مقالات

ميدوسا “ترند” عربي  أمل حارب النعيمي      –      الإمارات

أمل النعيمي

 

تحكي الأسطورة الإغريقية القديمة عن “ميدوسا” تلك الفتاة العذراء شديدة الجمال التي كانت تخدم في أحد المعابد الخاصة بالآلهة “أثينا”، وأثناء مرور “بوسيدون” “آلهة البحر” بالمعبد، شاهد الجميلة “ميدوسا” فأغراه جمالها اللافت، واغتصبها بالقوة، وخوفاً من رد فعل الآلهة تكتمت “ميدوسا” على الأمر، حتى عرفت “أثينا” التي لامت “ميدوسا” على تلك الجريمة، واعتبرتها هي السبب في ذلك الاغتصاب، فلولا جمالها الشديد ما تعرضت للاغتصاب، وبدلًا من أن تنصف الضحية، أوقعت عليها هي العقاب، ورمتها بلعنة حولت شعرها الجميل إلى أفاعٍ، وجسدها الجذاب إلى جسد حية بلون مقزز، وبدلاً من أن يكون كل من ينظر إلى “ميدوسا” يقع في حبها، صار كل من ينظر إليها يتحول إلى حجر!

كيف ربط رواد التوصل الاجتماعي هذه القصة الخرافية بعالم الواقع؟ وكيف أستغل بعضهم هذه الأسطورة لكسب المشاهدات؟

استخدم الكثير من الضحايا “هاش تاج” مع صورة “ميدوسا” ليحكوا فيه تجاربهم في التعرض للاعتداء الجنسي في طفولتهم ومراهقتهم، الشيء اللافت والمرعب هو أن معظم الضحايا تعرضوا للاعتداء الجنسي من أفراد مقربين منهم؛ سواء أكانوا أحد أفراد عائلتهم،أو أصدقاء مقربين وأهل للثقة من عائلتهم بما يسمح لوجود الضحية معهم على انفراد، ومعظم هؤلاء الضحايا إما أنهم فضلوا الصمت والتكتم على الجريمة خوفاً، وإما أن أهلهم لم يصدقوهم أو ينصفوهم، إلا أن الجميع وجبت عليهم اللعنة كما وجبت على “ميدوسا”.

وانقسمت مواقع “سوشيال ميديا” كالعادة بين مؤيد ومعارض ومهاجم ومدافع، فهناك من من رفض الـ “هاش تاج” هاجم الفتيات، وهناك من دعمه ومن ساند الفتيات.

ربما أرادت ضحية الاعتداء التخلص من الألم والعار اللذين حملتهما داخلها سنوات وسنوات، و أراد بعض ضحايا الاعتداء قص ما حدث لهم كتنبيه للأبناء غير المنتبهين لأبنائهم، حتى لا يكون هناك مزيد من الضحايا، وخاصة الذين تعرضوا للاعتداء في الصغر من أقاربهم ورفض الأهل تصديقهم.

هناك ضحايا ما يزالون يتعرضون للاستغلال والاعتداء الجنسي، وكانت حكايتهم طلباً للمساعدة حتى يتوقف ذلك الاعتداء.

إن الاعتداء الجنسي على الأطفال يؤثر سلبًا بشكل كبير في جميع جوانب الحياة ليس فقط لأولئك الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي في مرحلة الطفولة بأنفسهم، ولكن أيضًا لأحبائهم والمجتمع ككل، وبالتالي يجب علينا جميعًا أن نفعل ما في وسعنا لمنع الاعتداء الجنسي قبل حدوثه، وتقديم الدعم والخدمات لأولئك الذين عانوا بالفعل الاعتداء الجنسي.

لا تترد في طلب المساعدة، فعلاجك لن يكون في “ترند” على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يجب أن تعرف أن طرق العلاج والمساندة الحقيقية هي عند أهل الاختصاص، و ليس كل ما ينتشر عند الغرب صالح للانتشار عند مجتمعنا الإسلامي العربي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫40 تعليقات

  1. جزاك الله خيرا على هذه الاضاءة المهمة وهذا الانذار في اذان الناس على قضية مهمة ارجو من الجميع أن يكون لديه الوعي والنضوج ليضيء على قضايا مختبئة تعذب الكثيرين وليس هناك جرس يدق .مع كامل محبتي واحترامي.مهند الشريف

    1. شكرا لك وعلي مرورك أستاذ مهند واجبنا تسليط الأقلام علي قضايا تهم الجميع وخاصة في ظل الانفتاح على العالم مع التطور التكنولوجي

    2. متمنية لك المزيد من النجاح و التقدم و التوفيق في مجال عملك وتسليط الضوء على العديد من القضايا التي تخدم مجتمعنا و دائما في ترقب أعمالك و كتاباتك…

        1. مقال جميل يحكي عن واقعنا وما وصلنا إليه من تفاهات… مشكورة على هذه التوعية الجميلة

  2. بالتوفيق ياحبيبتي تستأهلين كل خير ربنا يجعلك في تقدم دائم وازدهار😘😘😍😍❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤

  3. موضوع مهم وجريء جدا شكرا الكاتبه المتألقة أمل النعيمي على طرح هذا الموضوع وبطريقة مختلفه.

  4. اضاءة مهمة . تدلل على أهمية الوعي بما يدور من حولنا
    وتمنيت خاتمة للمقال أعمق وأقرب
    عبدالرحمن الخضيري

  5. جزاكِ الله خير علي طرح هذا الموضوع لانه توسع بشكل كبيرررر في مجتمعنا العربي حيث ان المظلوم اصبح الظالم مع انه الضحيه شكرا علي إسلوبك الرائع

  6. موضوع حساس ومرعب ومهم ، أعتقد أن المجتمع العربي يمارس جريمة أسوأ من الاعتداء الجنسي نفسه ، وهي جريمة الصمت والتستر على هكذا فعل ، فالمواجهة هي الحل الأمثل خاصة للطفل ، والعقوبة العلنية للمعتدي هي رادع لمن يفكر في الاعتداء مستقبلاً … في تقديري أن هذا الموضوع من أهم ما تم طرحه هنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى