مقالات

تأملات (4) د. داود سليمان – النمسا

د. داود سليمان

 

نشأة الأجسام المادية للكائنات الحية على سطح الأرض

 لماذا تعددت الآيات في الحديث عن خَلْق الإنسان (كمثال لخَلق الكائنات الحَيَّة) من طين بحالاته المتعددة التي ذكرتها الآيات؟

ذكرنا في الحلقة السابقة أن المتأمل في توجيهات الآيات القرانية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها عليه أن يُولي أهمية خاصة للفقرة: ” …ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ … من الآية (المؤمنون: ١٤)”.

بالطبع لم تأت هذه الفقرة من الآية جزافاً أو من دون مغزى توجيهي وإرشادي؛ ولذلك يحق للمرء أن يتساءل: ما الذي تُرشد به، وتوجه إليه تلك الفقرة التي جاءت في سياق تسلسل عملية خلق الإنسان من طين، وكيف للمرء المتأمل بموضوعية في توجيهات الآيات القرانية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها أن يدرك الدلالات العلمية الموضوعية لهذه الفقرة في إطار تسلسل عملية خلق الإنسان من طين باعتباره أحد مكونات المملكة الحيوانية؟!

وقبل الإجابة على هذا السؤال، أود التوجيه إلى أن الآيات جاء فيها العبارة أن الخلق “كان من طين”، وليس “من الطين”، وبذلك يجب أن يدرك المرء أن الطين كان الوسط الذي تمت بداخله العمليات الكيميائية المختلفة والمتعاقبة التي نشأت منها المكونات الكيميائية العضوية الأساسية المطلوبة لبناء أجسام الكائنات الحيَّة.

للإجابة على السؤال الذي طرحناه آنفاً، ينبغي على المرء استحضار المراحل التي مرت بها عملية الخَلق من طين، ابتداءً من نشأة المركبات الكيميائية بسيطة التركيب من خليط الغازات البركانية، وصولاً إلى المركبات الأكثر تعقيداً التي نشأت عبر حالات وجود الطين المتعددة والمتتابعة التي أشرنا إليها سابقاً، فباعتقادنا أن تلك العملية قد تضمنت الخطوات/الحالات التالية:

١- نشأة المواد الكيميائية بسيطة التركيب المادي والبنائي/الهيكلي في جوف السحب الركامية

٢- جلب الأمطار لتلك المواد لتختلط بداية بتراب الأرض

٣- امتزاج التراب الذي احتوى تلك المواد على سطح الأرض بالمياه، لتبدأ سلسلة مراحل الوجود في حالات الطين المختلفة، والمتتابعة التي ذكرتها الآيات، نتيجة تعرض الطين ومحتوياته من المواد الكيميائية للتغيرات الجوية المتقلبة بين الرطوبة والجفاف، ما أدى إلى حدوث العديد من التفاعلات الكيميائية في ما بينها.

٤- بانتهاء سلسلة التفاعلات الكيميائية التي خضعت لها المركبات الأولية بسيطة التركيب المادي والبناء الهيكلي، ظهرت المواد الكيميائية معقدة التركيب المادي، والبناء الهندسي/الهيكلي، التي تشتمل على المركبات الأساسية لنشأة/لبناء الأجسام المادية للكائنات؛ تلك الأجسام التي ستُنْفخ فيها الروح من الله الخالق سبحانه وتعالى، لتصبح كائنات حَيَّة. تشمل المركبات الأساسية لبناء الأجسام المادية للكائنات الحَيَّة، المواد التالية:

أ- القواعد الأساسية، وهي:

أ-١ الأدينين Adenine التي يرمز لها بالحرف (A)

أ-٢ والسيتوزين Cytosine التي يرمز لها بالحرف (C)

أ-٣ والجوانين Guanine التي يرمز لها بالرمز  (G)

أ-٤ والثايمين Thymine التي يرمز لها بالحرف (T)}

ب- المواد الكربوهيدراتية (كالسكريات التي منها سكر الريبوز، والنشويات، والسيليولوز)

ج- الأحماض العضوية التي تحتوي مجموعة الكربوكسيل (COOH-)، وهي الأساس لبناء الزيوت والدهون

د- الأحماض الأمينية التي تحتوي مجموعتي الأمين (NH2-) والكربوكسيل (COOH-)، وهي الأساس لبناء المواد البروتينية (اللحم). وجميع هذه المواد تنشأ نتيجة تتابع التفاعلات الكيميائية الموجَّهة بإرادة الله ووفق مشيئته، بين مكونات خليط الغازات البركانية في جوف الغيوم/السُّحب الركامية بفعل موجات البرق.

و- مجموعة الفوسفات (PO4) التي تُعد الأساس لبناء العظام. والجدير بالملاحة أن مجموعة الفوسفات يتم الحصول عليها من حامض الفوسفوريك (H3PO4) الذي ينشأ نتيجة تفاعل حامض الكبريتيك مع حجر فوسفات الكالسيوم الموجود في تربة الأرض. وقد يتساءل المرء: من أين، أو كيف نشأ حامض الكبريتيك؟ والجواب هو: إن خليط الغازات البركانية يحتوي غاز كبريتيد الهيدروجين (H2S) يتأكسد بسهولة ، ويتحول إلى أكسيد الكبريت التي منها ثلاثي أكسيد الكبريت (SO3)، وهذا بدورة يتحد مع الماء مكوناً حامض الكبريتيك(H2SO4).

يتضح من ذلك أهمية تعدد الأوساط الطينية، وكذلك تعدد انتقال الوسط الطيني بمحتوياته من المواد الكيميائية عبر الحالات الوجودية التي أشارت إليها الآيات القرآنية، هو ما يقدم التفسير العلمي الموضوعي لتعدد أنواع الطين، وتنوع سلسلة حالاته الوجودية.

تُشكل القواعد الأساسية الأربعة، ومجموعة الفوسفات، ومجموعة سكر الريبوز العمود الفقري لبناء ضفيرة ما يعرف بالحامض النووي الذي يُعَبَّر عنه بالأحرف: DNA في الخلية؛ وهو مركب كيميائي ذو بناء هيكلي/هندسي على هيئة ضفيرة مزدوجة الجديلة (وكل جديلة عبارة عن خيط ينشأ من تتابع اتحاد القواعد الأساسية، ومجموعة الفوسفات، ومجموعة سكر الريبوز، بكيفية تؤدي إلى أن تنشأ جديلتا شريط الضفيرة على أبعاد متساوية)؛ ويتركز الحامض النووي في أنوية خلايا الجسم؛ وهو المركب الذي يحتفظ بآلية انتقال الصفات الوراثية للكائن الحي عبر أجياله المتعاقبة، لكونه الفرشة التي تنشأ عليها جزيئات البروتين بتسلسل فريد ومعجز، لبناء جسم الكائن الحي لكل مخلوق بحيث يتخلف بناؤه عن غيره، حتى لو كان صنوه (أي توأمين صنوين من الأفراد).

٥- عندما تنشأ مكونات الخلية، التي تشمل الحامض النووي، ومجموعة الأحماض الأمينية، (عشرون حامض أميني متباينة التركيب العنصري والبناء الهيكلي)، والأحماض الكربوكسيلية، يتم تجميع تلك المواد ضمن إطار غشاء بروتيني شبه نَفَّاذ مُكَوِّناً ما يعرف بخلية النُّطفة. هذا التصور لنشأة النطفة الابتدائية لعملية الخَلق، باستطاعة المرء استشرافه من الآيات (١٢ – ١٤) من سورة المؤمنون. وعند هذا الحد من نشأة النُّطَْفة (أو النُّطَفْ متباينة المحتوى الكيميائي)، تنفخ فيها الروح من الله الخالق سبحانه وتعالى، متحولةً إلى الخلايا الابتدائية لمختلف الكائنات الحية للمملكة الحيوانية ومملكة الطيور.

لقد أشرنا سالفاً إلى أن المرء المتأمل في توجيهات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها عليه أن يتوقف متأملاً ومتفكراً بعمق في ما توجه إليه وترشد به عبارة ” ….. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ…..” بالنسبة لخلق الإنسان بالانتقال من مرحلة خَلْقٍ معينة إلى التي تليها عبر سلالة الطين، كما تنص الآية الكريمة. ولذا نرى أنه من وجهة النظر الموضوعية العلمية، فإن الآية تؤكد على أن عملية الخَلق، لكافة أحياء المملكة الحيوانية ومملكة الطيور، تتخذ مساراً واحداً لغاية الوصول إلى مرحلة الانتهاء من كسوة العظام باللحم، وعند هذا الحد لعملية خلق هاتين المملكتين، تأخذ تلك العملية مساراً آخرَ خاصاً لمواصلة عملية خلق الإنسان بصفة خاصة. هذا التصور لمسار عملية خلق أصل المملكة الحيوانية (بكل تنوعاتها)، وأصل مملكة الطيور (بكل تنوعاتها) يقودنا كذلك إلى فهم ما توجه به وترشد إليه الآية الكريمة: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم، مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (الأنعام: ٣٨)”.

والسؤال الآن: لماذا اقتصرت الآية على ذكر الدواب (باعتبارها تمثل المملكة الحيوانية بكل أنواعها )، والطيور ، (باعتبارها تمثل مملكة الطيور بكل أنواعها) ولم تذكر المملكة النباتية؟؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد للمرء من التَّعَرُّف على مسار تطور الأحداث البيئية على سطح كوكب الأرض منذ نشأته، لتمكين الإنسان من البقاء حياً إلى أن يرث ألله الأرض ومن عليها.

وقبل الخوض في محاولة التَّعَرُّف على الكيفية التي تطورت بها الأحداث/الظروف البيئية على سطح كوكب الأرض، لتصبح تلك البيئة ملائمة لمتطلبات بقاء الكائنات الحية باختلاف أنواعها، وممارسة الأنشطة الحيوية المختلفة التي يتطلبها بقاؤها، إلى أن يرث ألله الأرض ومن عليها، لا بُدَّ من الإشارة إلى ما يعرف “بمبدأ الهندسة العكسية”؛ هذا المبدأ الذي قد أثبت فاعليته في ما يعرف بعملية حرق المراحل في مجال التطور الصناعي والتقني للشعوب التي أحسنت تطبيقه، حيث يَتِم بواسطته استحداث منتج جديد (أو منتجات جديدة)، بأقل تكلفة مادية، وفي أقصر مدة زمنية ممكنة، وذلك إذا ما استطاع المرء الحصول على نموذجٍ قائمٍ للمنتج الذي يريده. عندئذ، ما على المرء إلا القيام بتفكيك ذلك المنتج إلى مكونات بنائه الابتدائية، والتَّعَرُّف على المواصفات الفنية لمكونات النموذج الأصلي، ومن ثَمَّ إعداد المخططات الهندسية الدقيقة لمواصفات كافة مكونات النموذج المراد إنتاجه على نمط النموذج الأصلي؛ يلي ذلك، القيام ذاتياً بإنتاج مكونات مشابهة لتلك المكونات، وإعادة تركيبها بالكيفية التي تحاكي النموذج القائم (الأصلي) للمنتج المطلوب تصنيعه. بهذه الآلية المحكمة لتطبيق مبدأ الهندسة العكسية، تمكنت شعوب ما يعرف بالنمور الآسيوية استحداث القاعدة التقنية لديها بأقصر مدة زمنية، وبأقل تكلفة مادية، مما مكنها من حرق مراحل التطور التقني، واللحاق بالشعوب التي سبقتها.

لقد ذكرت هذا المثال لمنهجية الهندسة العكسية، كتمهيد للحديث عن المسار الذي سلكه تطور الأحداث البيئية على سطح كوكب الأرض، وتهيئته للمحافظة على ممارسة الأحياء التي سَتُخْلق على سطحه، باختلاف أنواعها، وأنشطتها الحياتية المتنوعة. وهذا الأمر يعني بالنسبة لمسألة تسلسل خلق الأحياء على سطح كوكب الأرض، أن ننظر إلى الحالة التي عليها الظروف البيئية الراهنة التي تتيح لمختلف أنواع الكائنات الحية على سطح كوكب الأرض ممارسة العمليات الحيوية للإبقاء على حيويتها؛ ومن ثَمَّ العودة إلى استشراف إمكانية وجود كل عنصر من تلك العناصر، عبر تغير الظروف البيئية لتلبية متطلبات بقاء الأحياء. وبناءً على هذه المنهجية بإمكان المرء القول (أو توقع، أو تصور) الكيفية التي تغيرت/تبدلت بها طبيعة المكونات البيئية على سطح الأرض عبر العصور المتعاقبة، منذ نشأة الأرض كأحد كواكب المجموعة الشمسية لمجرة درب التبانة (أو طريق الحليب/اللبن)، وصولاً إلى حالة كونها قد أختيرت من لدن الله الخالق، سبحانه وتعالى، لاحتضان كافة مظاهر الحياة الحالية، بكل مكوناتها العنصرية، “المملكة الحيوانية، ومملكة الطيور، والمملكة النباتية”، وبما يحفظ لها إمكان العيش لعمارة الأرض حتى تأخذ الأرض زخرفها وتتزين؟!

عندما نقوم بتحليل/فحص الظروف البيئية السائدة على سطح الأرض حالياً، ونستحضر منهجية “الهندسة العكسية” سنجد أن صلاحية تلك الظروف لحياة كافة الأنواع من الأحياء، على سطح الأرض، تتمثل في توافر ما يلي:

١- الغلاف الغازي بمحتوياته من الغازات التي تساعد على عملية التنفس (غاز الأكسجين)، وتُحد من إمكانية اشتعال الحرائق (غاز النيتروجين)، وتقليص الآثار المدمرة للأشعة الشمسية فوق البنفسجية(غاز الأوزون).

٢- الغلاف المائي الذي يقدم بيئة العيش للأحياء البحرية، ويضمن استمرارية دورة الماء المتمثلة في عمليات تبخر المياه بما يؤدي إلى نشأة الغيوم، ثم عودتها إلى الحالة السائلة، تتساقط أمطاراً غزيرة على سطح الأرض.

٣- الغلاف النباتي الذي يعمل على إعداد الغذاء من العناصر الكيميائية البسيطة، لأفراد المملكة الحيوانية بكل مكوناتها، وضمان الإبقاء على حالة التوازن بين مكونات الغلاف الغازي، من غازي الأكسجين والنيتروجين، بالنسب المطلوبة لاستمرار المحافظة على ظروف بقاء المملكة الحيوانية، والنباتية معاً.

إن الحالة التي استقر عليها توافر هذه المتطلبات للظروف البيئية على سطح كوكب الأرض، قد نتجت من خلال مجموعة أحداث بيئية كونية تضمنتها عملية التطور التي جرت على تلك الظروف، وفق ما تشير إليه الآية القرآنية: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (القمر: ٤٩)، والحديث النبوي الشريف: ” ……. فَكُلُّ مُيَسَّر لما خُلِقَ لَهُ”.

وذلك منذ أن اتخذ كوكب الأرض مساراً محدداً له ضمن إطار المجموعة الشمسية في مجرة درب التبانة (طريق اللبن)، وصولاً إلى المرحلة التي بدأت بها عملية خلق الإنسان.

لقد أسفرت تلك العملية (عملية تطور الظروف البيئية) على سطح كوكب الأرض عن سيادة الحالة البيئية التي جاء وصفها في الآية القرآنية الكريمة: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (السجدة: ٧)”. والسؤال الآن، ما هي الخطوات التي سلكتها عملية تطورت الظروف البيئية للوصول إلى تلك الحالة النموذجية التي سادت على سطح كوكب الأرض، لتبدأ عندئذٍ عملية خلق الإنسان ولماذا يحدث ذلك؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الحلقات القادمة بإذن الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى