مقالات

             ألوذ بابتسامته.. جهينة العوام      –      الإمارات

جهينة العوام

في ميلاده السابع وحده يمتلك مفاتيح الروح كلها، هو الذي ما يزال يمرر لي الصبح من خلال أصابعه ويستدرج الموسيقى بإتقان لمدرجها ، ويغمز للأغاني أن تنفلت من مقاماتها، وهوالوحيد القادر على إقناعي بأن الفوضى هي الشكل الأجمل للمنزل. عن سبق إصرار أتواطأ معه ، ننصب خيمتنا على عجل ونخفي فيها حُرْجًا (حرْشًا) من البلوط والصنوبر، نقتبس شلالًا ينثر غيمًا وشمسًا سخية الملامح وحلمًا مرتجلًا ندعوه على الفور للعبتنا.

لم أعرف قبله أن للروح بابًا مشرعًا للأحفاد يدخلونه فيتصاعد الضوء والغفران و(الولدنة) وأن لهم حضورًا طاغيًا ينافس الأقلام والمحابر، وبهاءً يغفر ما تقدم من مقالب وما تأخر. لم أتوقع  أن تصير الرياضة طقسًا يوميًا كي تجاري طاقتهم، مخافة ان يستثنوك من دعواتهم المفتوحة للعب، أو خططهم غير المعتادة في التعبير عن مكانتك لديهم، لذا عليك أن تكون على أهبة الشغف في انتظار إشارة منهم لمجاراة مكامن الدهشة. تدافع ضمنيًا عن طفولتك ،عن جزء كبير من روحك التي طحنتها العولمة والغربة والمسافات.

لجدتي في ذاكرتي ركن غارق بالزينة والفرح والحنين وحكايات، وجهها هو العيد الحاضن لطفولتي، أما كارليتو فهو من ألوذ بابتسامته من شر المبهمات.

ما أزال أباهي حتى اليوم بأن كارليتو خصني بمرافقته الى الحمام كي أشهد الحدث الاستثنائي بأنه استغنى عن الحفاضات ، الأطفال لا يكذبون ، من هنا تحديدًا تختبر شكلًا فريدًا للحب،  ولوحاً مكتوبًا في زوايا الروح لا يكتشف إلا في حضورهم ، فتحاول أن تحشر في أرشيف ذاكرتك كل كلماتهم وحركاتهم التي تشير إليك ، تفرح بانتصاراتك المصيرية حين تكون الرقم واحد على لائحة  من يحبون، ولا تخفي ابتسامتك الشريرة  للمطبات التي تكلف الآخرين سحب الثقة منهم تبعًا لمقياس ريختر العاطفي لحفيدك الذي تخاف ان يهتز لأحد غيرك.

الأنانية في حب الأحفاد مشروعة ، تندرج تحت ذلك ممارسة كل الألعاب  بما فيها فقاعات الصابون والكرات الصغيرة الملونة والقفز على السرير، وصولًا إلى عمل مقالب بالآخرين. على جميع أفراد المنزل أن يتفهموا ذلك عن اقتناع تام وطيب خاطر، ولا داعي لأن يتقدم أي أحد بشكوى ، الشكاوى غير مقبولة سلفًا وأي اعتراض هو رهن بايجاز الحفيد والجدة حصرًا.

قبل شهور قليلة زار كارليتو حديقة الحيوانات ، وفجأة بدأ ينادي على بطة كانت تنزوي بعيدًا في البحيرة :جوجو، جوجو ، تعالي، وبدأ يرش لها الطعام كي تقترب، فتعاطف معه جميع الزوار وبدورهم بدؤوا ينادون للبطة: جوجو، جوجو، فاقتربت ابنتي وزوجها من كارليتو ليستفسروا عن السبب الذي جعله ينادي البطة باسمي

فقال: البطة تشبه جوجو، فضحكت ابنتي وأخبروني القصة كما ارسلوا صورة البطة، للأمانة البطة شخصية وجميلة، وأنا كنت في غاية السعادة لأني خطرت بباله عندما شاهد البطة، فالاحتمالات في الحدبقة كثيرة.

كارليتو لا أجد كلمات تليق بكل هذا الجمال الذي أضفته إلى حياتي بحبك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. موضوع جميل ينبض بالشفافية والانسانية.
    كل التقدير للكاتبة
    وكل الاحترام لهذا المنبر الجميل الراقي..

    1. شكرا لك.. دائما ما يكون للحديث عن الطفولة نكهة خاصة وعوالم تفيض بالفرح والبساطة والحنين.. كامل تقديري لحضرتك

  2. طفل اتمنى العالم والكون مجموعة اطفال تلعب لعبا بريئا دون حسيب او رقيب او عقاب تعلمنا من هذه الشاعرية الجميلة للاديبة ان الحياة ممكنة والجمال ممكن .شكرا للعاشقة الكاتبة وللطفل الذي بداخلها .وكل الحب لصفحات استاذ وائل المليئة بالحب والثقافة مع كامل محبتي واحترامي وتقديري.مهند الشريف

    1. اعتقد ان لجدتي الفضل الاكبر.. لقد علمتني كيف ابقي ذلك الجزء الاجمل مني بعيدا عن العبث والزيف.. لقدكان حضنها اوسع من ديزني لاند وخطواتها التي لم تدوس مرة على عشب او نعنع.. احترمت كل الكائنات التي حولها مهما صغرت وعرفت قبل زمن طويل ان العيب ليس في نقص الجمال بل في قلة الرائين… كل التقدير لك والسكر موصول للاستاذ وائل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى