Uncategorized

تأملات (2) د. داود سليمان      –      النمسا

د. داود سليمان

1- نشأة الأجسام المادية للكائنات الحية على سطح الأرض

 2- آيات الخَلْق (خَلْق آدم عليه السلام) كمثال لخَلق الكائنات الحَيَّة.

تحدثنا في الحلقة السابقة عما أمكننا استشرافه من توجيهات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها في ما يختص بالدور الذي لعبته موجات البرق، وهطول الأمطار الغزيرة من السٌّحُب الرُّكامية في نشأة المواد الكيميائية العضوية الابتدائية التي سوف تتحول بفعل العوامل الجوية، التي سادت على سطح الكرة الأرضية عبر مراحل زمنية متعاقبة ومتباينة من حيث سيادة أنواع مختلفة ومتباينة من الظروف البيئية إلى مركبات كيميائية حيوية معقدةً لبناء الجسم المادي للكائن الحي (الكائنات الحية، بصورة شاملة): “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم، مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (الأنعام: ٣٨).

وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن الدور الذي لعبته التغيرات الجوية وما أحدثته في خليط المواد الكيميائية تلك، بدءاً بحالة التراب، ثم بالحالات الطينية التي ذكرتها الآيات، وذلك بهدف التَّعَرُّف على الدَّور الذي لعبته الحالات المتعاقبة لخليط المركبات العضوية البسيطة بالتراب والماء حيث ينشأ الطين، في عملية تجهيز المواد الكيميائية العضوية الحيوية، لتصبح مكونات مناسبة لنشأة/لبناء جسم الكائن الحي.

لقد جاء ذكر الحالات التي خُلق منها أو نَشأ منها جسم الكائن الحي (كمثال لذلك آدم عليه السلام) في العديد من الآيات القرآنية، نذكر منها ما يلي:-

١- “قَالَ لَهُ، صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ …..” (الكهف: ٣٧)؛

٢- “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ، فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ..” (الحج: ٥)

٣ – “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ..”

 (الروم: ٢٠)

هذه الآيات الثلاث تُذَكِّر المرء بأن مراحل نشأة مكونات بناء الجسم المادي للكائن الحي، كانت بدايةً نتيجة امتزاج المكونات الكيميائية بسيطة التركيب بالتراب، والمثير للانتباه أن تُذْكَر هذه الحالة بثلاث آيات فقط في القرآن العظيم. فماذا يستفاد من ذلك؟!

ثم تنتقل الآيات للتحدث عن المراحل المتعاقبة التي مَرَّ بها خليط تلك المركبات عندما امتزج التراب بالماء، ما أدى إلى نشأة مرحلة الخلق من الطين، في سلسلة عملية خلق الكائنات الحية.

١ – “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ… “

(السجدة: ٧)؛

2- “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ  وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”

(الأعراف: ١٢)

٣ – “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا، وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ،  ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ”

 (الأنعام: ٢)

  • “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا”

  • (الإسراء: ٦١)

  • إ”ِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰالِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍۢ” (ص: ٧١)

٦ – “قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ، خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” (ص: ٧٦)؛

والمثير للانتباه أن يأتي ذكر حالة الخلق من طين في ست آيات، لماذا؟ لا بد للمرء من أن يَتَفَكَّر في هذا الأمر !!

ثم تأتي الآية الكريمة: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ” (المؤمنون: ١٢)

 وهنا لا بد للمرء المُتَفَّكِّر المُتَدَبِّر لتوجيهات الآيات القرآنية وإرشاداتها، من التَّفكُّر ملياً في دلالة ما توجه إليه وترشد به تلك الآيات من أحداث تُجرى على خليط المواد الكيميائية التي اختبأت داخل الفجوات البنائية لحالات مادة الطين المختلفة والمتعاقبة، لتبدأ بعد ذلك مراحل التَّغَيُّر التي ستحدث في بناء مكوناتها الجزيئية باتجاه نشأة الجزيئات العضوية الحيوية معقدة البناء.عندئذٍ لا بد من أن يستنتج المرء أن البناء الهندسي، وبالتالي المحتوى المادي لحالات الطين يختلف عنه في حالة التراب، ولذلك جاءت الآية الكريمة التي تشير إلى ذلك “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ” لتؤكد على هذا المنحى لعملية الخلق، فدلالة عبارة “مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ” ليس كما يذكره العديد من مفسري هذه الآية. إنها تصف تسلسل التغيرات التي تحدث على محتوى الطين من المواد الكيميائية عَبر مسيرة حالات عملية الخلق، ليتَدبَّر المرء ما يجري من تغيرات على خليط المواد الكيميائية داخل الفجوات البنائية لكل حالة من حالات وجود الطين التي تصفها الآيات التالية:-

١-“فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا، إِنَّا خَلَقْنَاهُم  مِّن طِينٍ لَّازِبٍ”

 (الصافات: ١١)،

  • “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ”

  • (الحجر: ٢٦)،

٣- “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ” (الحجر: ٢٨).

نأتي الآن إلى استشراف الإجابة على الأسئلة التي عرضناها لكل مرحلة من مراحل الخلق التي اشتملت على:-

ثلاث آيات “مِّن تُرَابٍ”،

ست آيات “مِن طِينٍ”،

وآية واحدة أشارت إلى تفصيل حالات الخلق من سلالة من طين، باعتبار أن تلك الحالات تُعَبِّر عن تسلسل عملية الخلق، التي انتقلت من حالة التراب إلى حالة الطين العادي (امتزاج التراب بالماء)، فمراحل الخلق التي عَبَّرَت عنها الآية: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ”.

والآن، على المرء المؤمن بقوامة توجيهات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة “فَكُلُّ مُيَسَّر لما خُلِقَ لَهُ”، أن يَتَفَكَّر ملياً في ما توجه إليه هذه الآيات وترشد به من إشارات وتوجيهات علمية موضوعية، في ما يتعلق بعملية خلق الكائنات الحية، بكافة أنواعها وأصنافها، على سطح الكرة الأرضية، آخذاً بعين الاعتبار الأسئلة التالية، لهدايته وتمكينه من فهم تلك التوجيهات والإرشادات،

لماذا تكرر ذِكر الآيات التي جاءت فيها عبارة الخَلق على النحو التالي:-

١- “مِّن تُرَابٍ”، ثلاث مرات؛

٢- “مِن طِينٍ” ست مرات؛

وجاء ذكر الخلق في حالات محددة من الطين، على النحو التالي:-

* مرحلة الطين اللازب، ذُكرت مرة واحدة؛

** مرحلة الحمأ المسنون، ذكرت مرتين؛

* مرحلة الصلصال الذي كالفخار، ذكرت مرتين؛

باعتبار أن لفظة “سلالة من طين” التي وردت في آية “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ”، ما هي إلا توجيه لتسلسل وجود حالات الطين الذي احتضن في جوفه المركبات الكيميائية، أثناء تعرضها للتغيرات الجوية البيئية المختلفة على سطح كوكب الأرض، ما أدى إلى حدوث التحولات البنائية في كينونة تلك المُركبات باتجاه إيجاد المواد الكيميائية العضوية الحيوية اللازمة لبناء جسم الكائن العضوي الذي ستُنفَخ فيه الروح بإذن الله، ليصبح كائناً حياً؛ فكيف نفهم ذلك؟

من المُسَلَّم به عقلانياً، أن يكون سطح الكرة الأرضية التي نشأت من تجمع الغبار نتيجة الفتق/الانفجار العظيم، حال تجمده عبارة عن كتلة صخرية صماء، تلك الكتلة الصخرية، لا شك في أنها كانت ذات درجة حرارة مرتفعة جداً، ما يؤدي إلى إيجاد حدثين بيئيين مهمين:-

* إعادة تَبَخُّر زخات المياه الساقطة على سطحها، ما يؤدي إلى خفض درجة حرارة السطح، وإحداث تشققات وتَفَتَّت في الطبقة السطحية لتلك الكتلة الصخرية، وبالتالي نشأة التُّراب.

** تَجَمُّع المُركبات الكيميائية بسيطة البناء التي جلبتها تلك الأمطار من جوف السحب الركامية، في بُقَعٍ متناثرة على سطح الأرض.

ولا شك، في أن غالبية تلك المُركبات قد تعرضت لتأثير عاملين فيزيائيين قويين هما:-

١- الحرارة المرتفعة على سطح الأرض؛

٢- محتوى أشعة الشمس من الأشعة فوق البنفسجية بكافة أطوالها؛ لأن الغلاف الغازي بمحتواه من غاز الأوزون (O3) الذي جعله الله مُوَكَّلاً لامتصاص الأشعة فوق البنفسجية قصيرة الطول الموجي المدمرة للمواد العضوية، لم يكن قد تَكَوَّن آنذاك، فعملت الحرارة المرتفعة على احتراق المواد العضوية الأولية التي نشأت على سطح الكرة الأرضية في المناطق الخالية من المسطحات المائية، إضافة إلى ذلك، أدى تَعَرُّض غالبية تلك المركبات لتأثير الأشعة فوق البنفسجية قصيرة الطول الموجي إلى إعادة تفكك غالبيتها مرة أخرى إلى عناصرها الأولية، وبذلك كانت التجمعات المائية في ما يعرف بالبِرك، والأنهار، والبحيرات، والبحار، والمحيطات المائية الملاذ الآمن لما نَجَى من المواد العضوية من تأثير الحرارة المرتفعة والأشعة فوق البنفسجية، وبذلك نفهم لماذا جاءت الآية الكريمة: “:أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلَا يُؤْمِنُونَ”

