Uncategorized

توحد المترجم والكاتب.. “صاحب الإنسانية” وترجمة عامر السامرائي أنموذجًا

د. أحمد الزبيدي
عامر السامرائي

الحقُّ أقول: أنني –الآن-في هذه المرحلة من عمري، لست من هواة قراءة القصص القصيرة، أو الروايات في شيء، فما أنفقه فيها من وقت، وما أزجيه فيها من فراغ، مضنون عندي، شحيح لدي،وأجدى عندي إفناؤه في ألوان أخرى من ألوان الثقافة والفكر والأدب، فذلك أعوَد علي بالمتعة واللذة، وأرجى للفائدة، وأصارح القارئَ الكريم بأن بعض القصص والروايات مسكونة بشيء من الجاذبية والفن والسحر، فهي تسحر أعين القراء، وتأخذ بقلوبهم ، فما أن يدنو القارئ منها قليلًا حتى يتدلى منها كثيرًا، ولا غرو في ذلك فإن “من يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه”، فما أن يقع القارئ  في شباكها حتى يذهل عن نفسه ، ويُعزلُ عن ذهنه، فيلج فيها، ويعيش مع شخصياتها، ويحيا مع أبطالها، يسرُّ لسرورهم، ويحزن لحزنهم، وينفعل لانفعالاتهم، فلا يصحو إلا ويجد نفسه وقد أبعد النجعة، لذلك كله، حرصت على اجتناب هذه الكتب، فالسلامة لا يعدها شيء.

من هذا النوع الأخير قصة”صاحب الإنسانية” للأديب المجري الشاعر الكبير دَجو كوستولاني، الذي ولد في قرية “زباتكا” الهادئة في جنوب المجر؛ وترعرع في صخب “بودابست”، وتلقى فيها دراسته الجامعية، وكان مبدأ شغله في الصحافة؛و كان في أثناء ذلك يسعى بجد في تثقيف نفسه، فيكثر من قراءة القصص والروايات، مما شجعه على كتابة بعضها ، وقرض الشعر؛ فكان له من ذلك ترجمة مقطوعات خالدة في شعر شكسبير، وموليير، وموباسان، وفلده، وغيرهم من الشعراء الذين تفرقوا في بلاد الله، وتكلموا بألسنة أهاليها. ولعل أجود مؤلفات كوستولاني قصته الرائعة بعنوان :”الشاعر الدموي”، وفيها تحدث  عن عصر  آخر أباطرة الامبراطوريه الرومانيه “نيرون” المشهور بحرق روما، أما في مجال الشعر فقد نجح في ترقيق المسائل المعقدة في أجمل الأساليب وأرقها، وهو بهذا المعنى شاعر مجدد، صدر له عدد من المجموعات : “بين جدران أربعة” 1907، “أنين طفل” 1910، “السحر” 1912، “أخي” 1915، “بوبي” 1916، “الخبز والنبيذ” 1920، “أنين رجل محزون” 1921، العارية “1927 وغيرها، وقد ترجم معظمها إلى الإنجليزية.

ونترك الحديث عن هذه القصص لنتحدث عن قصة”صاحب الإنسانية”موضوع مقالنا، ولكن قبل ذلك من العدل والإنصاف أن نلم بشيء عن القطب الثاني في مقالنا، مترجم هذه القصة، الأستاذ  عامر كامل السامرائي، الذي اختار لنا هذه القصة القصيرة من مجموعة قصص كثيرة ليعبر عن عقله، ويدل على ذوقه ونظرته في الحياة، فكأنما أراد أن يقول للقراء لا تغرنكم الشعارات، ولا تلفتنكم الأقنعة، فالمواقف هي المحك الحقيقي للإنسان، والتجارب هي الفاحصة والكاشفة والفاضحة التي تفضح النفاق والزور والإفك والبهتان. أقبل الأستاذ السامرائي على دراسة اللغة المجرية دراسة عميقة مستفيضة، وقرأ من آدابها واستقى من شعرها، ما شاء الله له أن يقرأ ويستقي، وتمرس في أساليبها وأسرارها حتى مرن عليها وغدا واحدًا من أبنائها، حتى إذا أينع وأخرج شطأه، واستغلظ واستوى على سوقه خاض غمار الترجمة، وسبر غورها، فأنتج ذلك أعمالًا كبيرة في ميزان الأدب العالمي، شعرًا ونثر ، وذلك باللغتين؛ المجرية والانجليزية، ولعل باكورة أعماله – في ما أظن-كانت مجموعة:”فنجان من القهوة المرة”، وعلى الرغم مما يستشعره الشارب من مرارة القهوة ، إلا أن السامرائي بحلاوة أسلوبه، وطلاوة طرحه جعل القهوة حلوة لذيذة طيبة، ثم اتجه الأستاذ إلى ترجمة مئة قصيدة من الشعر المجري، فوفق فيها أيما توفيق ، كما ترجم للشاعر اليوناني “يانيس ريتسوس”معزوفته الموسيقية  الشهيرة :”صغيرة على السلم الأحمر – دو”. وليت مترجمنا ينهض لإكمال ما بدأه من  مشروع ترجمة”ريتسوس”، فيترجم لنا سائر أعماله؛ مثل : قصيدته الشهيرة “أبيتافيوس” التي تخلد ذكرى الأحداث دامية، وكتاب”نشيد أختي”، وكتابه “سيمفونية الربيع” ليته يفعل، وما ذلك بصعب عليه.

هنا يصل بنا المقام لنتحدث عن القصة، “صاحب الإنسانية”هذه الشخصية النمطية التي تعيش في مجتمعنا وبين أظهرنا، بل تعيش في معظم المجتمعات بغض النظر عن دينها وجنسها، ذلك إنها شخصية تتصرف غريزيا، بعيدة عن “مهذبات الأخلاق والشعور والسلوك  والإنسانية،تلك الشخصية التي جمعت كل الأمراض الإنسانية مجتمعة، البخل، والحرص، والنفاق، والادعاء، والكبر، وفوق ذلك تلك الرذيلة الكبرى التي تقتل كل الفضائل-إن وجدت” الإنسانية، إنها رذيلة الكذب والتزوير في كل شيء، ولعل أخطرها ؛تزوير الحقائق وإلباس الباطل ثوب الحق وتجميله بالزور والكذب والنفاق، فعلى الرغم من أن الأديب كوستلوني صوَّر “صاحب الإنسانية” بصورة كوميدية، تستجلب الضحك،وتزيل الهم والغم، إلا أنه -كما يقول المتنبي- ضحك كالبكا، فهو حينئذ ضحك يجلب الغم، ويزيد الهم، ويضيِّق الصدر، ويملأ القلب كآبة وحزنًا، و”صاحب الإنسانية” يتقن الكلام، ويجيد التلون، ويحترف التزوير ولبس الأقنعة، ولكن سرعان ما يفتضح أمره،ويبين سره، ويظهر زيفه، وتسقط كل الأقنعة تباعًا.

من المستكره على القارئ أن يعيد ما قرأه أكثر من مرة لأن الإنسان بطبعه ملول، فهو دائمًا يتوق للجديد،ويبحث عن التغيير،غير أنه مع هذه القصة مختلف جدًا، فعلى صغرها واختصارها اختزلت في طياتها معاني عظيمة، قد تجدها في من حولك، ويعيشون معك، لذا فإن مقاومة قراءتها مثنى وثلاث ورباع من الصعوبة بمكان ، وربما السب في ذلك يعود إلى المؤلف والمترجم معا،والمترجم أحسن الله إليه كان موفقًا جدًا في اختيارات العبارات، ومسددًا في انتقاء الكلمات، وهذا إن دل على أمريم أولهما أنه يدل على تمكن واقتدار وملكة وطول باع في اللغتين؛ المجرية والعربية على السواء، وثانيهما ما يشبه  حالة توحد المترجم والكاتب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. مرة أخرى مع مقال جديد للدكتور الزبيدي..
    نتعرف على أدباء جدد، ومترجمين جدد، ومؤلفات جدد..
    فلله درك يا دكتور أحمد

  2. صباح الخيريا دكتور”
    كما عودتنا دائما بأسلوبك الشيق الرقيق جعلتني أحب الكاتب والمترجم والشخصية على كل مساوئها
    وان احاول ان أصل للقصة وأقرأها انا من بعد عن القراءه
    مشكور على الجهد المتواصل
    وللأمام دائما

  3. ماشاء الله توظيف رائع للكلمات في جذب القارئ وتحليل المحتوى
    دمت بخير دكتورنا الرائع ودام قلمك ودامت مقالاتك الجميله التي ننتظرها باستمرار 🙂🙂🙂

  4. تقديم جميل لأحد الاعلام التي لا يعرف عنها العامة
    والتي تستحق ان يلقى الإشادة والتقدير علي ما يقدمه للقارئ العربي مقابل زبد الأدب المنتقي

    1. لقد اثار الدكتور الزبيدي شجوني لبراعة أسلوبه وسعة اطلاعه وروعة تعبيره، إنه دون ان يقصد، قد وقف بي عند مصراع اللغة المجريةً، الذي لم يلجه هو ولا ولجته، ولم يدع لي بدا من التعبير عن تجربتي الشخصية، فلم أتعلم من المجرية كلمة واحدة برغم زيارتي القصيرة جدا للمجر منذ ١٥ عاما، تلك اللغة اللتي تجبرك على لفظ حروف التاء والسين والشين معا كحرف واحد والتى تزيد هجائيتها اثناعشر حرفا عن الإنجليزية لتكون اقل من الأربعين بحرفين فقط، ومن عجبها انها لا تحوي أياً من Q و X وY وZ.
      لا أزال اتذكر كم وددت ان اعبر عيونهم وأغوص في مشاعرهم، أولئك المجريين الذين قابلتهم هناك، لأتعرف على شيء من ثقافتهم وقد لمست من عاصمتهم ان لهم مجدا تنساق لأن تسبره وتخبره، ومن فرط شجوني كتبت أبياتاً عن المجر لا ترقي للشعر فلست بشاعر وقلت:
      بعد أن لمّ جناحه السفر
      عن بلاد الرمل تلك والهجير
      كان لي حُلمٌٌ هناك في المجر
      لا تقاربهُ رُؤى نوم القرير
      الي ان قلت:
      كاد يكسوني النعاس بردةً
      من صفاء نبعها ذاك الأثير
      تزيحها الجفون في أوج السهر
      عن مقلتين جمرتين كالسعير
      لتستزيد من تلذذ النظر
      إلي بساطٍ أخضرٍ كاسٍ وثير….
      لقد دعتني مقالتك الجميلة يا دكتور ان اغترف شيئا من زبدة الادب المجري لانك عودتنا في مقالاتك ان نقف بنا على بعد خطوة واحدة من الزبدة، تشويقا وتتويقا بنا لما تصوره لنا من لذة تلك الزبدة، ومن المفارقة ان لإسمك “الزبيدي” منها كل النصيب، فلعلك تنادي ولعلنا نجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى