مقالات
دراسات قرآنية ( 24) د . أحمد الزبيدي – الإمارات
رد الإمام الرازي على أبي القاسم الكعبي المعتزلي (ح7) المسألة الخامسة (الوَعْدُ والوَعيد)

د. أحمد الزبيدي
تُعدُّ مسألة (الوعد والوعيد) الأصل الثالث من أصول المعتزلة، التي يتميزون بها عن غيرهم من الفرق الإسلامية.
والوعد: هو إخبارٌ بإنشاء قائله عُرفا-معروفاً- لغيره في مستقبل الزمان.
والوعيد: هو إخبارٌ بإنشاء قائله تهديدًا لغيره في مستقبل الزمان.
خلاصة المسألة؛ أن وعد الله ووعيده واقع لا محالة، إنْ كان وعده بالثواب، وإن كان وعيده بالعقاب، كذلك وعده بقبول التوبة الصادقة، وقد ترتب على قولهم هذا أن الله لا يغفر الكبائر إلا بالتوبة؛ إذ أنه صادق في وعده صادق في وعيده؛ لا مبدل لكلماته، وما قاله المعتزلة ومنهم الكعبي من أن إخبار الله صدق، ولا مبدل لكلماته لا ريب فيه، ولكن ماذا يقولون في قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ}. [النساء: آية 48]
وهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى أن الْعَفْو عَنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ. كما يقول المفسرون وعلى رأسهم الفخر الرازي، فقَوْلُهُ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}، مَعْنَاهُ: لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، لِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَغْفِرُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وذلك عندما يَتُوبُ الْمُشْرِكُ عَنْ شِرْكِهِ، فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ) هُوَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ}، هُوَ أَنْ يَغْفِرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، حَتَّى يَكُونَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مُتَوَارِدَيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فُلَانٌ لَا يُعْطِي أَحَدًا تَفَضُّلًا، وَيُعْطِيَ زَائِدًا فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ تَفَضُّلًا، حَتَّى لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: لَا يُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ وَيُعْطِي أَزْيَدَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، فَكُلُّ عَاقِلٍ يَحْكُمُ بِرَكَاكَةِ هَذَا الْكَلَامِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ}، عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ غُفْرَانَ الصَّغِيرَةِ وَغُفْرَانَ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إِلَّا حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى غُفْرَانِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَسَّمَ الْمَنْهِيَّاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الشِّرْكُ وَمَا سِوَى الشِّرْكِ، ثُمَّ إِنَّ مَا سِوَى الشِّرْكِ يَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَالْكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالصَّغِيرَةُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الشِّرْكِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ قَطْعًا، وَعَلَى مَا سِوَاهُ بِأَنَّهُ مَغْفُورٌ قَطْعًا، لَكِنْ فِي حَقِّ مَنْ يَشَاءُ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ كُلَّ مَا سِوَى الشِّرْكِ، لَكِنْ فِي حَقِّ مَنْ شَاءَ. وَلَمَّا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ أَيْضًا مَغْفُورَةً.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {لِمَنْ يَشاءُ}. فَعَلَّقَ هَذَا الْغُفْرَانَ بِالْمَشِيئَةِ، وَغُفْرَانُ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَغُفْرَانُ الصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَغَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْغُفْرَانُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ غُفْرَانُ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ كَلَامٌ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُعَارَضَةَ بِعُمُومَاتِ الْوَعِيدِ، وَنَحْنُ نُعَارِضُهَا بِعُمُومَاتِ الْوَعْدِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}. [الْبَقَرَةِ: 81] فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ.
رَوَى الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنَّا عَلَى كَبِيرَةٍ شَهِدْنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَأَمْسَكْنَا عَنِ الشَّهَادَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي لَأَرْجُو كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ، كَذَلِكَ لَا يَضُرُّ مَعَ التَّوْحِيدِ ذَنْبٌ. ذَكَرَ ذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَكَتَ عُمَرُ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّسِمُوا بِالْإِيمَانِ وَأَقِرُّوا بِهِ فَكَمَا لَا يُخْرِجُ إِحْسَانُ الْمُشْرِكِ الْمُشْرِكَ مِنْ إِشْرَاكِهِ كَذَلِكَ لَا تُخْرِجُ ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه» ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ وَحْشِيٌّ حَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانُوا قَدْ وَعَدُوهُ بِالْإِعْتَاقِ إِنْ هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَا وَفَّوْا لَهُ بِذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدِمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنْبِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ}. [الْفُرْقَانِ: 68] فَقَالُوا: قَدِ ارْتَكَبْنَا كُلَّ مَا فِي الْآيَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً}. [الْفُرْقَانِ: 70] فَقَالُوا: هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ أَنْ لَا نَقُومَ بِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ}، فَقَالُوا: نَخَافُ أَنْ لَا نَكُونَ من أهل مشيئته، فنزل {قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ}. [الزُّمَرِ: 53] فَدَخَلُوا عِنْدَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
قال الأصمعي: كنا عند أبي عمرو بن العلاء فجاء عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو ! يخلفُ اللهُ وعده؟ -يعني: هل يمكن أن يخلف الله وعده؟ – قال: لا، قال: أرأيت من وعده الله على عمل عقاباً ؟ ولم يقل: أرأيت من توعده، وهناك فرق بين الوعد والوعيد، فالوعد لا يخلفه الله، وأما الوعيد فتحت مشيئة الله، فإذا توعد الله عبداً على فعل بعقاب فإما أن ينفذ فيه عقابه أو يعفو عنه، ونحن نقول: إن مرتكب الكبيرة يوم القيامة إذا لم يتب ولم يقم عليه الحد؛ أنه في مشيئة الله: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فثم فرق بين الوعد والوعيد، والله لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف الوعد؛ لأن وعده لا يتخلف، وإنما إذا أوعد أو توعد الله عبداً على فعل شر فهو في مشيئته إن شاء أوقعه به، وإن شاء عفا وأصلح سبحانه وتعالى، فهنا عمرو بن عبيد يقول لـ أبي عمر بن العلاء: هل يمكن أن يخلف الله وعده؟ قال: مستحيل؛ لأن الله قال: {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}. [آل عمران:٩].
قال له: أرأيت لو أن الله وعد على عمل عقاباً، وهذا الكلام لا يجوز والأصل أن يقول: أرأيت لو أن الله توعد، فأتي عمرو بن عبيد من الخلط واللبس لديه بين الوعد والوعيد، ولذلك قال له: أرأيت من وعده الله على عمل عقاباً أليس هو منجزه له؟ فقال له أبو عمر: يا أبا عثمان من العجمة أتيت – أي: هذا ليس من كلام العرب، وهذا في اللغة لا يستقيم- لا يعد عاراً ولا خلفاً أن تعد شراً ثم لا تفي به، بل تعده فضلاً وكرماً، إنما العار أن تعد خيراً ثم لا تفي به.
يريد أن يقول له: إنه جاء في كلام العرب أن الواحد إذا وعد خيراً وفى به، ولو تخلف عن الوفاء بالخير والفضل والكرم لكان هذا عاراً في حق الآدمي، فما بالك بالله عز وجل؟! ولله المثل الأعلى، ومن وعد من الخلق شراً فعفا عنه عد ذلك من الكرم، ولا يقال: إنه أخلف الوعد، وهذا كما تقول لابنك: لو لم تذاكر لأضربنك، فلو لم يذاكر ولم تضربه فلن يقول لك: يا من وعدتني وأخلفت ! يا من لست قادراً على تنفيذ قولك! بل يعد هذا من كرم أبيه وسماحته، ثم هو بعد ذلك يحاول أن يجتهد في أن يفي بما يرضي والده، فقال عمرو بن عبيد لأبي عمر بن العلاء: أهذا في كلام العرب؟ – يعني: الفرق بين الوعد والوعيد، وأن الوعد لا يتخلف والوعيد يتخلف موجود في لغة العرب؟ – قال: نعم، قال: أين هو؟ قال قول الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فقوله: (وإني وإن أوعدته) أي: توعدته، (أو وعدته) أي: في الخير والفضل، (لمخلف إيعادي) يعني: سوف أتوعده وأخلف هذا الوعيد، (ومنجز موعدي) أي: منفذ وعدي؛ فهذا الفرق بين الوعد والوعيد موجود في كلام العرب، فالوعيد يتخلف أحياناً حسب المشيئة، وأما الوعد فلا يتخلف، وهذا فضل من الله وكرم.
قال جلال الدين الدواني في شرحه على العقائد العضدية (ج2: ص164) : ومذهب جمهور المسلمين يستند إلى مقتضى جميع ما أخبر به الله عز وجل ، وعدا ووعيدا وإخبارا بأنه سبحانه وتعالى إذا شاء تجاوز عن كل الذنوب والمعاصي أيا كان نوعها إلا الشرك بالله عز وجل، وواضح ان مجموع ما تضمنه هذه الإخبارات كلها أن وعد الله تعالى بإثابة الطائعين لا يلحقه خلف، أما وعيده بمعاقبة العصاة فعائد إلى مشيئته، وعفو الله عن مرتكبيها مأمول وغير بعيد، و يظهر لي والله أعلم أن مذهب المعتزلة في مسألة الوعد والوعيد جاء كرد فعل على مذهب المرجئة وهو قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، فقالوا بعكس رأيهم ، وضد حكمهم، ولو استقرئوا آيات الوعد والوعيد لوجدوا أن وعد الله بالمثوبة واقع لا محالة، فجميع الآيات بشرت به بإطلاق دون استثناء، كما أن وعيد الله بالعقاب ثابت، غير أن تحقيقه يوم القيامة راجع إلى مشيئته سبحانه، والله أهل العفو وأهل المغفرة، إلا أن يكونوا مشركين، أو ملحدين ، وذلك لأن آيات الوعيد عادت ففتحت باب الرجاء والأمل بعفو الله سبحانه، وأخبرت بأن الله إن شاء عفا عما سوى الإشراك، والجحود، والإلحاد.
سلمت يمناك دكتور ..دائما مميز بطريقه العرض والسرد وايصال المعلومات🙂
جمعه مباركة ياارب
أيها الفاضل ( الزبيدي) هل نجشمك رعناء وكبدا إذا رجوناك أن تكتب لنا حلقة أو حلقتين عن مسألة خلق القرآن بين أهل السنة والمعتزلة؟
وشكرا