 (الأنبياء: ٣٠)

 بهذه الصياغة التي ربطت شطرها الأول المُعَبِّر عن حادثة الفتق/الانفجار العظيم لرَتْق السماوات والأرض: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا، فَفَتَقْنَاهُمَا”، بشطرها الثاني الذي يؤكد أن نشأة الكائنات الحية كانت بداية في الأوساط المائية: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”، قد عَجِزَ عن فهم توجيهات هذه الآية، والأحاديث النبوية الشريفة “فَكُلُّ مُيَسَّر لما خُلِقَ لَهُ”، وإرشاداتها، الكثير من مفسري آيات الذكر الحكيم، قديما وحديثاً.

عودة إلى تتبع الأحداث التي سادت على سطح الأرض وفي غلافها الجوي في الأزمنة السحيقة لوجودها كوكباً سياراً ضمن المجموعة الشمسية التابعة لمجرة درب التبانة، أو طريق الحليب، وأدت تلك الأحداث إلى أن يكون هذا الكوكب موطناً لبعت الحياة على سطحه، بإرادة الله سبحانة وتعالى ووفق مشيئته.

ولفهم الكيفية التي اتخذتها مسيرة تطور تلك الأحداث بالاتجاه الذي أدى إلى إعداد سطح كوكب الأرض، وغلافها الجوي، ليحظى هذا الكوكب بتلك الإرادة الإلهية “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

(البقرة: ٣٠)

 ينبغي على المرء ملاحظة ما يلي:-

أولاً: ما هي الحالة التي وجد عليها كوكب الأرض في المدار الخاص به ضمن المجموعة الشمسية التي تنتمي لمجرة درب التبانة، أو طريق الحليب؟

وثانياً: كيف نشأ الغلاف الغازي المحيط بالكرة الأرضية، من غازي الأكسجين والنيتروجين، لضمان بقاء الأحياء على سطحه؟

في بداية نشأة كوكب الأرض ضمن المجموعة الشمسية كان كوكب الأرض عبارة عن عجينة من تَجَمُّع جسيمات الغبار الكوني، غليظة القوام، يحتوي جوفها العديد من الغازات الكيميائية إضافة إلى كميات هائلة من الماء. وسرعان ما اتخذت تلك العجينة، بإرادة الله ووفق مشيئته، الشكل البيضاوي: “أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ، بَنَاهَا؛ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا؛ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا؛ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا؛ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا؛ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا؛ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

 (النازعات: ٢٧ – ٣٣)

 وتَصَلَّب سطحها، مع بقاء جوفها في الحالة السائلة؛ وأعقب ذلك تفجر البراكين لتَنْفُث ملايين الأطنان من الحمم البركانية المنصهرة، والغازات التي تضمنت الأنواع التي ذكرناها في الحلقة السابقة. وعندئذ أصبحت الكرة الأرضية:-

١- تسبح في جوف غلاف غازي من بخار الماء والغازات البركانية، طبقاته العلوية تَكَثَّفَ فيها البخار متحولاً إلى قطرات المطر الذي انهمر بغزارة ليضرب سطح الأرض الذي يشبه كرة من المواد الصلبة شديدة الحرارة، ما يؤدي إلى إعادة تبخر المياه الساقطة، وانخفاض في درجة حرارة ذلك السطح، وإحداث تشققات وتَفَتُّت طبقته السطحية. ومع استمرار عمليات البخر للمياه الساقطة من الجو فوق سطح الأرض، وصعود بخار الماء إلى الأجواء المُغَلِّفَة لسطح كوكب الأرض، ثم تَكَثُّف تلك الأبخرة وإرجاعها أمطاراً غزيرة لتصطدم بسطح الأرض الساخن، وتكرار هذه العملية على مدى ملايين السنين، بل مئات الملايين من السنين قد أدى إلى تواصل فقدان سطح الأرض للحرارة، وتواصل إحداث تكسير وتفتيت قشرته السطحية، حيث نتج عن ذلك الفعل تكون مناطق رملية، ومناطق ترابية بمكونات كيميائية متعددة ومتباينة، إضافة إلى المناطق الجبلية.

٢- ما أن انخفضت درجة حرارة سطح الأرض بما يسمح ببقاء الأمطار الساقطة عليه في حالة السيولة، أخذت تلك المياه تنجرف إلى المناطق المنخفضة مكونة جداول وأنهاراً وبحاراً ومحيطات مائية، وحَمَلت معها المُركبات الكيميائية البسيطة التي جلبتها الأمطار من جوف الغيوم الركامية.

٣- آنذاك، كانت أشعة الشمس فوق البنفسجية تضرب سطح الأرض بكثافة، وبلا هوادة دون وجود مُكَوِّن الغلاف الجوي، غاز الأوزون، القادر على امتصاص تلك الأشعة، وبالتالي منعها من تحطيم تلك المركبات العضوية على سطح الأرض.

٤- كيف نشأ الغلاف الجوي الغازي الملامس لسطح كوكب الأرض؟

إن فعل/تأثير موجات البرق لم يقتصر على تنشيط الجزيئات الغازية للمواد الكيميائية (غاز النشادر/الأمونيا، وغاز الميثات، وغاز كبريتيد الهيدروجين،  وغاز ثنائي أكسيد الكربون) التي تضمنتها الغازات البركانية وبخار الماء، في جوف السُّحب الركامية، لتنشأ منها المواد الكيميائية البسيطة، بل إن تأثير تلك الموجات، بما تمثله من عملية تفريغ كهربائي، وما تحدثه من ارتفاع شديد لدرجة الحرارة، إضافة إلى فِعل الأشعة فوق البنفسجية في طيف الأشعه الشمسية، قد عملا معاً على تفكيك جزيئات بخار الماء إلى عنصري الأكسجين، والهيدروجين؛ وكذلك الأمر قد حدث لجزيئات غاز الأمونيا (النشادر) المنطلق ضمن مجموعة الغازات البركانية التي تفككت إلى عنصري الهيدروجين والنيتروجين. ونظر لقلة ثقل/وزن جزيئات الهيدروجين، فقد ارتفعت إلى طبقات الجوية العليا فوق سطح الأرض؛ أما جزيئات غاز الأكسجين، وجزيئات غاز النيتروجين فقد استقرت في طبقات الجو الدنيا الملامس لسطح الأرض. ومع تواصل موجات البرق، وشدة الأشعة فوق البنفسجية على تفكيك بخار الماء، وغاز الأمونيا، تزايد باضطراد تركيز غازي الأكسجين والنيتروجين في طبقات الجو فوق سطح الأرض.

٥- عندما تزايد وجود غاز الأكسجين في الجو فوق سطح الأرض، حدث أن نشأت منه بفعل الأشعة فوق البنفسجية طبقة غاز الأوزون (O3)، وأصبح جزءٌ منه ذائباً في مياه التجمعات المائية، والجزء الآخر بقي غازاً طليقاً في الغلاف الجوي الملامس لسطح الأرض. وبهذه الكيفية بدأت مرحلة إعداد سطح الأرض والجو الغازي المحيط بها، لاحتواء المُركبات العضوية التي تنشأ في جوف السُّحُب الرُّكامية، وعلى سطح الأرض، في جوف التجمعات المائية، حيث تجد الحماية من تأثير موجات البرق، والأشعة فوق البنفسجية.

٦- على أن التقلبات التي شهدها سطح الكرة الأرضية، وما زال يشهدها في مناطقه المختلفة، بين تَبادل حالات الرطوبة وتجمع المياة، وحالات الجفاف واختفاء المسطحات المائية التي تُعَبِّر عنها توجيهات الآيات القرآنية التي جاء فيها تفصيل حالات وجود الطين، من حالة الوجود الطبيعي بسيطة التركيب، ومروراً بحالات:-

أل- طِينٍ لَّازِبٍ ؛ وحالة أل- صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. هذه الحالات لوجود الطين اللازب، والصلصال، والحمأ المسنون، لم يأتِ ذكرها جزافاً، فلكل منها مهمتها التي ينبغي عليها تأديتها لتمكين نشأة الأجسام المادية لمختلف الكيانات التي سَتُنْفَخُ فيها الروح من الله الخالق لتُصبح كائنات حية.

للحديث بقية بإذن الله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. موضوع علمي دقيق وانت د. داوود بارع في هذا المجال وحسب اطلاعي كلام منطقي عقلاني حكيم ومقال حساس في كبد الحقيقة نحن من متابعيك ونتطلع للمزيد ونحن بشوق لبقية السلسلة اجدت وابدعت جزاك الله خيرا مع كامل محبتي واحترامي وتقديري.مهند الشريف

    1. أخي مهند،،
      أحييك، وأشكرك، وأعدك بمواصلة تقديم ما يفيد من المعرفة المستندة على عمق التَّفَكُّر والتَّدَبُّر في توجيهات الآيات القرانية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها لكي يدرك المرء أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم في كافة مجالات المعرفة التي يحتاجها المرء لتستقيم أمور حياته، وتحتاجها الأمم للارتقاء في مصاف الإبداع بكل ما يتضمنه من عناصر.

  2. ارجو ان تكتمل الصورة وينجز هذا العمل كبحث علمي دقيق يقدم للجامعات وهذه امنيتي عليك د.داود سليمان لانه بحث قيم وثمين وثر مع خالص دعائي لك بالتوفيق من الله تحياتي .مهند الشريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى