مقالات

“المرتزق رقم (9) ” لسميحة التميمي رواية ناضجة تعددت جمالياتها قراءة نقدية: د.محمد بن عبد الله بن حسين الشدوي*

د. محمد بن عبدالله الشدوي

 

 سميحة التميمي

 

لا أدري وأنا أقرأ رواية “المرتزق رقم (9 ) من نورس الماجد إلى بهيجة العربي” للروائية العربية الأردنية الدكتورة سميحة التميمي كيف انتابني شعور ينفث في روعي بأن هذه الرواية تختلف عن غيرها من الروايات في الأعمال السردية العربية ، وذلك من وجهين :
االوجه الأول : هذه الرواية بأحداثها وأشخاصها وأفكارها ، وما تحمله من أحاسيس ومشاعر عند أشخاص الرواية هي في الأصل تمر من ذات واحدة تحمل كل هذه المتضادات من حرب وسلام ، وحب وكره ، إلى غير ذلك من المقابلات التي تحملها ذات واحدة هي ذات الكاتبة ، وما تلك الأشخاص والأحداث إلا انعكاس لذات محتدمة عايشت كثيرًا من الأحداث والثقافات ، وارتحلت هنا وهناك مسجلة ما يحتدم في صدور البشر ، وما يمكن أن تعبر عنه السطور في العمل السردي الذي يمثل فيلمًا طويلاً من شريط الحياة .
االوجه الثاني : هذه الرواية عمل ضخم يقف عليه الناقد وهو في حيرة من أمره، حيث تغلبه نفسه الناقدة إلى :
النقد السياقي القائم على استعمال وتوظيف نظريات المعرفة الإنسانية لمحاورة النص والانطلاق منه إلى خارجه ، وفي هذا النقد السياقي مناهج عدة تستدعيها الرواية ، ومن أبرزها : المنهج التاريخي ، والاجتماعي والنفسي ، والأخلاقي .
النقد النصي أو النسقي : وهو نشاط يحكم إغلاق الباب في وجه السياق ، ويلج النص من داخله ، ويجعله بنية مكتفية بذاتها ، وكذا مدى تأثير النص على المتلقي ، ونجد فيه مناهج منها : البنيوية ، والتفكيكية ، وجمالية التلقي لدى المتلقي وجعله يشارك في بناء النص .
وفي ضوء ذلك الشعور الغريب قررت أن أنظر إلى الرواية نظرة نقدية تحوي كل ما تقدم ذكره في طريقة تكاملية يمكن أن أجمع من خلالها ما يمكن جمعه من جماليات هذه الرواية الناضجة ، بل والرواية التي اتخذت من بين الروايات العربية مكانًا قصيًّا في دائرة الإبداع السردي.
ومن تلك الجماليات ما يلي :
#غلاف الرواية قبل الولوج إلى قراءتها يعطي فضاء واسعًا ، وسيميائيةً غير اللسانية تستحضر في الذهن العلامات البصرية والسمعية والشمية واللمسية والذوقية ، وإشارية وأيقونية تجعلنا نستحضر لوحة الحرب بما تحمله من ظلم وقهر ودمار ، بل إني لأجد رائحة الدم المراق لتلك الأرواح البريئة هنا وهناك ، قامت على أشلائها أجسام المحاربين المرتزقة ، وخلفت وراءها سلامًا مذبوحًا ، وأرواحًا منفطرة من جور الظلم ، وفقد الأحباب ، ومفارقة الأهل والديار ، وانعكاسات كل ذلك على اللوحة الضد التي تمثل الأمن والسلام ، وكأن غلاف الرواية لافتة لإعلان ضخم يفتح نافذة على أحداث الرواية مما يجعل الرواية مرشحة لتكون فيلمًا سينمائيًّا ذا دينامية حركية مستمرة في أحداثها وأشخاصها .
#اللغة العالية في تعبيرها وتصويرها حتى لكأن القارئ لا يقرأ بل ينظر من نافذة مطلة على أحداث الرواية وأشخاصها مثل : ما زال أمام الباب بحر فهل تجيد العوم ؟ وقولها : … وتحسسنا الندوب وأخفيناها واستأمنا عليها دماءنا … إلخ .
عرضت الرواية بلغة شعرية حالات الإنسان المتأرجحة ( عاشق – حبيب – محارب – مقهور …. ) إنها حالات النفس الإنسانية التي تتناوب عليها التغيرات كلما دخلت ظرفًا جديدًا من ظروف الحياة .في مثل : وأنت الذي خذلتني حين حرضت الغيوم السود عليَّ ومتَّ
احتوت الرواية رؤى فلسفية عميقة متنوعة المصادر العقدية والثقافية فمثلاً جاء الرقم (9) الذي يشير في الثقافتين الهندية والصينية إلى المحبة والتعاطف ، وفي الثقافة الإسلامية ورد في الرواية عنبر رقم (9) وكأنه يتضمن ” السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ” ، وفي قولها :” الليلة لا قمر ” مفهوم مرتبط بالفلسفة الشرقية، حيث يشير إلى الانقياد الكلي والقبول بما يعج به الزمان من تصاريفه ، وما نملك إلا الصبر إذا فقدنا القدرة على التغيير ، وقولها : ” كنت وحدي أعلم أن دافعك للعزلة هو التعبد والاتصال بالعقل الذي يقود إلى الله ” ص: 130، كما أن كاتبة الرواية تحمل تجربة في الحياة جعلتها تصدر كتاباتها بالحكمة في مثل قولها : ” العقل عدو الإيمان ، الحروب لا تُهدى وكذلك الموت ، وفي مثل هذه الحكمة باب واسع للدخول إلى رؤية الكاتبة في الحياة وفي الحرب وويلاتها .
الرواية تزخر بالثنائيات العجيبة ( الحرب – السلام – الغنى – الفقر – الحب – الكره – الوطن – التشرد ) ومثل هذه الثنائيات يجعل العمل السردي في حركية دائبة ، وتنامٍ فريد .
الرواية تعرض حياة المحاربين المرتزقة الذين يتقون الجوع بالموت في مشهد مأساوي يعكس قضية إنسانية كبرى على مستوى العالم برمته .
تمتاز الرواية بالتصوير البلاغي الحسي في مثل : هؤلاء الذين زرعوا خُطاهم في الأرض فتنبت العشب من جديد ، وهاهي الحرب تقتل النساء وأفراخ الحمام والكهول والشباب ”
التصوير الساخر في مثل :” فيا ابن الأحرار الموشح بالتبغ ، والانتصارات الباهتة ، والمخاضات العسيرة ” ص7
تميز البناء الفني للرواية بميله إلى التمثيل والحوار الداخلي ، والانثيال الوجداني الذي يكشف لنا شاعرية الكاتبة ، فهي إلى كونها كاتبة رواية شاعرة وظفت شاعريتها في العمل السردي أيضًا، حيث تصوير الأحداث وتخييلها في أسلوب فني جميل زاوج بين تجليات الفكر وانفعال الشعور في ثنائية عجيبة تتساقى في ترتيب فكري تصويري عجيب تجعل القارئ والمتلقي يتفاعل مع ذلك التكوين اللغوي المثير الذي يحمل في طياته المعاني والدلالات التي تم ترتيبها وتنظيمها في تفاعل كبير بين القوى الكبرى داخل كل إنسان ( العقل – القلب – النفس ) وكلما خرج الخطاب اللغوي من خلال تلك القوى المتساقية كان خطابًا بليغًا ومؤثرًا يخاطب العقل والعاطفة معًا .
كشفت لنا هذه الرواية أن بلاغة الرواية تتمثل في دينامية التشكيل لجميع عناصرها ، فالنص الروائي من هذه الزاوية يعد وحدةً واحدة ، أو جملة واحدة لها طولها المقصود ؛ ويدخل في هذه الدينامية ما عُرف في الدراسات النقدية من : النمو ، والحوار ، والتناسل ، والصراع ، والحركة ، والسير ، والانسجام ، وهذه الأمور نقلت من حيِّز الدرس الفيزيائي إلى حقل الدرس الأدبي ، وبنقلها إلى هذا الميدان الأدبي ؛ فقد دبّت الحركة في طبيعة الدرس التحليلي بصفة خاصة ، والرؤية البلاغية في وظائفها تجمع كل هذه العمليات الصانعة لبيولوجية النص ، والرابطة لعناصره ، وبهذا تكون البلاغة في الرواية هي كل عناصر الدينامية (كل آليات التعبير التشكيلي) فهي على ذلك تقنية لها خصوصية إبداعية ، تقوم على أسس ووحدات يوظفها الكاتب برؤاه بما يحقق حركية السرد وصناعة الخطاب .
وفي الختام أؤكد ما ذكرته آنفًا بأن سميحة التميمي روائية وشاعرة تحمل ثقافة إنسانية واسعة في الفلسفات والمعتقدات والرؤى والثقافات المتمازجة بين أمة وأخرى ، في مثل قولها : ” هناك مثل أوغندي يقول : زئير الأسد لا يكفي لقتل الفريسة ” ص : 128 ، وهذا بحد ذاته يجعل الأعمال الإبداعية ناضجة وتنبض بمشاعر وأحاسيس الإنسانية جمعاء.
————-
*أستاذ في جامعة “الباحة” في المملكة العربية السعودية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى