العربية لغة لهم ، فذلك لِـما كان يتصف به العرب الغالبون من أنواع العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله !!!.. ولِـما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى” ، وقد وافق لوبون على هذه الحقيقة الفيلسوف ويل ديورنت في كتابه “قصة الحضارة “والراهب ميشود في كتابه “رحلة دينية في الشرق”، والمفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه “ظلال الكنيسة” والمؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد في كتابه “الدعوة إلى الإسلام “.
وأخيرًا لا يسعنا أن نصف لوبون بأكثر مما وصفه به الأستاذ نظير زيتون – وأنقله هنا بتصرف- : “ما عرف العرب في كل العصور مؤرخًا أنصفهم وروى حقيقتهم كما صنع غوستاف لوبون عندما وضع سفره التاريخي العظيم في تأثيل الحضارة العربية، وتمجيد الفتوحات الإسلامية، فقد صور الحضارة العربية بريشة المبدع الفنان، وصاغ للعرب تاجًا من العقيان، مرصعًا بالجواهر الحسان، بل تاجًا عبقريًا عبهري البيان منضدًا بالفراقد والشهبان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫12 تعليقات

    1. دائما مانجد المتعه من خلال اسلوبك الرائع دكتور احمد، فتشدنا وتدخلنا عالم التشويق لنصاحب الموصوف ونتلمس المعاني.
      دمت ودام قلمك ومزيدا من المقالات الرائعة والمشوقة

  1. بورك العلم الذي بغيثه النافع على عقولنا تجودون. لكم منا كل الاحترام والتقدير.

  2. مااشالله مقال جميل تعرفنا من خلاله على إحدى الشخصياات التي أشادت بالعرب وانجازاتهم
    بوركت سواعدك د.أحمد دمت ودام قلمك

  3. دائماا موفق بااختياراتك سيدي الفاضل
    مقال جميل واختيار رائع🙂🙂
    سدد الله خطاك ووفقك

  4. باانتظار المزيد من مقالاتك المشوقة والمنبعثة من جهود عاليه لايصال المعلومات بدقة عاليه وبلغه بسيطه يفهمها القارئ ويندمج معهما
    دمت دكتور أحمد
    مزيداا من التقدم بإذن الله🙂

  5. أحسنت النشر دكتور
    بارك الله بك وبجهودك
    الله يعطيك العافية يا رب وينور دربك وينفع الأمة بعلمك

  6. بوركت على هذه الجهود الطيبة وتذكير بشخصية لطالما حاول الغرب الناكر للجميل طمر اهميتها.
    نتطلع إلى المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى