مقالات

النرجسية نظرة مغايرة قراءة : ريما آل كلزلي      –     السعودية

نظرات في كتاب "إعادة التفكير في النرجسية" لكاتبه كريغ مالكين

ريما آل كلزلي

من خلال هذا الكتاب “إعادة التفكير في النرجسية” لكاتبه كريغ مالكين ننظر إلى هذه الشخصية -وحسب وجهة نظر الكاتب – من زاوية أخرى.

طالما سمعنا عن النّرجسيّة، تلك الصّفة الّتي ارتبطت بالغرور الشّديد، وحبّ الحصول على الأضواء واهتمام النّاس بشكلٍ حصريّ، ومن الواضح أنّ فهمنا للنّرجسيّة لا يرتبط بالجانب النّفسيّ لها؛ بل اعتدنا على اعتبارها ذمًّا لا أكثر، إلّا أنّ سوء فهم النّرجسيّة لا يقتصر على الأشخاص العاديين فقط، فحتى علماء النّفس ما يزالون مختلفين حول اعتبارها مرضاً نفسيّاً أم صفةً قد يتّسم بها أيّ شخص، وقد اتّفق أغلب المختّصين على أنّ النّرجسيّة قد تدمّر النّرجسيّ وعائلته وأصدقاءه إذا لم يتمكّنوا من التّعامل معه بشكلٍ صحيحٍ من البداية؛ لذا يجب اتّباع بعض الاستراتيجيّات النّاجحة الّتي ستجعل من السّهل استغلال صفات النّرجسيّة لصالحنا وصالح من حولنا، حيث انصبّت على الأشخاص المصابين بالنرجسية اتهامات كُبرى  بعضها منصف والآخر قد يصل إلى حدود البغض، منها اضطراب الشخصية وشعورهم القوي بالأهمية والعظمة والتفرد، ومثل هذا الشعور يسبب الكثير من المشكلات الاجتماعية لكون هذا الإنسان لن يتمكن من إشباع هذا الإحساس بمعزل عن الآخرين، بل لا بد أن يعطى حقوقه المزعومة من التعظيم والتبجيل من الآخرين الأقل منه حسب اعتقاده، وهذا لا يعني أن المصاب بالنرجسية شخص لا يستحق الاهتمام أو أنه غير منتج اجتماعيًا أو غير مؤهل علميًا، بل قد يكون بالفعل من الأشخاص المتميزين اجتماعياً إلا أن إحساسه بأن الكون يدور حوله والمبالغة في تضخيم إنجازاته هو ما يجعل شعوره وردود فعله العاطفية والاجتماعية أشياء تصنف كاضطراب في شخصيته.

دعونا نلقي نظرة شاملة للموضوع منذ التنشئة..

إنّ حبّ الذّات كان موضوعًا مثيرًا للجدل عبر العصور؛ إذ نجد بعض الفلاسفة يؤيّدونه مثل أرسطو (Aristotle) الّذي قال: “أنّ الرّجل الصّالح هو الّذي يحبّ نفسه أكثر”، والبعض الآخر من الحكماء كانوا يرفضونه تمامًا مثل بوذا (Buddah) الّذي اعتبر أنّ النّفس ليست سوى وهم، وأنّه من الأفضل لك أن تحبّ الآخرين.

بالتّأكيد وأنّك قد سمعت يومًا عن أسطورة الصّياد اليونانيّ الوسيم نيركسوس (Narcissus)، الّذي كان مغرورًا وفخورًا بجماله، وكان يتجاهل المعجبين به، وفي أحد الأيام رأى انعكاس صورته في البحيرة، فوقع في حبّها دون أن يدرك بأنّها مجرّد صورةٍ له، فعجز عن ترك هذا الانعكاس وبقي يحدّق فيه لساعات، إلى أن قرّر أن يصل إلى محبوبه، فغاص في البحيرة ولم يخرج منها حيًّا، وبعدها نمت زهرةٌ على ضفاف البحيرة لتخلّد ذكراه وتعطي عبرةً من قصّته، وسميّت هذه الزّهرة بـ”النرجس”.

تمّ استخدام مصطلح النّرجسيّة لأوّل مرّةٍ في التّاريخ من قبل العالم فرويد في أوائل القرن العشرين، حيث ادّعى أنّه من أجل إقامة علاقاتٍ هادفةٍ مع المحيطين؛ لا بدّ من حبّ الشّخص لنفسه في البداية، فكان حبّ الذّات أمرًا إيجابيًّا بالنّسبة له. ورأى أنّ مرحلة الطّفولة هي المرحلة الّتي نقع فيها بحبّ أنفسنا، كما أنّها مرحلةٌ ضروريّةٌ وصحيّةٌ من أجل تطوّرنا، فبدون النّرجسيّة سنفشل في اكتشاف أهميّتنا وسنناضل للوصول إلى رضا الآخرين دون جدوى. أمّا بالنّسبة للمحلّل النّفسيّ هاينز كوهوت (Heinz Kohut)؛ قام بإجراء بعض التّعديلات على نظريّة فرويد (Freud)؛ حيث كان يرى أنّ البشر مدفوعون إلى تطوير صورةٍ ذاتيّةٍ صحيّة، وأنّ حبّ وإعجاب الآخرين من حولنا هو ما يجعلنا نشعر بأنّنا مميّزون على نحوٍ يتيح لنا أن نصبح أفرادًا واثقين ومحبّين لأنفسنا.

عندما نسمع كلمة النّرجسيّة، فإنّ أوّل ما يتبادر لأذهاننا هو شخصٌ واقعٌ في حبّ ذاته، لا يكفّ عن التّكلّم عن نفسه ومحاولاته السّخيفة للظّهور أمام النّاس، لكنّ هذه الصّورة خاطئةٌ؛ فالعديد من النّرجسيين ليسوا مدفوعين بالشّكل أو الشّهرة، بعضهم لديه نرجسيّةٌ صحيّة، إذ أنّ الصّورة النّمطيّة للنّرجسيّة قد تعمينا عن بعض الصّفات الجيّدة فيها، فالأفراد عبارةٌ عن مزيجٍ من نقاط القوّة والضّعف، ومن الخطأ أن نقوم بتقييمهم بناءً على مقياس الأبيض والأسود.

يمكن استخدام مقياسٍ من واحدٍ إلى عشرةٍ عند تقييم النّرجسيّة؛ فالشّخص الّذي يتمّ تقييمه بأنّه “صفرٌ” على مقياس النّرجسيّة قد يعاني نكرانًا مخيفًا للذّات، وليست لديه رغبةٌ في الشّعور بالخصوصيّة، معتقدًا أنّه لا يستحق الحبّ أو الاهتمام من الآخرين. أمّا الأشخاص ممّن حصلوا على درجة “عشرة” على مقياس النّرجسيّة؛ فهؤلاء يعيشون حياتهم وهم بحاجةٍ مستمرّةٍ للحصول على انتباه الآخرين، ويبتعد عنهم النّاس نتيجة غرورهم، ويشعرون بالانزعاج الشّديد إذا لم ينتبه لهم أحد.

من الواضح أنّ كلتا النّتيجتين؛ واحد وعشرة، ضارّتان سواءً على الشّخص نفسه أو على المحيطين به، كذلك الأمر بالنّسبة للأشخاص الواقعين بين “اثنين” و”ثلاثة”، فهم نادرًا ما يشعرون بأنّهم مميّزون، وإذا شعروا بذلك فقد يكتمونه، أمّا الّذين يقعون بين “سبعة” و”ثمانية”؛ فإنّهم يجدون صعوبةً في قمع حاجتهم للشّعور بأنّهم مميّزون، ويميلون إلى أن يكونوا أنانيين، في حين أنّ الّذين تتراوح نتائجهم بين “أربعة”         و”ستة”، فهم مستقرّون نوعًا ما،   أمّا أفضل الأشخاص فهم الّذين تكون نتيجتهم “خمسة”؛ فهم يتصرّفون على حسب رغبتهم في النّجاح والتّميّز دون الإفراط في ذلك، ويعملون على وضع احتياجاتهم جانبًا في حال احتاج أحدهم إلى المساعدة، فالاعتدال هو شعارهم.

لا تؤثّر الجينات على الميّزات الجسديّة لدينا فقط؛ بل لها تأثيرٌ    كبيرٌ في السّلوكيّات والصّفات الّتي نتّسم بها؛ بما في ذلك صفة النّرجسيّة، والّتي يمكن أن تكون جزءًا لا يتجزأ من طبيعة شخصيّتنا،

لكنّ الجينات ليست هي العامل الوحيد في وجود أو عدم وجود النّرجسيّة، فالتّنشئة الاجتماعيّة والطّريقة الّتي قام آباؤنا بتربيتنا بها لها تأثيرٌ كبيرٌ في حبّنا لذاتنا. ذلك يعتمد على ما إذا كان الآباء يشجّعون أطفالهم على الحديث عن أحلامهم وأهدافهم بشكلٍ منفتحٍ، مع حثّهم وتشجّيعهم على صفاتهم الجيّدة، أم أنّهم منغلقون ليس لديهم تعاطفٌ حقيقيٌّ أو تفهّمٌ لشخصيّة أطفالهم، أو أنّهم كثيرو التّحكّم بأطفالهم، هذه الأمور هي ما تؤثّر بشكلٍ رئيسيٍّ على مقدار النّرجسيّة الّتي سيمتلكها الطّفل عند البلوغ، كما تختلف أساليب التّربيّة الّتي يستخدمها الآباء من أجل تنشئة أبنائهم؛ فبعضهم يكون ضمن فئة الأهل الاستبداديين وكثيري التّحكّم بأبنائهم، فلا يعبّروا لهم عن مشاعرهم، أو أنّهم ضمن فئة الأهل المتساهلين فلا يضعوا أيّ قوانينٍ لأطفالهم، لذلك؛ فهم يحصلون على ما يريدون ويصبحوا مستعدين للتّنمّر، وهناك فئة الأهل غير المبالين الّذين يعطون أطفالهم الحبّ والحنان لكنّهم يهملون تفوّقهم ونجاحهم في حياتهم الدّراسيّة، والفئة الأخيرة هي فئة الأهل المثاليين الّذين يرشدون أبناءهم ويؤثّرون فيهم بشكلٍ إيجابيّ، ويتركونهم يتحمّلون المسؤوليّة.

لكي يتمكّن الآباء من تجنّب اكتساب أبنائهم النّرجسيّة بشكلٍ عالٍ؛ بإمكانهم أن يتدرّبوا على التّعاطف معهم، والتّحدّث معهم بشكلٍ منفتحٍ ومساعدتهم على حلّ مشاكلهم، وإعطائهم الثّقة الكاملة بأنفسهم، ووضع القوانين الصّارمة لهم والّتي تصبّ في مصلحتهم؛ حيث يجب أن يوازن الأهل بين الحزم والحنان، وبين إعطاء أبنائهم الشّعور بالحبّ ومعرفة مدى حاجتهم لذلك، كما أنّه يجب أن يلاحظوا السّلوكيّات الجيّدة في تصرّفات أبنائهم، ويشجّعوهم عليها بدلاً من التّركيز على صفاتهم السّيّئة.

قد يتصرّف بعض الأشخاص في حياتنا بطرقٍ غريبةٍ لا نستطيع فهمها أو تفسيرها، ربّما قد تكون النّرجسيّة وراء ذلك؛ فهي سمةٌ شخصيّةٌ معقّدةٌ من الصّعب التّعرّف إليها بسهولةٍ. فبعض الأشخاص عند إعطائهم ملاحظاتك عن أمرٍ ما؛ يقومون بانتقادك ومحاولة التّقليل من شأنك، وبعضهم لا يشعرون بالتّحسّن إلّا عند جعل الآخرين يشعرون بشكلٍ سيء، وبعضهم يفتقرون إلى الثّقة في النّفس وحسّاسون للغاية في ما يتعلّق بالنّقد، كلّ هذه الأمور تنتج جرّاء رهاب العاطفة النّرجسيّ؛ أي أنّهم يحاولون التّخلّص من مشاعرهم السّلبيّة ويحاولون وضعها على الآخرين.

هناك بعض المؤشّرات الّتي تمكّننا من التّعرّف إلى الشّخص النّرجسيّ؛ كإخفاء المشاعر والتّعبير عنها بموجة غضبٍ مفاجئةٍ، ووضع المشاعر السّلبيّة على الآخرين بدلًا من الشّعور بها؛ مثل صبّ غضبهم على شخصٍ ما، أورفضهم الاعتراف بالشّعور بالغضب، وإخفاء طبيعة احتياجهم للآخرين، ورفضهم طلب المساعدة منهم، إضافةً للبحث الدّائم عن أشخاصٍ مثاليين ليتوافقوا مع معاييرهم العالية والمثاليّة.

وفي العمل من الممكن التّعامل مع النّرجسيّ بطريقةٍ إيجابيّةٍ، فليس من الضّروريّ قطع علاقاتنا مع الزّميل الّذي يتميّز بالنّرجسيّة بدرجةٍ عالية، ولكن يمكن أن نتعامل معه بكلّ صدقٍ وصراحة؛ فإذا شعرت بعدم الرّضا نتيجة موقفٍ معيّنٍ من شخصٍ نرجسيّ؛ يجب أن تقوم بشرح مشاعرك تجاه الأمر له بشكلٍ هادئ، دون الشّعور بالغضب أو الإحباط، مع توضيح أنّ رأيّه يهمك؛ ممّا سيثير لديه مشاعر التّعاطف والحبّ والرّحمة تجاهك، وستراه يتحوّل أمامك إلى شخصٍ غير نرجسيّ.

النّرجسيّة هي صفةٌ اتّسمت بها البشريّة منذ العصور القديمة، تأتي بمختلف الأشكال والمعايير؛ بعضها صحيٌّ، وبعضها الآخر على العكس تمامًا، ويمكن رصد المستويات غير الصّحيّة من النّرجسيّة من خلال بعض المؤشّرات، كما يمكن مساعدة الأشخاص الّذين نحبّهم في كبح سلوكيّاتهم النّرجسيّة من خلال إظهار أنّك بحاجةٍ إلى حبّهم ورعايتهم، والتّعامل معهم بصدقٍ وإخلاصٍ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى