مقالات

“هدهدة العمر”          إقبال صالح بانقا    –    الإمارات  

إقبال صالح بانقا

ينمو المرء منذ الطفولة وهو لا يعبأ بعمره،  ولا يحس بأنه يكبر أو أن العمر يمتد، وكيف يمتد لأنه أمر تلقأئي لا يرصده المرء ولا يراقبه بتعمد إلا إذا اعترضه عارض ما صحي أو حادث ما،عندها يقف  ليحمد أو ليدعو الله أيًا كان الأمر.

 بالطبع لا يحدث التغيير إلا من خلال الشكل الظاهر له و للعيان، ومن خلال نمو الفكر والعقل والمشاعر والأحاسيس وتنوعها  أو ارتيادها آفاقًا لم تتطرق النفس قبلًا لها، أوالخضوع لسنن الله في الكون والإنسان .

 كل ذلك والإنسان ليس لديه غير التوق والانكباب على مراغب النفس ومراميها، وصراع البقاء والفوز والظفر والنصر.

الأيام تجري والعمر بركض وهو في ذات المنوال ، قلما يستدرك  مقولة ( أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا) .

هذه ليست المعضلة، فكثير من الناس يهديهم الله إليه ويعملون على صيانة العمر، وإصلاح حاله مع تكالبهم على الدنيا، لكن جميع من امتد بهم العمر وسرى وهم في غفلة أو في يقظة، تجدهم يفطنون في مرحلة ما لاحقة إلى تبعات امتداد العمرالمتنامية ووهنه، وإلى أن اليد الخفية التي كانت تعمل على الإصلاح والترميم قد كفت أو هي في سبيلها، فتجئ مرحلة هدهدة العمر من خلال المرء نفسه وترويضه ليعينه على البقاء والعيش في ما تبقى له من عمر أو أيام ، فيتخلى عن الكثير مرغمًا حين يفطن إلى أن  الذاكرة تخف ، وتثقل الحركة، ويصعب الجلوس والقيام، وتقل الشهية والرغبات في متع الحياة والخروج، و ينحصر في أماكن محددة ومشاهد وأشخاص لا يتعدون أصابع اليد الواحده وجلهم أقرب الأقارب، ويقضي باقي العمر في إحصاء المكاسب والخسائر و الندم،  ويبدأ اليوم وينتهي في عناء رصد الحركة لصد الانزلاق والوقوع وصعوبة القيام والوقوف والجلوس ومشاكل الأكل والرغبة فيه ومكافحة الأمراض وتقلب الفصول والأجواء و تناول الأدوية وأعراضها الجانبية ورفضها أو قبولها وزيارة الأطباء و رصد الذاكرة وحصرها  وتوتر العلاقات بين من حولهم، و هم يحاولون جاهدين إرضاء الله ما استطاعوا من سبيل وبذلوا.

 يقضي كبار السن أيامهم الأخيرة في هدهدة العمر وترويضه، حيث  يستعصي الأمر عليهم وعلى من حولهم، وللأسف يحوم في مخيلتهم شبح الموت الجاثم أمامهم، والتقلب بين الخوف والرجاء من الله، وأنه لا بد ولا مناص ولا نكوص أو رجوع، ولله ألأمر من قبل ومن بعد فكل سالك ذاك الدرب شاء أم أبى.

وكما قيل في الأمثال: ( لو الموت خلاك الكُبرما بخليك)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى