مقالات

قراءة تحليلية            “ديوان الصبابة” أو “أخبار العشاق”                                                                  د. عوض الغباري*      –      مصر

“ديوان الصبابة”، ويسمى أيضًا “أخبار العشاق” كتاب لشهاب الدين أحمد بن شمس الدين التلمساني المعروف بابن أبي حجلة وهو من أدباء القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي، مغربي المولد، دمشقي المنشأ، قاهري الإقامة،

وديوان الصبابة “أخبار العشاق” رحلة جميلة مع العاشقين، وتحليق في سماء الخيال مع المحبين، وقد ضمن كتابه في ثلاثين بابًا لم يترك شاردة ولا واردة تتعلق بالمحبين والعشاق إلا ذكرها.

 وصف المحقق أبواب الكتاب مثل الحسن والجمال وأخبار المحبين وأسرارهم، ورسائلهم بأنها “مما ينعش القلب، ويسعد النفس، ويريح البال من أخبار شائقة، إلى نوادر فائقة، وأحاديث رائقة تجمع بين الملح واللطائف، والنكت والطرائف”).

ويقدم “ابن أبي حجلة” كتابه بأسلوب بديع ينثال السجع فيه انثيالًا عذبًا دالًا على اقتداره في فن النثر، دون تلاعب بالألفاظ. يقول عن المحبين، مثلا،: “فهم ما هم! تعرفهم بسيماهم، قد تركهم الهوى كهشيم محتظر، وأصبحوا من علة الجوى على قسمين: فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر”

ويستلهم الكاتب من المعين العذب للقرآن الكريم ما يكسب أسلوبه جمالًا وموضوعه مشروعية .

وابن أبي حجلة مغرم بالتناص لسعة معرفته، وقد ذكر ابن حزم؛ مؤلِّف كتاب “طوق الحمامة”، وهو الكتاب الرائد في الحب والأحبة، وما دار حول ذلك من أشعار وقصص وفلسفة وغيره، مما يعد من أشهر كلاسيكيات الأدب في هذا الموضوع. يقول ابن أبي حجلة، مشيدًا بكتابه، متلاعبًا باسمه تورية – كدأبه: “مؤلف “طوق الحمامة” بالنسبة إلي حجلته يحجل”!

وقد فضَّل نفسه على ابن حزم

وصف “ابن أبي حجلة” كتابه هذا بقوله : “فهو للسلطان بستان ، وللعاشق سلوان، وللحب الصادق حبيب موافق، وللمهجور نجوة، وللناس تذكرة، وللأعمى تبصرة، وللشاعر المجيد بيت القصيد، وللأديب الماهر مثل سائر، وللمحدِّث قصص، وللحاسد غصص، وللفقيه تنبيه، وللحبيب بالقمر تشبيه”،).

ثم يورد قصيدة طويلة في تقريظه

مطلعها:

تبادره بالبدر منه بوادره

وتحلو له عند المرور نوادره

حافلة بفنون البديع من جناس وطباق وتورية، وتناص بالشعر العربي وأعلام شعر الغزل، وعلوم العربية كالبلاغة يقول منها:

ولي فيه نظم إن تضوَّع نشره

ففي طيه حلو الكلام ونادره

ولي فيه منثور غدا في مقامه

وعرف سناه مشرق الروض عاطره)

متلاعبًا بالتورية بمصطلح الطي والنشر في البلاغة العربية، والمنثور أدبًا.

ذكر ابن أبي حجلة نهجه في تأليف الكتاب بأنه اختار النوادر اختصارًا، وأنه سماه “ديوان الصبابة” لأنه عرفها، إذ:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده

ولا الصبابة إلا من يعانيها

قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم “العشق يُعمي”.

وفي مقدمة

“ديوان الصبابة” تعريفات متنوعة للحب لبعض الفلاسفة، والشعراء والأدباء، من ذلك قول فيثاغورث:

“العشق طمع يتولد في القلب، ويتحرك وينمو، ثم يتربى… وكلما قوي زاد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع، والفكر في الأماني، والحرص على الطلب حتى يؤدي ذلك إلى الغم والقلق”،.

والعشق “ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآرائها”..

ويلتقي ابن أبي حجلة في كثير من أبواب كتابه بكتاب “طوق الحمامة” لابن حزم،

مثال ذلك الأصل الخاص عند ابن أبي حجلة في أسباب العشق وعلاماته، وهو شبيه بما ورد في “طوق الحمامة”.

ومن علامات الحب إغضاء المحب عند نظر محبوبه إليه، والتلذذ بترداد اسم المحبوبة، وكثرة الغيرة عليها والانقياد إليها، ولا شيء يعدل اعتناء العرب بالحب الذي يسلب اللب، كما يقول ابن أبي حجلة، وأول مراتبه الهوى؛ وهو ميل النفس إلى المحبوب، ثم يذكر “ابن أبي حجلة” من مراتب الحب الشوق والأرق والوَله، ذهاب العقل.

ومن فضائل الحب أنه “ينتج الحيلة، ويشجِّع الأحباب، ويسخِّي كف البخيل، ويصفي ذهن الفتى”. وازدواج العبارة وتقسيمها مما هو من خصائص نثر الجاحظ ظاهر في قول ابن أبي حجلة في وصف العاشق “رقت حواشيه، ولطفت معانيه، وملحت إشاراته، وظرفت حركاته”.

وكذلك الأسلوب القصصي ظاهر في الكتاب مثل سرد كاتبه لقصة الملك الذي دفع ابنه للعشق حتى يرقِّق مشاعره، ويستحثه إلى المُلك، أما ذم العشق فهو “الهوى في الشر والفساد، لكن الهوى المحمود في الخير والصلاح”.

و”ديوان الصبابة” حافل بالأشعار والأخبار المحققة يسردها ابن أبي حجلة في أسلوب بديعي باهر

والعشاق معذورون لأنهم اضطروا إلى العشق لا سلطان لهم عليه، لكنه يختلف عند من رأوا أنه اختياري. وفي ذكر الحسن والجمال أنه معنى “لا تناله العبارة، ولا يحيط به الوصف”، وبياض جسم المرأة من صفات حسنها، وكذلك جمال الوجه،.

ومن العاشقين مَن لا يطيب له العشق إلا بالذل.

 وفي الباب الثاني من الكتاب ذكر

“..المحبين من الملوك، مِمَّن ذل لمحبوبه، وأصبح مع كونه مالكًا كالمملوك”.

 ويقدِّم “ابن أبي حجلة” لكل باب من أبواب “ديوان الصبابة” بقطعة نثرية باهرة كقوله في تمهيد الباب الثالث في ذكر من عشق على السماع: “هذا باب عقدناه لذكر مَن عشق قبل أن يرى، فتمَّ عليه ما تمّ، وجرى من دمعة ما جرى… وكم ليلة قد سهر فيها على السماع، وجمعته شهرٌ من لياليها مثنى وثلاث ورباع، فهو أعلى طبقة ممن عشق باللمس، أو غيرها من بقية الحواس الخمس،

 وسبب المحبة إما “رؤية صورة، أو سماع نغمة، أو سماع صفة” وهي أصل ينبوع المحبة، وكل باب من كتاب “ديوان الصبابة” حافل بما يناسبه من أشعار وأخبار تجذب المتلقي وتستميله وتمتعه.

 والعشق على السماع دائر في فلك قول بشار:

“يا قوم أُذْني لبعض الحي عاشقة”

 أو كما قال الشاعر:

“والأذن كالعين تعشق”

 وكما قال مؤلِّف الكتاب أيضًا.

وعنوان الباب الرابع كغيره من الأبواب في “ديوان الصبابة” مسجوع في ذكر “من نظر أول نظرة فاحترق من خد الحبيب بجمرة”، وهو كما يقول ابن أبي حجلة في من “أوقعه النظر إلى الضرر المؤدِّي إلى السهر”:

كل الحوادث مبداها من النظر

ومعظم النار من مستصغر الشرر

ويجري “ابن أبي حجلة” مناظرة طريفة بين العين والقلب والنفس أيها السبب في الحب، ويذكر قول الشاعر:

فو الله ما أدري أنفسي ألومها

على الحب أم عيني القريحة أم قلبي

والمناظرات فن شاع في العصور المتأخرة دلالة على موسوعية المعرفة، والطابع العلمي لهذا اللون من الأدب، وظرف صاحبه للتورية به، والإدلاء بالمناظرة في موضوعات مختلفة، وما أبلغها وأجملها هنا في موضوع الحب والمحبين.

ويورد “ابن أبي حجلة” بعض أشعاره في “ديوان الصبابة”، ولكن شعره متوسط بين الجودة والرداءة، يقول مثلًا:

غزال غزاني باللحاظ لأنه

إذا ما بدا في حومة الحرب ضيغم

تكلمني ألحاظه بسيوفها

ولم تر قبلي ميتًا يتكلم

فالنظرة سهم قاتل، كما المعنى المطروق في الغزل، والمحبوبة الغزالة أسد، سيف نظرتها يقضي على محبها، ويكلِّم المحب بهذا المعنى، مع أنه جماد، وهذا شعر متهافت من الناحية الفنية، ولكنه تعبير عن ذوق عصره،.

وفي أثر الحب يأتي الباب الخامس وصفًا لتغير “الألوان عند العيان، من صفرة الوجل، وحمرة الخجل، وما في ذلك من عقد اللسان، وسحر البيان”، وهو باب يذكر تغير لون المحبين إذا وقعت العين بالعين، وما يعتري “المحب من خفقان قلبه، وطيران عقله ولبه”

ويعقب هذا الباب فصل في التفضيل بين البيض والسود. أما الباب السادس ففي الغيرة وما فيها من الحيرة، مهَّد له “ابن أبي حجلة” بقوله: “غيرة المحب على المحبوب، حتى من نفسه، وأبناء جنسه”، والغيرة مذمومة إذا كانت مجرد سوء ظن، وأورد المؤلِّف قصصًا للغيرة المجنونة التي تفسد الحب، ومنها ما وصفه بـ “الجنون فنون”

والمحبون منهم من يفشي أسرار حبه، ومنهم من يكتمها. ويسرد ابن أبي حجلة بعض القصص من هذا الباب، وموضوع الباب الثامن استعطاف الحبيب، والتفنن في طرائقه

ومثل كل باب في “ديوان الصبابة” يأتي هذا الباب مصحوبًا بالأشعار والأخبار النادرة،

و”الوامق المحب لغير ريبة، أما العاشق فهو المحب لريبة”

والباب التاسع في مراسلة الأحباب طريقًا للوصول إلى الحب،

والعاشر “في طيف الحبيبة الزائر، ومما قيل في كثير من المثل السائر”

ولا تخلو قصص “ديوان الصبابة” من فكاهة، فمن حكاية لطيفة عن بعض المغفلين أنه “تعب في تحصيل امرأة، وكان يهواها مدة طويلة، فلما حصلت عنده في البيت وضع رأسه على ركبتها ونام! فقالت: لأي شيء فعلت هذا؟ فقال في عشقي فيك نمت لعلِّي أرى خيالك في النوم!!” وأخرى عن بعض البخلاء أنه “قال لجارية يعشقها: ابعثي لي طيف الخيال، فقالت له: ابعث لي دينارًا وأنا آتيك بنفسي في اليقظة!”

والباب الحادي عشر في قصر الليل وطوله

وليل العاشقين طويل

كما يقول المتنيd

أو كما يقول الشاعر:

يا ليل طُل أو لا تَطُل

 لابد لي أن أسهرك

لو بات عندي قمري

 ما بت أرعى قمرك)

وأيضًا:

رقدتَ ولم ترثِ للساهر

 وليل المحبِّ بلا آخر

وحظي من الإجازة بنصيب جميل في العشق والعشاق، والإجازة أن يقدم الشاعر نصف بيت، ويطلب من الآخر أن يكمله كقول أحدهما طالبا إجازة قوله:

قد بلغ العشق منتهاه

فيكمل الآخر:

وما درى العشاق ما هو

وتمضي الإجازة رائعة في باقي أبيات القصيدة

والعذول هو خصيم العاشقين، لأنه يفسد الحب، ويوقع الشقاق بينهم لما يشيعه من القيل والقال، مما يجعل المحبين في سوء حال،

خاصة إذا كان العذول قليل العقل فضوليًا، وهذا هو موضوع الباب الثاني عشر، “في قلة عقل العذول وما عنده من كثرة الفضول”، يخاطب الشاعر عقله قائلًا:

يا عاذلي في هواه

إذا بدا كيف أسلو

يمر بي كل وقت

 وكلما مرَّ يحلو

فلا فائدة من عذل العاذلين ولومهم للعاشقين، أو كما يقول الشاعر:

نزهت حَسْن الذي أهوى وقلت له:

ما للعذول على ما قال برهان

وفي زيارة المحبين ينعقد الفصل الثالث عشر من “ديوان الصبابة” “لذكر الزائر والمزور، وما قيل بهما من منظوم ومنثور”

وقد أورد “ابن أبي حجلة” الكثير منه، وأطرفه من قول الشاعر:

وإني الذي أضنيته وهجرته

فهل صلة أوعائد منك للذي؟

وهي تورية طريفة بصلة الموصول نحويًا، والمراد بها صلة الحب،.

وكان هذا اللون من التورية من أبدع بديع عصر الشاعر،

أما الرقيب والنمام والواشي كثير الكلام، فموضوع الباب الرابع عشر

والرقيب – كالعاذل- مكروه من العاشق لأنه “يرى المحب بعين المقت في كل وقت، ويرميه في الحضرة والمغيب بكل سهم مصيب”)

والنمام كذلك قاطع اللذات، وصفه “ابن أبي حجلة” بأنه والرقيب “قبيح المنظر، سيء المخبر”).

وكذلك ذم الواشي الذي يوقع بين المحبين.

نلتقي بالباب الخامس عشر “في العتاب عند اجتماع الأحباب”.. “لذكر معاتبة ألذ من الأماني، وبث هوى أرق من النسيم، نعم في العتاب فوائد جمَّة، وإزالة الكرب فلا يكن أمركم عليكم غمة… ومن المعلوم أن العتاب بين الأحباب أصل وفصل، وقطع ووصل”، ويأتي تمهيد “ابن أبي حجلة” لكل باب قطعة أدبية بليغة، قد تفوق ما يورده من شعر ونثر في هذا الباب أو في غيره،

وقد نجتزئ به تعبيرًا عما لا نورده من أمثلة.

وعنوان الباب السادس عشر طريف، وهو: “إغاثة العاشق المسكين إذا وصلت إلى العظم السكين”، فالعشق نافذ إلى قلوب العاشقين المساكين كالسكين، فما أشقاهم به،

وفي هذا الباب حكايات كثيرة لمثل هؤلاء العاشقين المساكين””

ويعقد “ابن أبي حجلة” الباب السابع عشر في عِلِّة الحب “الذي أعجز أهل الطب، وهم فيه “حيارى سكارى وما هم بسكارى”،).

والاستعانة بالقرآن الكريم، والتناص بمعناه ولفظه المعجز من سمات الأدب العربي على الإطلاق، وصولًا بالأدب إلى غاياته البلاغية الجمالية المؤثرة في النفس،

وتسمى المرأة سكنًا لسكون النفس إليها.

ويعرض “ابن أبى حجلة” لتمنع الحبيبة وصدها ودلالها على الحبيب وهجرها له في الباب الثامن عشر بعنوان: “في تعنت المعشوق على الصب المشوق، وغير ذلك من أقسام الهجر، وصبر القابض على الجمر”. ويمهد لهذا الباب تمهيدًا طريفًا بقوله: “هذا باب عقدناه لذكر التجني، وقول المحب: إليك عني، فهو باب ما تظفر به حلو المذاق، عطر الخلاق بالاتفاق، لا يعرف طعمه إلا مَن ذاقه، وعرف وصل الحبيب وفراقه، ولم تزل العشاق تستحلي تجني الحبيب، وتقول ضرب الحبيب زبيب”،

وهذا نص جميل في استعذاب العشاق لعذاب الحب، وفيه المثل الشعبي المعروف صاغه الشاعر بعبارة : “ضرب الحبيب زبيب”. ونقوله: “ضرب الحبيب زي أكل الزبيب”

وفي التجني من المعشوقة يقول الشاعر:

شرط المحبة عند أرباب الهوى

أن المليح على التجني يُعشق

و”هجر الدلال ألذ من كثير الوصال”

وفي الدعاء على المحبوب، لا يلبث العاشق على حال “وبينما هو يدعو له إذا هو يدعو عليه”

أو “هو يدعو عليه، ثم يرجع عن ذلك” كما قال ابن وكيع التنيسي

إن كنت تعلم ما بي

 وأنت لست تبالي

فصار قلبك قلبي

وصِرْتَ في مثل حالي

بل عشت في طيب عيش

 تفديك نفسي ومالي

دعوت إذ ضاق صدري

عليك ثم ما  بدا لي

والباب العشرون “في الخضوع وانسكاب الدموع، وحال المحب حزن وبكاء”، أو كما يقول المتنبي:

إن القتيل مضرجًا بدموعه

 مثل القتيل مضرجًا بدمائه

ومن المفردة العامية المصرية المحببة في الشعر كلمة (ياما) بمعنى “كثير” في قول ابن وكيع التنيسي:

في دمع عيني لا تَسَلْ عن حاله يا ما جرى

ويمهد المؤلِّف للباب الحادي والعشرين “في الوعد والأماني وما فيهما من راحة المعاني” يقول الشاعر:

أُعلِّل بالمنى قلبي لعلِّي

 أروِّح بالأماني الهمَّ عني

ثم يتبعه بقوله: “ولم يزل المحبون يعللون بالأماني نفوسهم

طالما أيس من وعد المحبوب، وتمسك من رؤية ساقه بمواعيد عرقوب”، يضرب مثلًا لخلف الوعد،

ويقول الشاعر:

في المنى راحة وإن علّلَتنا

من هواها ببعض ما لا يكون)

والقليل من المحبوب كثير عند المحب، وهذا هو موضوع الباب الثاني والعشرين في ذكر “الرضا من المحبوب وبأيسر مطلوب”، و”هذا خاص بالمحب المطبوع والعاشق القنوع”

ويؤدي الحب إلى النحول والذبول، وفيه أشعار كثيرة في الباب الرابع والعشرين.

 ويختص الباب الخامس والعشرون بما يقاسيه الأحباب من الأمور الصعاب من تحمل الأشواق وألم الفراق “وما يقاسيه المحب من ركوب الأخطار، في طلب الأوطار… كقول الشاعر:

شكا ألمَ الفراق الناسُ قبلي

 ورُوِّع بالنّوى حيٌّ وميْتُ

وأما مثل ما ضمّت ضلوعي

 فإني ما سمعت وما رأيت

و”ديوان الصبابة” حافل بالرؤى النقدية لابن أبي حجلة مثل تحليله لأبيات ابن خفاجة في طلب الأوطار، وركوب الأخطار في طلب الأحباب مطلعها:

لقد جبت دون الحي كل تنوفة

 يحوم بها نسر السماء على وكر

“قد أحسن فيها الاستعارة، وسار بنظمها العالي وعددها السبعة السيارة،

وقد أفرغت هذه الأبيات “في قالب عجيب، وأسلوب غريب”

ويمضي “ابن أبي حجلة” في تحليل هذه الأبيات بنقد إبداعي متفرد.

وينعقد الباب السادس والعشرون في طيب ذكر الحبيب “لذكر من صال وجال، وذكر محبوبه حين تكسرت النصال على النصال”).

وأشهره قول عنترة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

 لمعت كبارق ثغرك المتبسم

ثم يورد “ابن أبي حجلة” فنونًا من شعر الغزل “مما يُطرب سماعه، ويؤخذ لطالع الحسن ارتفاعه” في الباب السابع والعشرين وهو، كما يقول، “من أوسع هذه الأبواب مجالًا، وأجراها جريانًا، وأوسعها خطابًا، وأعذبها رضابا”

ومنه قول بشار:

أنا – والله – أشتهي سحر عينيك وأخشى مصارع العشاق

موريًا بكتاب “مصارع العشاق” الشهير، وقول الآخر::

في ثغره وشكله وخده

الماء والخضرة والوجه الحسن)

وقال كثيرٌ عزة::

الله أعلم لو أردت زيادة

 في حب عزة ما وجدت مزيدا)

ومطالع “ديوان الصبابة” يرى كثيرًا من الأشعار الرائعة في هذا الباب.

ويسقط المحقق البابين الثامن والعشرين والتاسع والعشرين لما ورد فيهما من لفظ جنسي مكشوف،

ويختم الكتاب بالباب الثلاثين في العفاف بذكر “أكثر المحبين ميلًا، وأطهرهم ذيلًا، وأحسنهم سيرة، وأزكاهم سريرة، وأعفهم مع القدرة، ولا سيما بنو عذرة”

ثم أورد بعض قصصهم بادئًا بجميل بثينة، موريًا باسمه في قوله : “وإن ذاكرهم بالعفة جميل الصفات، صادق العزمات”، وجميل بن عذرة، وهي قبيلة عربية مشهورة بالعشق، وإليهم ينسب الهوى العذري.

والقصص الواردة عنهم تبين عفافهم وسموهم عن غرائز الشهوة، أو كما يقول أحد عشاقهم “حنين طويل، ولحظ من بعيد، وأترك ما يكره الرب، ويفسد الحب”

وقد عبَّر هارون الرشيد عن التعفف في العشق بقوله:

أرى ماء وبي عطش شديد

 ولكن لا سبيل إلى الورود

وقد روى عن الرسول –ص- قوله: “من عشق وكتم وعف وصبر مات شهيدًا، وغفر الله له وأدخله الجنة”).

وفي مصارع العشاق أدب كثير وقصص كثيرة، وقد قال جرير:

إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ

 قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له وهن أضعف خلق الله إنسانا

وبعد، فإن “ديوان الصبابة” ليس ديوان شعر، ولكنه كتاب جمع فنونًا من الأدب الذي تناول الحب والمحبين، وقصص العشاق وما ارتبط بها من مشاعر إنسانية رائعة.

*الأستاذ في قسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة القاهرة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى