مقالات

“هاشمُ الثَّريد”  د. أحمد الزبيدي    –    الإمارات

د. أحد الزبيدي

 

عَمْرُو العُلا ‌هَشَمَ ‌الثَّريدَ ‌لِقَوْمِه

ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتونَ عِجافُ

يَعْنِي الشاعر بِعَمْرِو الْعُلَا هَاشِمًا.

     ذكرنا في مقال سابق أن غزةَ شرفتْ، وتاهت، وتباهت  بهاشم بن عبد مناف جدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مات فيها هاشم بن عبد مناف وعمره خمس وعشرون سنة، وبها قبره، في “جامع السيد هاشم” الذي بناه المماليك بحي “الدرج” في المدينة، وجدده السلطان العثماني عبدالحميد عام (1850).

ولذلك يقال لها ‌غزة ‌هاشم، قال أبو نواس:

طوالب بالرّكبان ‌غزّة ‌هاشم

وبالفرما من حاجهنّ شقور

و “الفَرما” بفتح الفاء والراء هي  المدينة العظمى التي كانت كرسي الديار المصرية في زمن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومن قراها “أم العرب” التي هاجرت منها أم إسماعيل عليهما السلام، و”الفرما” في أول الرمل: بين السائح والقصير، المنزلة المعروفة على يسار المتوجه إلى الشام من مصر، على ساحل البحر. قال ياقوت الحموي : “لم يبق منها سوى الآثار.

ومن الاتفاق الغريب أن إسماعيل أبو العرب، وأمه من “أم العرب”: القرية المذكورة.

وشُقُور بضم الشين والقاف، بمعنى الأمور اللاصقة بالقلب المهمة، الواحد شقر.

وتحدثنا كتب التاريخ أن قريشًا كانت كثيرة التجارة، تأتيهم البضائع فيشترون ويبيعون، فأقاموا على ذلك زمانًا طويلًا حتى خرج هاشم إلى الشام فنزل بقيصر ملك الروم، فكان يذبح كل يوم شاة، ويصنع جفنة ثريد ويجعل اللحم عليها ، ويدعو من حوله فيأكلون معه، وكان هاشم من أحسن الناس وجهًا، وأكرمهم أخلاقًا، فقيل لقيصر ها هنا رجل قريش يهشم الخبز، ويصب عليه المرق ويجعل عليه اللحم، ولم يكونوا رأوا الثريد، فسمى هاشمًا بهشيم الثريد، وفيه يقول شاعرهم بمكة:

عَمْرُو العُلا ‌هَشَمَ ‌الثَّريدَ ‌لِقَوْمِه

ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتونَ عِجافُ

مُسْنِتِون: أَي مُجْدِبونَ، أَصابَتْهم السنَةُ، وَهِيَ القَحْطُ والجَدْبُ،

وهو أول من فعله من العرب والعجم، فدعاه قيصر، فلما رآه وكلمه، أعجبه، فقال له هاشم: أيها الملك إن قومي تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابًا تؤمنهم فيه على أنفسهم وما معهم من المال والبضائع فإنهم يقدمون عليك بما تستظرفه من أدم الحجاز وثمره، فكتب لهم كتابًا جامعًا للعرب، وأخذه هاشم وسار، فصار كلما جاء حيًا من أحياء العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم “إيلافا”، والإيلاف؛ أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم على أنفسهم وأموالهم، حتى إذا قدم مكة، سروا بذلك سرورًا عظيمًا.

وقد انزل الله سبحانه في ذلك سورة سورة “قريش”:

(1)لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (2) إِيلافِهِمْ ‌رِحْلَةَ ‌الشِّتاءِ ‌وَالصَّيْفِ (3) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (4) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (5)

ولا غرو في ذلك، فقد كان الحجاز منطقة جدباء شديد الحرارة، شحيح المياه، يجلبُ إليه الرزق من الخارج، وقد وصف القرآن منطقة بيت الحرام أنها وادٍ غير ذي زرع، وذكر دعوة إبراهيم عليه السلام بأن يرزق الله أهله من الثمرات، ويجعله مهوى أفئدة الناس.

“رَبَّنا ‌إِنِّي ‌أَسْكَنْتُ ‌مِنْ ‌ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”.

وفي سورة “القصص” ذكرٌ لقول قريش : “إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ ‌نُتَخَطَّفْ ‌مِنْ ‌أَرْضِنا” ، فرد الله عليهم بقوله: {أو لم نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ‌ثَمَرَاتُ ‌كُلِّ ‌شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يعلمون}. وفي آية أخرى : {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً ‌وَارْزُقْ ‌أَهْلَهُ ‌مِنَ ‌الثَّمَراتِ..}.

وفي موسوعة “القبائل العربية” (1/145) :” وأجدبت البلاد في شمالي الحجاز كعادتها فقرروا الارتحال إلى بلاد ‌غزة بفلسطين بعد أن استهوتهم كثرة خيراتها ومراعيها، وكانت الديار الغزيّة وقتئذ مكانًا طيبًا لهجرة وامتداد القبائل العربية..”

نعم، هكذا كانت فلسطين وعلى رأسها غزة هاشم، مددًا لأهلها، وعونًا لجيرانها، منها تجبى وتؤخذ الأرزاق، وبها ومن خيرها يكون الارتفاق. (الانتفاع)، واستدار الزمان فضرب ضربته:

كَلَوْنِ المِلْحِ ‌ضَرْبَتُهُ هَبِيرٌ

يُتِرُّ العَظْمَ، سَقَّاطٌ، سُراطي

فتغيرت الأحوال، وزادت الأهوال، وتكالب عليها شذاذ الآفاق، وممزقو الأوصال، فاحتاجت غزة الغذاء، واعتازت غزة الدواء، والمال،ولكن اين من يغيث واين من يسعف، واين من يخفف الآلام، ويحقق الآمال.

إن يغدر الزمن الخؤون بنا فقد

 ‌غدر ‌الزمان بجعفر ومحمد

حتى إذا وضح النهار تكشفت

 عن قتل أكرم هالك لم يلحد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. سلمت يمناك دكتور أحمد الزبيدي

    دائما تكتب فتبدع
    بانتظار المزيد والمزيد من المقالات
    رمضان مباارك🥰

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى