“فضيلة الإقدام”
قال أبو الطيب المتنبي في “معجز أحمد” (ص 12):
وإلا تَمُتْ تَحْتَ السُّيُوفِ مُكَرَّماً
تَمُتْ وتقاسِي الذلَّ غَيْر مُكَرَّمِ
يحث الناظمُ الناسَ على فضيلة الإقدام؛ طلبًا للعزّ والاحترام، فالموتُ واقع لا محالة، فإما: في ساحة الوغى، وميدان الجهاد، وإما: حتف الأنف على الذل والمهانة والمِهاد!
ولم يكتف المتنبي بالحث على الإقدام، بل أرادهم أن يكونوا شجعانًا كرامًا.
وإذا لم يكنْ من الموت بدٌ
فمن العجزِ أن تموتَ جبانا
قال الشيخ محمد الخضر حسين (ت ١٣٧٧ هـ) :
ومن الآيات المنبهة على أن الجبناء قد فقدوا جانبًا من رجولتهم: قوله تعالى في توبيخ قوم تأخروا عن المحاربين في سبيل الإصلاح، وقعدوا بين من لم يخلقن للطعن والضرب: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} [التوبة: 87] .
وقد طَربَ بعضُ الأدباء بامريء القيس حيث قرن في شعره بين معاطاة الكؤوس ومشهد الحرب الضروس؛ وهذا -عندهم- غاية الشجاعة والبأس، أما شاعرنا فقد فاق “الملك الضّلِّيل”، حيث قصر لذته على ارتطام الصفوف بالصفوف، ومقارعة الحتوف بالحتوف، وما أصدق ما قال:
لولا المشقّةُ سادَ الناسُ كلهُم
الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قتّالُ
وما زالت الشعراء تحث على هذه الفضائل، والمتنبي من أكثرهم ترديدًا لهذه المعاني وأسبقهم إليها. قال رحمه الله:
رِدي حِيَاضَ الرَّدَى يَا نَفسُ وَاتّرِكِي
حِياضَ خَوفِ الرَّدى للشاءِ وَالنَّعَمِ
إن لم أذَرْكِ على الأرماح سائلةً
فلا دعيت أبن أُمِّ المجد والكرم
ومن أحسن ما قيل في النظم في الإقدام والصبر على الحرب والثبات فيها، قول قطري بن الفجاءة، وَكَانَ خَطِيْباً بَلِيْغاً كَبِيْرَ المَحَلِّ مِنْ أفراد الزمان، قال:
أَقُول لَهَا وَقد طارت شَعاعا
من الْأَبْطَال وَيحك لن تراعي
فَإنَّك لَو سَأَلتِ بَقَاء يَوْم
على الْأَجَل الَّذِي لَكِ لن تطاعي
فصبرًا فِي مجَال الْمَوْت صبرًا
فَمَا نيل الخلود بمستطاع
وَلَا ثوب الْبَقَاء بِثَوْب عز
فيطوى عَن أخي الخنع اليراع
سَبِيل الْمَوْت غَايَة كل حَيّ
فداعيه لأهل الأَرْض دَاعِ
رواها ابن خلكان في “وفيات الأعيان”، ثم قال: هذه الأبيات تشجع أجبن خلق الله، وما أعرف في هذا الباب مثلها، وما صدرت إلا عن نفس أبية، وشهامة عربية!
وفي مجالس ثعلب (ت ٢٩١هـ)، قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى زياد: إذا جاءك كتابي فأوفد إليَّ ابنك عبيد الله فأوفده عليه، فما سأله عن شيء إلا أنفذه له حتى سأله عن الشعر فلم يعرف منه شيئًا، قال: فما منعك من روايته قال: كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدري، فقال: اعْزُب والله لقد وضعت رجلي في الرِّكاب يوم صِفِّين مرارًا ما يمنعني من الانهزام إلاّ أبيات ابن الإطنابة حيث يقول: [من الوافر]
أبتْ لي عِفَّتي وأبَى بَلائى
وأخْذِي الحمدَ بالثَّمَن الرَّبيح
وإعطائي على الإعدام مالي
وإقدامي على البطل المُشيح
وقولي كلما جَشأت وجَاشت
مكانك تحمدي أو تستريحي
(لأدفع عن مآثرَ صالحات
وأحمى بعدُ عن عِرْض صحيح
وكتب إلى أبيه: أن رَوِّه الشعر، فروَّاه فما كان يسقط عليه منه شيء.
وفي “خزانة الأدب” (2 / 438) ” قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان: وجدت فرسَان الْعَرَب سِتَّة نفر: ثَلَاثَة مِنْهُم جزعوا من الْمَوْت عِنْد اللِّقَاء؛ ثمَّ صَبَرُوا، وَثَلَاثَة لم يجزعوا. قَالَ عَمْرو بنُ معدِ :
فَجَاشَتْ إِلَيّ النَّفس أول مرةٍ
فَرُدّت على مَكرْوهِها فاستقرّتِ
وَقَالَ ابْن الأَطْنابةِ:
وَقَوْلِي كلما جشأتْ وجاشت:
مَكَانك تُحمدي أَو تستريحي
وقال عنترة:
إِذْ يَتَّقُونَ بِيَ الأسنةَ لم أَخِمْ
عَنْهَا وَلَكِنِّي تَضايَقَ مُقدِمِي
فَأخْبر هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة أَنهم هابوا ثمَّ أقدموا، وَقَالَ عَامر بن الطُّفَيْل:
أَقُول لنفسٍ مَا أُرِيد بقاءها
أقلي المراح إِنَّنِي غير مُدبر
وَقَالَ قيس بن الخطيم:
(وَإِنِّيَ فِي الْحَرْب الضَّروسِ موكلٌ
بإقدام نفيسٍ مَا أُرِيدُ بَقاءَها
وَقَالَ الْعَبَّاس بن مِرداس:
أَشُدُّ على الكتيبةِ لَا أُبَالِيْ
أحتفيْ كَانَ فِيهَا أم سواهَا
فَأخْبر هَؤُلَاءِ أنهم لم يجزعوا.
وقريب منه قول امرأة من كندة: [الطويل]
أبوا أنّ يفرّوا والقنا في نحورهم
ولم يبتغوا من خَشيةِ الموت سُلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة
ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما
قالت إمرأة الحضين بن المنذر لهُ: كيف سدت قومك وأنت بخيل وأنت دميم؟ قال: لأني سديد الرأي، شديد الإقدام.
وقد أحسن الحصين بن الحمام المري حيث يقول:
تأَخَّرْتُ أستبْقي الحياةَ فلم أجدْ
حَيَاةً لِنفْسي مثلَ أن أتقدَّمَا
قال الجاحظ:” وعلى قدر الاكتراث يكون الإقدام والإحجام”.
قال الزبير بن بكار: آل الزبير أعرق الناس في القتل؛ ولا يعرف في العرب ولا في العجم ستة مقتولون في نسق إلا من آل الزبير، وهم: عمارة بن حمزة، بن مصعب بن الزبير، بن العوام ،بن خويلد؛ قُتل عمارة وحمزة معاً في حرب الإباضية، وقُتل مصعب بدير الجَاثَلِيق ، وقُتل محمد و أخوه في “حرب الجمل”، وقُتل عبد الله بمكة في “حرب الحجاج”، ولما قُتل عبد الله أمر الحجاج بشق صدره، فإذا فؤاده مثل فؤاد الجمل، فكان إذا ضرب به الأرض ينزو كما تنزو ي المثانة المقطوعة، وقُتل الزبير في “وادي السباع” في “حرب الجمل”، وقُتل العوام في “حرب الفجار”؛ قتله بشر بن عبد الله بن دهمان الثقفي، وقُتل خويلد في حرب خزاعة.
ولله قول أبي وَجزة السَّعديّ فيهم :
وآلُ الزُّبَير بنو حُرَّةٍ
مرَوا بالسُّيوف الصُّدورَ الجِنافا
يَموتون والقتلُ من دأبهم
ويغشَوْن يوم السِّياف السِّيافا
إذا فرَجَ القتلُ من عِيصهم
أبَى ذلك العيصُ إلَاّ التِفاتا
قيل لعبد الملك: من أشجع الناس؟ فقال العباس بن مِرداس؛ الذي يقول فيه الشاعر:
أشدُ على الكتيبة لا أُبالي
أَحَتْفِي كان فيها أم سواها
وقيس بن الحطيم حيث يقول:
وَإِنِّي فِي الْحَرْب الضَّروس موكَّلٌ
بإقدام نفسٍ لَا أُرِيد بقاءها
ومِنْ خَفِيّ النَّظَرِ وَمَكْنُوْنِ المُلَاحَظَةِ قَوْلُ السّمَوْأَلِ :
تَسِيْلُ عَلَى حَدِّ الظَّبَاةِ نُفُوْسُنَا
وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ السُّيُوْفِ تَسِيْلُ
وقال أبو فراس :
وَقَالَ أصيحابي الْفِرَار أَو الرّدى
فَقلت هما أَمْرَانِ أحلاهما مرُّ
ولكنني أمضي لمالا يعيبني
وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
وَذكر ابْن خالويه أَن آخر شعر لأبي فراس؛ قَوْله عِنْد مَوته رَحمَه الله تَعَالَى (الْكَامِل):
أبنيَّتي لَا تجزعي
كل الْأَنَام إِلَى ذهَاب
نوحي عَليّ بحسرة
من خلف سترك والحجاب
قولي إِذا كَلَّمتنِي
فعييت عَن رد الْجَواب
زين الشَّبَاب أَبُو فراس
لم يمتع بالشباب
اللَّهُمَّ ارْحَمْ تِلْكَ الرّوح الشَّرِيفَة.
قلت: ولمثل هذه الأبيات الشريفة، والمعاني المنيفة، قدمه شاعر العراق والأديب “نعمان ماهر الكنعاني” على ماليء الدنيا وشاغل الناس المتنبي! ليس ببعيد أن يكون قدمه لفروسيته، وشجاعته، فكثير من شعره يدور في فلك شعر الحماسة، أو لربما كان يرى فيه بعض ما فيه، فالكنعاني من الشعراء الفرسان، الذين تغنوا بفلسطين، درة الأكوان، وجاهدوا فيها باللسان والسنان، وله فيها قصائد جياد حسان، ولا يحضرني الآن مما يناسب المقام غير هذه الأبيات الحسان:
حاربْ إذا لم تكن إلّا يدٌ ظَلمتْ
حقيقةٌ عُرفتْ في سالب الحقبِ
ماذا تقولُ لأجيالٍ ستقرأ ما
وهبتَ أيّامَها إن كنتَ لم تهَبِ
أيّامُ عمرِكَ ما أبقيتَ من ذكَرٍ
غُرٍّ، وإلّا فكم هون لمضطربِ
هبْ إنَّ عمرَك ألفٌ كلُّها رغدٌ
ماذا إذا لم تُصَبْ يوماً ولم تُصِبِ
ومن طريف ما يروى حديث ابن شُبْرُمَةَ، قال: كان الطرماح بْن حكيم لنا جليساً فافتقدناه لننظر ما دهاه، فلما كنا قريباً من منزله إِذَا نحن بنعيش عليه مطرف خز أخضر، فقلنا من هَذَا قالوا الطرماح فَقَالَ: بعضنا لبعض ما استجاب الله له حَيْثُ يقول:
وإنِّي لمقتادٌ جوادي فقاذفٌ
به وبنفسي اليومَ إحدى المقاذِفِ
أأكسبَ مالاً أو أَؤُوبُ إلى غنًى
من الله يكفيني عذاب الخلائفِ
فيا ربِّ لا تجعلْ وفاتي إذا أتتْ
على شرجَعٍ يُعلَى بخُضرِ المطارِفِ
ولكنْ أحِنْ يومي شهيداً وعُصبةً
يُصابونَ في فجّ من الأرضِ خائِفِ
عصائب أشتات يؤلِّفُ بينهم
هدَى اللهِ نزَّالون عند المواقِفِ
إذا فارقوا دنياهُمُ فارقوا الأذَى
وصاروا إلى موعودِ ما في المصاحِفِ
وقد يصدق على الطرماح ما قاله ابن هانيء الأندلسي:
ولم أجِد الإِنسانَ إِلا ابنَ سعيِه
فمن كان أسعى كان بالمجدِ أجدرا
– وبالهمةِ العلياءِ ترقى إِلى العُلا
فمن كان أعلى هِمَّةً كان أظهرا
ولم يتأخرْ من أرادَ تقدمًا
ولم يتقدمْ من أراد تأخراً
وإذا كنا نتحدث عن الشجاعة والإقدام، فما بالنا لا نتحدث عن أشجع الناس، وأشدهم بأسا في ذات الله.
عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْجَعَ النَّاسِ». وقال : قال: فَزِعَ أهل المدينة ليلة، قال: فانطلَق رسول الله، – صلى الله عليه وسلم -، قِبَلَ الصوت فتلقّاهم رسول الله، – صلى الله عليه وسلم -، وقد سَبقهم وهو يقول: لَنْ تُراعوا! وهو على فَرَسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ في عُنقه السيف، قال: فجعَلَ يقول للناس: لَنْ تُراعوا! وقال: وجدناه بَحرًا أو إنّه لَبحر، يعني الفَرَس”.
وقال فارس الفرسان علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- (كنا إذا حمي الوطيس، واشتدت المعركة، اتقينا برسول الله).
وفي الصحيح، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ عَنْ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللهِ، … فَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ”.
فأما الإقدام على الغرر وركوب الأمر على الخطر فليس بمحمود عندي ذوي الألباب، وقد مر معنا في مقال سابق أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قال لمعاوية : “إنّى لأراك تقدم أحيانًا حتى أقول أشجع الناس، وأراك تحجم أحيانًا حتى أقول أجبن الناس!”، قال: “إني أقدم ما كان الإقدام غنمًا، وأحجم ما كان الإحجام حزمًا، فأنا كما قال القائل :
شجاع إذا ما أمكنتنيَ فرصة
وإن لم تكن لى فرصة فجبان
وكان المهلّب يقول: الإقدام على الهلكة تضييع، كما أن الإحجام عن الفرصة جبن.
قال يزيد بن المهلب يوماً لجلسائه: “أراكم تعنفوني في الإقدام!” قالوا: “نعم، والله إنك لترمي بنفسك في المهالك”، فقال: “إليكم عني، فو الله لو لم آت الموت مسترسلًا، لأتاني مستعجلًا؛ إني لست آتي الموت من حبه، إنما آتيه من بغضه!”، وقد أحسن الحصين بن الحمام المري حيث يقول:
تأَخَّرْتُ أستبْقي الحياةَ فلم أجدْ
حَيَاةً لِنفْسي مثلَ أن أتقدَّمَا