مقالات

سيمياية الشخصية في قصص أمل وجيه ناصر إسماعيل الياسري*    –    لبنان

إسماعيل الياسري

 

أمل وجيه ناصر

 

أمل وجيه ناصر واحدة من الكاتبات اللبنانيات برزت على الساحة الأدبية اللبنانية، وتركت لها بصمة في الساحة الأدبية العربية من خلال كتابتها التي تنوعت بين الشعر والقصص القصيرة، إذ صدر لها أربعة دواوين شعرية ومجموعتان قصصيتان هما (حقيقة رجل) و(الحب المحرم) التي هي موضوع مقالتنا هذه ، فمن خلال قراءتي لمجموعتها القصصية (الحب المحرم) التي صدرت عن دارالحرف العربي للنشر والتوزيع، لفت انتباهي التنوع في شخصياتها والسمات المختلفة لكل شخصية مما يجعلها مادة للدراسة وفق المنهج السيميائي ، والذي يعد من المناهج النقدية الحديثة التي ظهرت على الساحة الأدبية، وحاولت دراسة النص الأدبي وتحليل محتوياته من خلال أسس جديدة تعتمد على ما في النص من علامات دالة، إذ سعت إلى تطوير طرائق منفتحة للقراءة، متخطية جدار اللغة ومنطلقة نحو تأسيس نظرية في علم الأدب من أجل دراسة النصوص الأدبية بوصفها أنظمة تخفي خلفها سيلًا من المعاني التي يجب دراستها وفك شفراتها، وتعد سميائية الشخصية هي أحد اقسام هذا المنهج، التي تركز على الشخصيات داخل النص الأدبي، وتقوم بتحليل هذه الشخصيات وفق العلامات الخاصة بكل شخصية من علامات جسمية ونفسية وبيئية واجتماعية خاصة بكل شخصية، وفك شفرتها وتأثيرها في مسار الأحداث في النص الأدبي،إذ حاول كثير من الكتاب والنقاد المشتغلين بالحقل السيميائي دراسة الشخصية سيميائيًا ومعرفة عناصرها المهمة واشتغالاتها ومسارها داخل الأحداث كعلامات مهمة في تحليل النص.

ومن خلال قراءتي لمجموعتها القصصية (الحب المحرم) لاحظت ماامتازت به شخصياتها الذكورية من حالة التشظي والتماهي، إذ يمكن أن نلاحظ التحولات التي تطرأ على الشخصية وفق المعطيات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تسلبها إرادتها وقدرتها على الصمود والمواجهة، إذ نلاحظ أن معظم الشخصيات تعاني من ضغوطات نفسية تفرضها الظروف التي تعيشها كل شخصية وحالة الاستلاب التي تتعرض لها من محيطها الداخلي والخارجي مما يجعلها تخلع أقنعتها عند المواجهة، فشخصية الأستاذ (مون بير) التي اتسمت بسمات مختلفة فهو طويل القامة ضخم الجثة ذو عينين جاحظتين ولحية كثة، وذات صوت جهوري رخيم  وشخصية عصامية حازمة ذات ملامح قاسية، لم يبتسم قط، إذ نجده في أول اختبار له يتخلى عن شخصيته المقنعة ليتحول إلى شخص آخر ينقاد إلى شهواته. كذلك شخصية سليم في قصة (الموعد الأخير) التي امتازت بالحنكة والدراية والعصامية، واشتهر بتجارته وقدرته على بناء نفسه بنفسه، فإن هذه الشخصية ما أن مرت بأزمة نفسية حتى تشظت و تحولت إلى شخصية أخرى متهورة  مدمنة على الشرب والملذات إذ أصبحت تشعر بحالة من الاغتراب ومحاولة الهروب من الواقع الذي تعيش فيه الى واقع خيالي، فخبر سماعه حالة العقم التي أصيب بها جعلت منه يتحول إلى شخصية هامشية محبطة في أول اختبار تتعرض له الشخصية: (كان يعود الى منزله ثملًا يترنح يمينًا وشمالًا من معاقرة الخمرة والانغماس في المجون ، وسعاد تلك المرأة الصبورة التي تحملت منه ما لاقدرة لأي امرأة على تتحمله كانت تستقبله مبتسمة وفي عينيها دموع سجينة اجتهدت في إخفائها حتى لاتجرح مشاعره وتزيد من لوعته) (الموعد الأخير70)، وكذلك الحال مع شخصية نديم في قصة القلب المحروق فهي شخصية انهزامية فشلت في أول اختبار لها    ( كان نديم شابًا عنيدًا دائم الثورة على الزمن، ولدى أول فشل تعرض له في تجارته عجز عن كبح حيويته الثائرة، فانكمش أمام سيلها العارم واستسلم لليأس والتشاؤم ولم يجد عزاء له في محنته غير الانغماس في شرب الخمر ولعب الميسرة)(القلب المحروق 105) وكذلك الحال مع باقي الشخصيات الأخرى كشخصية ( نزيه) في قصة (سخرية القدر) وشخصية وحيد في قصة (الحب الأعمى) وشخصية (صلاح) في قصة (انتقام على نار هادئة) فجميع هذه الشخصيات هي انهزامية تتحول وتتشظى في أول مواجهة لها مع الواقع ،أما الشخصيات الأنثوية في هذه القصص فنلاحظ أن الكاتبة قد انحازت إلى جنسها وجعلت منها شخصيات مضطهدة مظلومة يقع عليها الفعل ، لكنها تبقى قوية وفية مخلصة لزوجها وتحاول في شتى الطرق أن تحافظ على بيتها وأسرتها، وأنها ضحية تصرفات زوج طائش متهور لايحترم الحياة الزوجية والملاحظ أن المتن الحكائي في القصص قد بنى على نسقين نسق ذكوري مهزوز متسلط لا يفكر إلا بلذاته على حساب بيته وأسرته، ونسق أنثوي مهادن اتسم بالحكمة والاتزان، وقد وظفت الكاتبة النسق الأنثوي من أجل ترسيخ قيم الصدق والأمانة والإخلاص، وجعلت من نسائها مستلبات بسبب التسلط والهيمنة الذكورية، لكنها في الآخر تتمكن من تقويض وكشف زيف النسق المتسلط المهيمن، وتكون الغلبة للنسق الأنثوي الذي ينتصر لذاته.

ومن خلال ما تم طرحه يمكن القول إن المبنى السردي للقصص يدفع المتلقي إلى متابعة القراءة لما تحمله هذه القصص من حبكة وتواتر الأحداث وعنصر التشويق الذي يعطي لكل قصه نكهة خاصة.

_________________________________________

*دكتور في الأدب والنقد المسرحي

* مراجع “الحب المحرم، أمل وجيه ناصر، مجموعة قصصية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى