مقالات

قفزة غرائبية غلفتها تقنية التغريب السردي في “أقنعة من لحم” للقاص السعودي حسن السنونة قراءة: ريما آل كلزلي      –      السعودية

 

ريما آل كلزلي

 

بقلمه الساخر وروح الكاتب المتهكم تناول حسن السنونة قصصه ليبث فيها الهموم اليومية والمفارقات الاجتماعية، التي طالت كل شيء  حتى نفسه، و التي لم تنجُ من سلطة قلمه فكان لها نصيب من تشذيب الوجع الذي أحالها إلى هذا القدر من التهكم، و لو كان لي أن أشبهه بالكاتب محمد الماغوط لفعلت ، فبين شذرات السخرية الكثير من الأمنيات المخبأة ، وبين ضحكة وأخرى ألمٌ عظيم نخفيه بالقهقهات.

لعلي هنا أورد هذه اللقطة، كان ريتشارد شريدان من أبرع الكتاب الساخرين في المسرح الإنجليزي، ، بيد أن المسرح كان شغله الشاغل، كسب منه كثيراً مثلما خسر فيه كثيراً، وكان من خسائره الجسيمة فيه الحريق الذي شب في مسرحه الذي أنفق على تشييده كثيراً من ماله الخاص، وكانت أمام المسرح حانة «كوفنت غاردن» الشهيرة. أسرع إليها شريدان، وجاء بكرسي وطاولة على الرصيف المقابل، وأمر الخدم بإحضار قنينة شراب وقدح مناسب. فتح القنينة وصب منها شيئاً إلى قدحه، وراح يحتسي ما شاء من الشراب؛ كان منظراً غريباً أمام هذا الحريق الفظيع! فقيل له: ما هذا؟ مسرحك تلتهمه النيران وأنت جالس تتفرج وتشرب النبيذ؟!»، فأجابه شريدان: «وماذا في ذلك؟ أفلا يصح لرجل أن يدفئ نفسه ويحتسي النبيذ أمام نار موقده؟!».. قالها ودخلت كلماته في تاريخ الأدب المسرحي لهذا الكاتب الساخر، وها أنا بدوري أستشهد بها.


من الإبداع أن يربط الكاتب ما يجول في عقله من خواطر وأفكار بالواقع، ويوظف الكلمات والمعاني ويستعين بالمفردات والإيحاءات للوصول إلى مبتغاه في رسم لوحاته بالحروف وتأطيرها بالمعاني، وجاءت القصة في هذه المجموعة معتدلة في تقنيات السرد فكانت أقرب للواقعية،لم  تسهب في الوصف وعوالمه السحرية، فجاءت مرّة على لسان البطل ومرّات على لسان الراوي العليم الذي يعرف كل شيء، ويقول كل شيء نيابة عن شخوصه، مع تمكن الكاتب من أدواته إلى حد بعيد، كما لفت القاص الانتباه إلى مصاف الواقع الاجتماعي والانتماءات التغريبية التي تنتاب المجتمعات العربية، وتؤدي إلى التقسيم والعنف والتفتت الاجتماعي، والعزلة الفكرية، ليفتح مخيلة الانسان بأن يتصور المستقبل كما يريده هو ، لا كما رسموه له، فهو يستخدم في قصصه العديد من الأساليب والحيل السردية، لصنع الدهشة، ونقل شعور الاستغراب والفضول لدى القارئ من خلال لغة سردية صرفة.

في قصة ”أقنعة من لحم“، التي حملت عنوان المجموعة، فقد سخر الكاتب من اسمه وأحلامه وخيالاته، ومن وجهه الذي تحول إلى وجه “كلب” في أول قصة ناقشت واقع الحياة اليومية ومتطلباتها، ليحيل السخرية إلى لوحة جمالية وضرب من ضروب الفن، ثم يغوص في عوالم الوعي الإنساني ، حين يثير الانتباه نحو غرابة الحدث، ليصحو من نومه البطل فيرى وجهه قد تحول لوجه كلب، لا يرى ذلك سواه، وكأن الكاتب يريد حصر الفكرة  بهذا المضمون ، حيث قناعة الإنسان هي هويته، ومعرفته التراكمية عن ذاته والأشياء والعالم بأسره، فلا ينجو أي شخص من تعارض قناعاته مع محيطه.

إن تقنية التغريب السردي التي اتبعها السنونة، والفكرة برغم بساطتها ، حملت مشاعر متضاربة حول الحدث  لصنع قفزة غرائبية أثارت الفضول للمزيد حول الحدث، وصنع النهاية بنفس القيمة من المراوغة، حيث عاد وجهه إلى طبيعته عندما رأته زوجته بوجه الكلب، فقد عكس القناعات كلها، ليمحو أثر ما كتب، كأنما رمى حجرًا في بحيرة راكدة ، ثم مضى.

وفي قصته الثالثة” ترانيم مواطن لايتحرك” رسم صورة متناهية الدقة لشيء ما أو حدث ما وأسماه مواطن، هناك فعل يتصاعد منذ كلمة وقف دون حراك في مكان مرتفع، يثرثر، يصمت، يخاطب حينا… ثم تردد سيموت واقفا في مكانه ، ليشد القارئ ويلفت انتباهه إلى محاولة اعتصام واضحة المشهد ، و خفية المقصد، ثم تزداد الحماسة التي تجعل القارئ فاغرًا يود أن يعرف بفضوله ثم ماذا؟ بعد انتشار خبر وقوف هذا المشبه بالمواطن،          وحضور الجهات العليا، الوفود العربية والأجنبية، مناديب العالم أجمع ، مع ذلك لم يتأثر المواطن المقصود وظل مكانه، و محاولات اغراءه  بالحيوانات والطيور والمهرجانات والحكائين والرقص والغناء.. كل ذلك لم يفلح في جعل المواطن المقصود يتحرك من مكانه. لا بل ابتسم ساخرًا من كل شي وظلّ واقفا في مكانه، برمزية عالية نجح في توصيل فكرته.

وفي مشهد مونولوجي لقصة ”صرخة طينية“ سأستعير هذا الاقتباس: ” مؤلم جدًا حتى ينطق الألم ، أن تشعر بأنك غير مرغوب فيك، من العالم كله مع ذلك أنت محاصر و مطلوب لأداء فروض الحياة”

من خلال هذه القصة أراد الكاتب أن يلامس مشاعر الضجر داخل الإنسان ، ويثير بعدًا متعلقًا بالإرادة الشخصية، والهوية الذاتية، التي يفقدها المرء في ضجيج الحياة النمطية، واستخدم السنونة الحوار الذاتي ليكشف عن منطقة مظللة عند الكثيرين تقسمه نصفين بين الحق والواجب، ثم كتب: ”العالم مشغول بي، لا لشيء سوى أنني لا أقوى على أن أكون ما أريد أن أكون، كأنني مختلف عن الآخرين، وهذا ليس صحيحا، أريد أن أصرخ حتى يعود لي شيء من التوازن“. أدهشتنا النهاية .

                                                     ورد وماء

ربما كانت محاولة من الكاتب  ليخبرنا أن الكلمة الطيبة هي سحر القلوب، والنوايا الطيبة هي مفتاح التوفيق دائمًا، فقد تزوج هذا الرجل   ” كرم” زواجًا تقليديًا ، ولم يكن يملك الكثير من المال ولا المنصب، لكن لديه قلب مُحب، وعندما توفت زوجته كان يزورها كل يوم إثنين مع وردة بيضاء والكثير من الدعاء والماء.

حتى ذلك الإثنين الذي ارتبط فيه بسفر و موعد هام للعمل ، لكن حصلت له سلسة من الارتباكات بسبب تأخره ، واصطدامه بالقبور وصولا الى قبر زوجته ، ثم راح يعود إلى كل قبر اصطدم به ليصب الماء ويتلو الدعاء، على اعتبار أن مثل هذه التجاوزات لاتصح ، و كانت المفاجأة بنفاذ الماء قبل وصوله إلى قبر زوجته الحبيبة، ليكمل إدهاشنا بأن قبرها كان منعمًا بالماء والورد الكثير حين وصل إليه .


و«أشتاق للعناق فأستيقظ»

تضمنت مونولوج داخلي عميق يحاكي هموم مجتمع من خلال حالة تأتيه كل سنة مرة قبل الساعة الثانية عشرة وتستمر حتى الفجر، واستغراب زوجته من تأخر مرضه السنوي، وحواره مع زوجته ومناداته بما تحب رغم أنه رومانسي لكنه بارد ومتبلد معها، للاعتراف بهوى النفس وأخطائها رغم أن الآخر متفاني في العطاء.


وهناك في «إشهار جوع»، وصف بنظرة فلسفية لمشرد متنقل من مكان إلى مكان بحثا عن طعام، وحكم القاضي عليه بإشهار الجوع في الشارع بعد نظره إلى «كيكة» وتأثيره على الذوق العام وسمعة الوطن، وأوجعتنا سعادته بالحكم كونه لن يحمل هم الأكل لـ 8 أشهر!

وكيف اختار السنونة «الوسادة البيضاء» ليرى رقتها ونعومتها ورائحتها، والفتاة الهاربة من أهلها بعد قصة حب عاصفة إلى دولة تدافع عن حقوق الحب، إنها وسادة خاصة بالحيوانات الأليفة!.

وتأتي قصة «أنا وأمي..والمحرمات» والسؤال عن علاقته بالنساء، وفتاة الطائرة وتأنيب جدته وفعل أي شيء شرط ألا يغضب الخالق أو يغيض المخلوق أو يسيء إليه أو لعائلته، فهناك «أسئلة.. بيضاء مجنونة» وعدم إيمانه بشؤم، ويوم أحضرت زوجته كفنا جاهزا، والقبلة المحرمة على خده من فتاة لغتها عربية ولونها فرنسي، والهروب الكبير من ابنة عمه التي وعدها بالزواج.

أجاد الكاتب سرديته، وهو يقفز على الهموم المجتمعية، يخلق منها متعة للقارئ الذي يغرس قلبه في آلام النص، فيسهم في تكوين قناعات مشتركة بينهما، وفي تقريب المواقف من قضايا الحياة، وتكوين الوعي الذي هو غايته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى