إبداعات

“فتاة الحبق” قصة قصيرة  كنانة عيسى      –      الإمارات

 كنانة عيسى

في المرة الأولى التي رأيتها فيها راعني جمالها، جمال أعشقه، ظننته يسري فيَّ لوهلة، ذلك الفستان الأبيض، الشعر الكحلي المنسدل، تلك النعومة الرقيقة،العينان السوداوان الكحيلتان وكرزة صغيرة نبتت في موضع اللثم، مطْرقةً تحت غلالةً شفيفة، وأنا المدان بذاكرتي،  والمعطوب بنصف جسد ونصف روح، تائه بين الوجوه، لمَ اغترف قلبي حدة حزنها كشربة ماء؟ وكأنني ما سقيت منذ الولادة، عائد من حرب لا يذكر فيها خسائره ولا أين أضاع قلبه، ولا أين دفن ذاكرته.

جلست في الصف الأخير وحيداً ، لم يعرفني أحد، قيل لي: عرس سناء وأيهم، وقيل لي: هذا ابن خالتك وهذه جارتكم. كانت سناء تبكي.. طوال الوقت وكان أيهم محشوًا بزيف مقيت مثير للغثيان،كرهت زهوه ودموعها، غادرت مبكرًا.. ولم أصافحهما..ولم أبارك  لهما كما فعل الآخرون، سحبت بقايا ذاكرتي المشوشة في وسط أهازيج مقيتة، بقدم  مقطوعة وذراع يتيمة وندب لا تتساقط عني بل تغوص في جلدي المشوه، تتكوم في روحي فتبطئ مسيري، نمت في سريري البارد بعد حفنة من المسكنات،غفوت وحزنها المعدي قد حل بي.

توقظني أمي ببكائها…

هل الوقت عصر أم مساء؟ ،

وأنا الذي لا أصدق أني ما زلت حياً، أرتبك أمام ألمها، أبحث عن عكازي، أرتجل هرولة لا أقدر عليها،

تقول لي شاهقة:

يا حسرة شبابها…سناء

ويرتعش قلبي

-من يا أمي..؟ من سناء.. ؟

وتعض على شفتها بحزن كأنها ترثيني أ نا

آخ عليك يا ولدي أنسيت… ؟

لم لا أذكر؟!

في المرة الثانية، رأيتها، في كفن ناصع يشبه ثوب زفافها ، لم يبد غير وجهها الجميل، وريقات حبق، نبتت من أنفها العاجي الدقيق.

(مسكينة قتلت نفسها)…

(   سم الفئران..تزيله. رائحة الحبق.

 ستر الله عليها.. لم تكن..

تلاشى اللغط من حولي

 ابتسمت لها، رغبت في تقبيلها على وجنتها، كما كنت أفعل..! لكن حزنها كان معديًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى