مقالات

تأملات (5) د. داود سليمان      –      النمسا

د. داود سليمان

مع مواصلة تتبع مسار تطور الأحداث البيئية على سطح كوكب الأرض منذ نشأته، إلى بداية ظهور الكائنات الحية، لا شك في أن العمليات/التغييرات البيئية التي تعرضت لها الكرة الأرضية في المراحل الأولى لنشأتها كأحد كواكب المجموعة الشمسية لمجرة درب التبانة، قد أحدثت في ما يُحيط بسطحها العديد من التغيرات التي أدت إلى تجهيزه (تجهيز سطح الأرض) لاستقبال بذرة الحياة ورعايتها عبر العصور الزمنية المتلاحقة ذات التَغيُّرات البيئية المختلفة، ولا شك في أن سطح الأرض قد تعرض لتأثير عاملين بيئيَيْن مهمين هما:-

أ – الأشعة الشمسية، (وبخاصة موجاتها فوق البنفسجية).

ب – موجات البرق التي كانت تحدث بكثافة في جوف الغيوم الركامية.

وإن تضافر تأثير (فعل) هذين العاملين، إضافة إلى هطول الأمطار الغزيرة من الغيوم الركامية، وبالتالي نشأة التجمعات المائية (جداول المياه، والأنهار، والبحيرات، والبحار، والمحيطات) قد أدى إلى إحداث العديد من التَغيًّرات البيئية/المناخية على سطح الأرض وفي غلافها الجوي، حيث قد جاءت نتيجة تلك الأحداث أن نشأت البيئة الصالحة لظهور بداية/أول الأحياء على سطح الأرض، متمثلة في البيئة النباتية التي هيأت إمكانية الحياة الكريمة لبني آدم بأن أوجدت له مصادر الأكل والشرب؛ كما يتضح من توجيهات الآيات القرآنية: “الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً  فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ” (البقرة: ٢٢)؛  “وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا، ……..”؛ “إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى”؛       ” وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى” (الأعراف: ١٩، ١١٨، ١١٩)؛ “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا”،  (البقرة: ٣٥).

إضافة إلى ذلك، إذا ما أمعن المرء المؤمن التأمل في ما توجه إليه، وترشد به الآيتان الكريمتان: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ………” (السجدة: ٧)؛ “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (القمر: ٤٩)، والحديث النبوي الشريف: ” …..، فَكُلُّ مُيَسَّر لما خُلِقَ لَهُ”؛ سوف يتضح له ويستقر في وعيه أن الأحداث البيئية التي تعرض لها سطح الأرض، وجوفها، وغلافها الجوي منذ نشأتها إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، كانت موجهة من قبل الله الخالق بدقة، بما يؤدي إلى تهيئة سطح هذا الكوكب التهيئة الملائمة لاحتضان الأرض لبني آدم الذين كرمهم الله على سائر مخلوقاته، واستودعهم عمارة الأرض، حتى تأخذ الأرض زخرفها وتَتَزَّيَن: “إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ”(يونس: ٢٤)؛ ” …….، وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ” (البقرة: ١٦٤).

إن المتطلبات الحياتية لبني آدم على سطح الأرض قد أصبحت معروفة بدقة، وهي تتضمن توافر ما يلي:-

١- الغلاف الغازي، بمكوناته المختلفة التي تضمن استمرار عملية التنفس لكافة المخلوقات الحية على سطح الأرض

٢- الغلاف المائي، الذي يقدم ما تحتاجه كافة الأحياء على سطح الأرض من المياه للأغراض الاستهلاكية، والبيئات المائية التي تخدم متطلبات استمرار الحياة الفاعلة (الإيجابية) لبني البشر

٣- الغلاف النباتي، الذي يضمن توافر المتطلبات الغذائية للمملكة الحيوانية، ومملكة الطيور، ويسهم بفاعلية في عملية حفظ التوازن الدقيق لمحتويات الغلاف الغازي، بما يؤدي إلى استمرار ظروف الحياة السليمة لكافة الأحياء على سطح كوكب الأرض، طالما لم يفسدها تصرف بني الإنسان “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم: ٤١).

ولكُل غلاف منها مواصفاته الخاصة التي تتضافر مع مواصفات الأغلفة الأخرى لإنتاج البيئة المناسبة للحياة عامة، واستمرارها على سطح الأرض، وذلك تأكيداً لما توجه إليه وترشد به الآية؛ “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى ضرورة التأمل بعمقٍ وتأنٍّ في ما يوجه إليه، ويرشد به مجيئ هاتين العبارتين سوياً في آية واحدة: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ”، “وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ”.

فالعديد من مفسري آيات الذكر الحكيم اعتبر (فَسَّرَ) العبارة الأولى من هذه الآية على أنها دلالة على حُسْنِ المظهر (أو حُسن الخِلقَة) لكل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى، وهذا التفسير ناتج، بلا شك، عن تركيز هؤلاء المفسرين على شرح الآيات القرانية لغوياً، وعدم تَبَيُّنْ التوجيه العلمي الموضوعي الذي ترشد إليه وتوجه به الآية، واستشراف دلالة مجيئ العبارتين في آية واحدة، الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أن التفسير العلمي الموضوعي لتوجيهات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها لا يُنْظَر إليه من قبل أولئك المفسرين المجتهدين؛ وهذا ما يجعلنا نرى أن عبارة: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ”، أن الله سبحانه وتعالى، برحمته قد هيأ لبني البشر الذي بدأ خلقهم من طين، كافة الظروف البيئية التي تحفظ لهم إمكان النشأة، والبقاء أحياءً لعمارة الأرض، قبل خلق أبيهم (آدم) وإيجاده على سطح هذا الكوكب، وذلك بأن أوجد الله سبحانه وتعالى على سطح الأرض كافة العناصر البيئية الملائمة (التي تتضمن وجود التربة الصالحة للزراعة لتقديم ما يحاجه من المواد الغذائية، وما يحيط به من غازات لعملية تنفسه، ووقاية بيئته)، كُلُّ ذلك ضمن إطار خطوات مسار عملية تطور الظروف البيئية على سطح كوكب الأرض، تلك الظروف التي تضمنت نشأة مكونات الغلاف الغازي، والغلاف المائي، والتربة الطينية الصالحة للزراعة بما يؤدي إلى نشأة الغلاف النباتي، لكي تتوافر كافة المقومات البيئية الملائمة لحياة بني البشر، وباقي الكائنات الحية الأخرى. فكيف حدث ذلك؟

لا شك في أن كوكب الأرض، إثر نشأته كأحد مكونات المجموعة الشمسية لمجرة درب التبانة (أو طريق الحليب/اللبن)، قد تعرض لتأثير حادثين بيئيين مهمين، عَمِلا سوياً على إعداد سطحه الإعداد الملائم، لتمكينه من تقديم مقومات كافة متطلبات استمرارية مظاهر الحياة على سطحه إلى أن يرث ألله سبحانه وتعالى، الأرض ومَنْ عليها، وذلك:-

* بتجهيز (إعداد) تربة سطح الأرض لتمكين المملكة النباتية من النمو، للإسهام في تقديم الغذاء للمملكتين (الحيوانية، والطيور)، والمحافظة على التوازن البيئي، بما يحفظ بقاء الحياة بكافة أنواعها، (النباتية، والحيوانية)

** تشكيل مكونات الطبقة الغازية المحيطة بسطح الأرض.

ولتحقيق هذين المطلبين كان لا بد من تعريض سطح الأرض لحادثين بيئيين رئيسين، يمكن رؤيتهما على النحو التالي:-

١- تَفَجُّر البراكين، التي قَذَفت على سطح كوكب الأرض الحمم الصخرية والغازات البركانية (بخار الماء، والمواد الكيميائية البسيطة).

لقد أدى هذا الحدث إلى بقاء سطح الأرض مُغَلَّفَة بغمامة كثيفة من الأبخرة والغازات البركانية أمداً طويلاً من الزمن، كانت الأرض خلاله تتعرض لموجات البرق الشديدة، حيث نشأت المواد الكيميائية المعقدة على سطحها، التي تكونت منها في ما بعد، أجسام الكائنات الحية وهي محمية من الأثر المدمر للأشعة الشمسية فوق البنفسيجية قصيرة الطول الموجي.

٢ – تَعَرُّض سطح الأرض لهطول الأمطار الغزيرة بشكل كثيف، كما تشير إلى ذلك توجيهات الآيات القرآنية: “وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ  مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ” (الأعراف: ٥٧) ؛ “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ” (النور: ٤٣)؛ “وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، كَذَٰلِكَ النُّشُورُ” (فاطر: ٩) ؛ الأمر الذي أدى إلى إنجاز عمليتين غاية في الأهمية لظهور أجسام الكائنات الحية، هما:-

١- جلب المركبات الكيميائية التي نشأت بفعل موجات البرق في جوف الغيوم الركامية لتتجمع على سطح الأرض

٢- العمل على تشقق الطبقة الصخرية السطحية للأرض وتفتيتها، لإيجاد المناطق الترابية؛ ومن ثَمَّ نشأت، في مناطق عديدة على سطح الأرض، الطبقة الطينية بحالاتها المختلفة عبر الحقب الزمنية المتعاقبة؛ تلك الطبقة التي احتضنت العمليات الكيميائية المختلفة لبناء المواد الكيميائية الحيوية التي نشأت منها أجسام الكائنات الحية؛ كما أدى تشقق الطبقة الصخرية لسطح الأرض وتفتتها إلى إيجاد الأرض الصالحة للزراعة، لتمكين بني البشر والأحياء الاخرى التي تتغذى على النباتات من الحصول على غذائها، كما تشير إلى ذلك الآيات القرآنية: “فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ؛ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا؛ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا؛ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا؛ وَعِنَبًا وَقَضْبًا؛ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا؛ وَحَدَائِقَ غُلْبًا؛ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا؛ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ” (عَبَسَ: ٢٤ – ٣٢).

أولاً: نشأة الغلاف المائي للكرة الأرضية

عندما يحاول المرء التَّعَرُّف على إسهامات الغلاف المائي لكوكب الأرض في نشأة الحياة على سطحه، عليه التأمل بروية، وعقلانية في توجيهات الآيات القرانية والأحاديث النبوية الشريفة وإرشاداتها ذات الصلة بهذا الغلاف، وبخاصة في ما يتعلق بالعناصر التالية:-

أ – ما هو مصدر المياه على سطح الأرض التي شكلت ذلك الغلاف، أي بمعنى من أين جاء الماء الذي شكل الغلاف المائي للأرض؟

ب – كيف أسهم الغلاف المائي في نشأة الحياة على سطح كوكب الأرض، وكيف يحافظ على استمراريتها؟

مصدر المياه على سطح الأرض ونشأة الغلاف المائي

لا شك في أن معرفة المصدر الحقيقي للماء على سطح كوكب الأرض ذو أهمية كبيرة، وتتطلب من المرء إعمال ملكة التفكير لديه للاستفادة من ما توجه إليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وترشد به من إشارات بينات ذات مدلول علمي يقيني، لتوضيح مصدر المياه التي شكلت الغلاف المائي لكوكب الأرض. فعندما يتفكر المرء في توجيهات الآيات القرآنية وإرشاداتها التي ذُكر فيها الماء، لا شك في أن الآيات التالية ستستحوذ على اهتمامه للتَّفَكُّر ملياً، في ما يتصل بنشأة الغلاف المائي للأرض:- “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الأنبياء: ٣٠). إن ورود هذه الآية بهذه الصيغة (بهذه التركيبة) التي يُذكرُ فيها تلازم نشأة السماوات والأرض مع جَعْلِ كُلِّ شيءٍ حَيٍّ من الماء نتيجة ذلك الفتق؛ وورود الآية: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” (هود: ٧)؛ لا شك في أن هذه الآيات تشير إلى أن الماء هو مادة الوجود الأولية التي حدث فيها الفتق (الانفجار العظيم) الذي ملأ الفضاء الكوني بمادة الدخان؛ “ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” (فصلت: ١١)، ومن ذلك الدخان الذي هو عبارة عن خليط من جسيمات دقيقة لمواد صلبة،  وغازات، وبخار ماء، نشأ كوكب الأرض كأحد كواكب المجموعة الشمسية لمجرة درب التبانة (أو درب اللبن/الحليب). ولذلك، بإمكان المرء القول بأن كمية الماء التي قدرها الله الخالق سبحانه وتعالى لتكون ضمن مكونات الكرة الأرضية، قد تحددت منذ بداية نشأة الأرض ككتلة هلامية القوام احتوت بجوفها كمية الماء التي قدرها الله؛ وما أن استقرت تلك الكتلة هلامية القوام في الموضع الذي حُدد لها من قبل خالقها الله سبحانه وتعالى، واتخاذها موضعاً محدداً لها ضمن إطار مدارات كواكب المجموعة الشمسية، ثم ما لبث سطحها أن تحول إلى طبقة صخرية (نتيجة فقدان سطحها جزءاً من حرارته، وبقاء جوفها بدرجة حرارة مرتفعة؛ وهذا الحدث لا بد أنه أدى إلى تقلص حجم كوكب الأرض، ما أدى إلى تنامي الضغط الداخلي للكرة الأرضية، الأمر الذي أدى إلى تفجر البراكن، وبالتالي تواصل عملية تقلص حجم كوكب الأرض: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” (الرعد: ٤١).

لقد أدى تفجر البراكين على سطحها إلى قذف ما بجوفها من خليط المواد الغازية والسائلة، مكونة بذلك مظاهر القشرة السطحية المتجمدة للأرض، والغلاف الغازي حولها. ولا شك في أن ذلك الغلاف كان يحتوي على الغازات البركانية المتعددة، إضافة إلى بخار الماء. وذلك البخار قد شكل الغيوم/السُّحُب الركامية التي علت سطح الأرض، وتسببت في إيجاد ظاهرة البرق الذي أحدث العديد من التفاعلات الكيميائية بين مكونات الغازات البركانية بجوف ذلك الغلاف الدخاني المحيط بسطح الأرض، ثم سرعان من تحول بخار الماء في ذلك الغلاف إلى أمطار منهمرة على سطح الأرض. وما أن انخفضت درجة حرارة ذلك السطح، بما يسمح ببقاء الأمطار المنهمرة في حالة السيولة، نشأت إثر ذلك الجداول والأنهار المتدفقة على سطح الأرض التي كوَّنت التجمعات/المسطحات المائية (الأنهار والبحيرات، ومن ثم البحار  والمحيطات)، حيث عملت تلك التجمعات المائية على إحياء الأرض بأن انتشرت على سطحها المملكة النباتية. “وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” النحل: ٦٥)؛ “…. وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” (البقرة: ١٦٤)؛ “وَلَئِن سَأَلْتَهُم  مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا” ……..(العنكبوت: ٦٣)؛ “……… وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” (الروم: ٢٤)؛ “وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ” (المؤمنون: ١٨).

لا شك في أن هذه الكمية من الماء المقدرة من قبل الله: “الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا” (الفرقان: ٢)، الذي تشير إليه آية (المؤمنون: ١٨) الماء الذي قد أنزله الله سبحانه وتعالى من السماء على هيئة أمطار، وأسكنه في الأرض، كان في الأصل بخار ماء، وأحد مكونات الدخان الكوني الذي صاحب عملية الفتق (الانفجار) العظيم الذي أحدثه الله سبحانه وتعالى في كينونة مادة الوجود الأولى للكون، ما أدى إلى ظهور الأجرام السماوية (التي من ضمنها كوكب الأرض)، موزعة في الفضاء الكوني على هيئة تجمعات كوكبية في ما يعرف بالمجرات ذات الأحجام، والأعداد المتفاوتة من مجموعات الكواكب والنجوم، منسقة على أبعاد كونية محددة في ما يعرف بالسماوات السبع.

وإثر نشأة الأرض ضمن كواكب المجموعة الشمسية كانت الأرض آنذاك عبارة عن كتلة مادية ليِّنَة كعجينة غليظة القوام، ثم تجمد سطحها مع بقائه، بدرجة حرارة مرتفعة جداً، ما أدى إلى انعدام وجود الماء السائل على سطحها، وبالتالي انعدام وجود البيئة الصالحة للكائنات الحية؛ ولذلك وُصِفَت الأرضُ في تلك المرحلة بأنها كانت مَيِّتَة، بمعنى لا حياة فيها/على سطحها؛ على أن ذلك لا ينفي أن الله سبحانه وتعالى قد أودع في جوف كوكب الأرض، منذ بداية نشأته، كمية الماء المقدرة له: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (القمر: ٤٩)، التي ستمكنه، ما دامت السماوات والأرض، من تقديم الماء لكل ما، ومَنْ يحتاجه من الأحياء على سطحه. وما أن قضت إرادة الله سبحانه وتعالى، ببعث مظاهر الحياة على سطح الأرض، كان لا بد من تهيئة سطحها وإعداده بالكيفية التي تجعله مناسباً لمتطلبات مختلف الأحياء، الأمر الذي تطلب إنزال الماء من تجمعات السحاب (الغيوم الكثيفة) من الغلاف الفضائي المحيط بها (السماء فوقها)، حيث تشير إلى ذلك توجيهات الآيات القرآنية وإرشاداتها: “وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا”؛ “أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا” (النازعات: ٣٠، ٣١).

ثانياً: نشأة الغلاف الغازي للكرة الأرضية، وما هي مكوناته الضرورية لبقاء الأحياء، ومن أين أتت تلك المكونات؟

لقد أصبح معروفاً حالياً أن الغلاف الغازي لكوكب الأرض يجب أن يحتوي بشكل رئيس على الغازات التالية: غاز الأكسجين (O2) بنسبة حوالي ٢١%، وغاز النيتروجين (N2) بنسبة حوالي ٧٩%. ولوقاية الأحياء على سطح الأرض من التأثير السلبي لأشعة الشمس فوق البنفسجية قصيرة الطول الموجي، يجب أن تكون هناك طبقة من غاز الأوزون (O3) محيطة بكوكب الأرض، لتَحْجُب تلك الأشعة  التي تَضُرُّ بالأحياء، من الوصول بتركيز مرتفع على سطح الأرض؛ فمن أين جاءت هذه الغازات؟

لقد ثبت علمياً أن خليط الغازات البركانية يحتوي، إضافة إلى بخار الماء، على الغازات التالية: غاز النشادر (الأمونيا NH3)، وغاز الميثان (CH4)، وغاز ثنائي أكسيد الكربون (CO2)؛ وغاز كبريتيد الهيدروجين  (H2S)، وأن تعريض خليط من الغازات مماثلاً لخليط الغازات البركانية، لتأثير عمليات التفريغ الكهربائي (التي تماثل موجات البرق) قد أنتج العديد من المركبات الكيميائية، إضافة إلى غازي الأكسجين (O2)، والنيتروجين (N2)؛ وبالتالي يمكن القول بأن تعريض خليط الغازات البركانية لتأثير موجات البرق (باعتبارها موجات/ومضات تفريع كهربائي)، فلا بد من أن ذلك قد أدى إلى إحداث العديد من التفاعلات الكيميائية التي أنتجت مختلف المركبات الكيميائية العضوية الحيوية، إضافة إلى نشوء طبقة الهواء التي تحتوي على غازي الأكسجين (O2)، والنيتروجين (N2) بداية. ومن المعلوم أيضاً أن غاز الأوزون (O3) ينتج من غاز الأكسجين عند تعرضه لتأثير موجات/ومضات البرق، التي تماثل التفريع الكهربائي. ومن توافر غاز الاكسجين، وتعرضه لموجات البرق نشأ غاز الأوزون الذي عمل على تشكيل طبقةً الأوزان المُغَلِّفَة لسطح الأرض؛ تلك الطبقة التي حجبت معظم أشعة الشمس فوق البنفسجية قصيرة الطول الموجي، ذات الآثار المدمرة للمركبات العضوية، التي ستنشأ منها، في ما بعد، أجسام الكائنات الحيَّة.

ثالثاً: نشأة الغلاف النباتي على سطح الأرض.

ما أن استقر وجود الماء السائل على سطح الأرض حتى أخذت مظاهر الحياة تدب عليه، بداية بظهور المملكة النباتية، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”، وكما يستشف من توجيهات الآيات القرآنية التالية وإرشاداتها: “وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ” (الأنعام: ٩٩)؛ “وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ” (يس: ٣٣) ؛ “سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنفُسِهِمْ، وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ” (يس: ٣٦)؛”هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً،  لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ” (النحل: ١٠)؛ “وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (النحل”: ٦٥)؛ “…… وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ “(طه: ٥٣)؛ “وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” (ق: ٧)؛ “وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ” (ق: ٩)؛ ……….، وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ، …….(البقرة: ٢٢)؛ “…….، وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ” (البقرة: ١٦٤)؛ ” ……، وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا  لَّكُمْ”(إبراهيم: ٣٢)؛ “……..، وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ” (النمل: ٦٠)؛ “أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا” …… (الرعد: ١٧)؛ “……، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ” (لقمان: ١٠)؛ “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا” (فاطر: ٢٧)؛ “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ  يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ” (الزمر: ٢١) ؛ “وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (النبأ: ١٤).

لا بد أن المرء المتأمل في توجيهات الآيات القرآنية وإرشاداتها سوف يستشف من توجيهات مجموع هذه الآيات وإرشاداتها أن المملكة النباتية هي أول مستوطني كوكب الأرض من الأحياء، وأن أول مكان لها كان في جوف المسطحات المائية، بعيداً عن تأثير الأشعة فوق البنفسجية قصيرة الطول الموجي المدمرة للمركبات الكيميائية الحيوية، ولم يكن هذا الأمر من دون إرادة الله سبحانه وتعالى، وتدبيره لجعل سطح الأرض صالحاً لكافة مظاهر الحياة.

 نشأة طبقة الأوزون (O3)

ما أن بدأت المملكة النباتية بعناصرها الأولية/البدائية تأخذ طريقها في النمو والتكاثر والارتقاء، من كائنات بسيطة إلى أشجار كثيفة، حتى بدأت عملية تَنَفُّس النباتات تأخذ طريقها لإنتاج غاز الأكسجين بغزارة على سطح الأرض، واستهلاك كميات كبيرة من غاز ثنائي أكسيد الكربون الذي تقذفه البراكين (في ما يعرف بعملية التمثيل الضوئي (أو التمثيل الكلوروفيلي)، وعملية تنفس الكائنات الحية الحيوانية، وصولاً إلى استتباب التوازن بين مكونات الغلاف الغازي للكرة الأرضية، لتصبح المعطيات البيئية على سطحها ملائمة لاستمرار الحياة بكافة عناصرها. وللحديث بقية بإذن الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى