بحوث ودراسات
بيت الشعر.. أمسية رباعية تنبض حكمة ووجدانية

محمد عبد الله البريكي يتوسط الشعراء ومقدمهم بعد تكريمهم من اليمين د. جعفر أحمد حمدي و حسن جلنبو و مناهل فتحي و وإبراهيم السالمي و د. بهاء الدين دنديس
الشارقة – “البعد المفتوح”:
شارك الشعراء د.جعفر أحمد حمدي (مصر) وحسن جلنبو من الأردن، ود.مناهل فتحي (السودان) وإبراهيم السالمي (سلطنة عمان) في أمسية شعرية تنبض حكمة ووجدانية نظمها بيت الشعر في الشارقة في 29 أغسطس 2026 بحضور الشاعر محمد عبد الله البريكي مدير بيت الشعر في الشارقة وجمع من الشعراء والأدباء ومحبي الشعر مع ملاحظة حرص الجامعة القاسميةفي الشارقة على حضور عدد من طلابها.
قدم للأمسية د. بهاء الدين دنديس من الجامعة القاسمية في الشارقة رافعًا الشكر إلى مقام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، “راعي الثقافة وحامي العربية؛ الذي جعل من الشارقة منارةً للعلم، وموئلًا للأدب، وملتقىً للمبدعين، ومحرابًا للإبداع”، ومما جاء في تقديمه الذي اتسم بلغته الشعرية قوله: “هل أتاكم نبأ بيت الشعر في الشارقة؟، حيث تُصان الكلمة، ويُكرم الشاعر، ويُحتفى بالقصيدة؛ هنا، في الشارقة، حيث الثقافةُ هوية، والأدبُ رسالة، والفنُّ لغة، والجمالُ جسرٌ يصل الشرقَ بالغرب، والغرب بالشرق”. كذلك وجه الشكر والتحية إلى سعادة عبد الله العويس رئيس دائرة الثقافة في الشارقة وإلى الأستاذ محمد القصير مدير إدارة الشؤون الثقافية في الدائرة وإلى “الشاعر الرّاقي الأستاذ محمد عبد الله البريكي، الذي ما فتئ يقدِّم للساحة الأدبية أصواتًا شعريَّة جديدة وواعدة، والشكر لكم أيها الحضور، وللجامعة القاسمية على تعاونها الدائم مع بيت الشعر بالشارقة”.
كان الشاعر د. جعفر أحمد حمدي أول من اعتلى المنبر منشدًا عددًا من قصائده المتنوعة بصورها وعباراتها التي تنم عن مقدرة على الصياغة الشعرية . بقول في قصيدة عن الأم:
تمشي على سَقفِ الحياةِ، كأنها
ضوءٌ يُرتِّلُ في المدى آلاءَها
وإذا مشتْ، فالأرضُ تنثرُ عطرَها
وتعودُ تُنشِدُ في المدى أنباءَها
وتلمُّ ظلَّ الطفلِ في خطواتِهِ
ليعودَ يسكنُ ـ في الحنينِ ـ رداءَها
ويفيضُ من عينيهِ لَحْنٌ رائِعٌ
إنْ لامَسَتْ كفّاهُ يومًا مائها
اعتلى المنبر بعده الشاعر حسن جلنبو منشدً ا محموعة من قصائده المجلولة بالحكمة و الشفافية مصورًا رؤيته ومعاناته مع الغربة في قوله:
كلّ الحكاية أننا غرباءُ
وتحارُ في توصيفنا الأسماءُ
تغتالنا الجدرانُ خلف ظلالها
وتعود تبكي ظلَّنا الأفياءُ
تشتاقنا الأبواب!
نطرقها فنرجعُ خائبينَ
وفي العيون رجاء
وتخوننا الأقفال حين نديرها
فيدور فينا العمرُ كيف يشاء
وتسافر الأحلامُ فينا كلّما
ضاقت على خطواتنا الأرجاءُ
قالت: سترجع؟!
قلت: من يدري
فليس لنا
إذا حان القضاءُ قضاءً
تمضي بنا الدنيا وتعلم أننا
لم يبقَ فينا للبقاء بقاءُ
نَنسى!، فيصفعنا الحنينُ كأنما
للّيلِ فينا أضلعٌ ودماءُ
والدمع يسقي الوجنتين وكلّما
ناشدتَ أرضا أرهقتْكَ سماء
يا قلبكَ المنسوجَ من وجع البلاد
وحزنَكَ الـ يكسوك منه رداء
خذني
إلى عمري القديم
فلم يعُد في الجبِّ
تغري الواردين دِلاء
خذني
إلى لغتي التي ضيّعتُها
واحتار فيها النحو والإملاء
خذني
إليّ بما تبقّى من أنايَ
فكلّ أوهامِ الحياة هُراءُ
خذني
غريبًا وانسَني في غربتي
كلّ الحكاية أنّنا
غرباء
وفي قصيدته :” اعترافات شاعر طاعن في البُعد” يعيش الشاعر “خيباته” ويراجع ذاكرته متوقفًا عند “أخطائه”، ومع ذلك آخى خسائره وهشق خيباته:
تعبْتُ وطال بيْ زمني
فعُدتُ أُعيدُ “غلطاتي”
وآخيتُ الخسائر مُكرهًا فعشقتُ خيباتي
وحين رجعتُ من بحري
أضاع الموجُ مرساتي
كأني طاعنٌ في البُعدِ
مُمتدُّ المسافاتِ
تعبتُ … تعبتُ من “نزَقي”
ومن سوءِ اختياراتي
ومن حزني الذي صالحتهُ رغم الجراحات
ومن أحلاميَ المزجاةِ
في رحْل المناماتِ
ومن أصحابيَ المتربّصينَ بكلّ عثراتي
ومن آماليَ الـ ما زلتُ أسرجها لغزواتي
من الليلِ الذي ما عاد يكفي للحكاياتِ
ومن شعراءَ لم يستنشقوا عطرَ المجازات
تعبت من ازدحام الوجْدِ في طيّاتِ أبياتي
وقهقهة الدقائق وهْيَ تمشي عكس ساعاتي
ومن لغتي التي ارتبكتْ
على شفَةِ استعاراتي
كأني لم أكن يوماً
نديما للكنايات
ولا عتّقتُ أحلامي
على دمع الوسادات
تعبتُ وملّني تعبي
وملّتني ادعاءات
كأنّ الليلَ آثرني
جليسًا للمساءات
أُعدِّدُ للنجوم هزائمي وأعُدُّ سقطاتي
وأخبرها عن القومِ الذين نسُوا مودّاتي
وأكشفُ كلّ ما أخفيتُ عن وجهي لمرآتي
تعبتُ ولم يعد في العمرِ متّسعٌ لآهاتي
أنا المسكون بالتاريخِ! كيف أضعتُ صفحاتي؟
وأعيتْني تفاصيلٌ
أنخْتُ لها مطيّاتي
أنا المعجونُ من طين البلاد
على اغتراباتي
أنا المقسوم من وطَنينِ
منسيَّ الهُويّاتِ
أنا المنسوجُ من وجَعِ
النزوحِ وبؤس خيماتي
أنا ريحٌ مسافرةٌ
إلى أقصى اتجاهاتِ
أنا مطرٌ شهيُّ الماءِ
أهطلُ ملء غيماتي
لأُبعثَ من رمادِ الشعرِ
منتسبًا إلى ذاتي
الشاعرة د. مناهل فتحي أطلت على الحضور بقصائد لافتة برقتها وانسيابية عباراتها وسط تفاعل الحضور تقول في قصيدتها “أبنوسة”:
أبَنوسةٌ سمراء صُلبٌ عُودُها
للقلب منها في الهشاشةِ ملمحُ
بَخِلَتْ عليها الذكرياتُ بهدأةٍ
فمضتْ يُلاعبُها الجوى ويؤرجحُ
لفّتْ ببعضِ الليل مكمنَ سِرها
غطته والقلبُ المولّهُ يفصحُ
وكانت نهاية الإلقاء مع الشاعر إبراهيم السالمي وقصائده العميقة الدلالة و القوية لغة وأسلوبًا والمسكونة بالتراث ، ومما ألقاه فصيدته “المغني” واصفًا حال المغني الذي كان “شاردًا بالنّجمِ والناسُ حيارى”، ويرى الشاعر نفسه في هذ المغني الذي كان “صادِحًا من دونِ أنْ يلقى انتِشارا”:
عندما كانَ المُغنّي لا يُجارى
شاردًا بالنّجمِ والناسُ حيارى
والأماني باسِقاتٌ في يدي
أغنياتٍ وورودًا وحبارى
كانَ سقفي عاليًا في أُفقِهِ
وفضائي وِسْعُ قلبي لا يُبارى
وجناحي مُفرَدٌ في سربِهِ
ارتقاءً واعتدالًا وانحدارا
والمدى عيني وروحي وُجهتي
والمُنى كمْ كاذباتٍ لا تُدارى
أُوقِظُ الوردَ ولا أَقْطِفُهُ
لِيعُمَّ العِطرُ في الغيمِ انتشارا
كانَ ظنِّي وَطَنًا في سُؤْلِهِ
مَنْ أنا؟ أختَصِرُ المعنى اختِصارا
قَدْ كبرنا عندما كنَّا صِغارًا
وصغُرنا حينما صرنا كِبارا
صرتُ فيما كنتُ أنّي حالِمٌ
بِندى الأيامِ لوْ يؤتي ثِمارا
ومَساري جَوْهَرِيٌّ أصلُهُ
فِطرَةُ الميثاقِ ما كانَ اختيارا
كنتُ ورديًّا وعذبًا سائغًا
كلُّ شيءٍ يتراءى لي اخْضِرارا
كثُرَ التفسيرُ ضاقتْ رؤيتي
فلَزِمتُ الصمتَ فهمًا مُستعارا
وتركتُ الشمسَ في مشرِقِها
كيْ يرى مغرِبُها فينا انتِصارا
منذُ “أكملتُ لكمْ” لم نكتَمِلْ
ألفَ عامٍ لَمْ تكنْ إلا انتِظارا
يومَ كُنَّا لَمْ نكنْ إلا قليلًا
وكثيرًا صارَ هدمًا وانهيارا
إنَّ قلبي مورِقٌ في المنتهى
امتِثالًا واقتِفاءً واقتِدارا
لكنْ الفكرةُ دارتْ واستدارتْ
فتهاوتْ أرففي تطلبُ دارا
ما الذي يُطفئني في فكرتي
لأرى النورَ الذي عنّي توارى
والمُغنِّي خَلَعَ العودَ بوادٍ
ليتَهُ آنسَ في واديهِ نارا
والملايينُ التي في سمعِهِ
زَبَدٌ لا يُرتجى فيهِ الغيارى
ما الذي يُغمِضُ عينيَّ لكيْ
أبصِرَ الآياتِ ليلًا ونهارا
مبصِرٌ مِنْ داخلي في خارجي
فأرى الضدَّينِ سرًّا وجِهارا
فأغنِّي مثلَما كانَ المُغنِّي
صادِحًا من دونِ أنْ يلقى انتِشارا
وفي قصيدته “اعتِكاف” يصور حاله قي الليل خيث الآمال “تطولُ وتستطيلُ”:
وهذا الليلُ في المعنى ضئيلُ
ويبدو مِنْ كثافتِهِ القليلُ
يميلُ المُتعبونَ إلى التماهي
بأوجاعِ الحياةِ ولا أميلُ
أنا والليلُ ضدّانِ اسْتجابا
فكانَ الحُبُّ والشِّعرُ الجميلُ
تضيءُ فراشةٌ وتذوبُ أخرى
على حِضني فينطفئُ الفتيلُ
فأشعِلُ وردةً والماءُ بكرٌ
تدفَّقَ مِنْهُ دفءٌ سلسبيلُ
وعينُ الفجرِ في البُستانِ كسلى
ويرعاها ضميرٌ مُستقيلُ
هيَ الأحلامُ تأتي دونَ وعيٍ
ويركضُ خلفها أمَلٌ نحيلُ
أنا في النُّورِ مِحرابٌ وسربٌ
ويهزِمني السَّرابُ المُستَميلُ
إذا الأقمارُ صدّتْ عنْ سِراجي
فعذري أنَّني فيها الأصيلُ
لكلِّ إضاءة غمزتْ بليلٍ
ولم يسعفْني للمعنى دليلُ
وكلِّ جميلةٍ عبرتْ لقلبي
على الذكرى وعاودَها الصهيلُ
بخدِّ الليلِ شاماتٌ وعطرٌ
وآمالٌ تطولُ وتستطيلُ
ألمْ تَرني اعْتَكفتُ على فؤادي
فطالَ الدربُ واتَّسَعَ السبيلُ
وصارَ الليلُ أقصرَ ما أراهُ
يُزاحِمُني لمُوسيقاهُ إِيِلُ
فأعزِفُهُ على نورٍ ونارٍ
يُسايرُني الطُّموحُ المُستحيلُ
أوسِّعُ خُطْوةً فيها اشتِباهٌ
أعودُ بها إذا حارَ الدّليلُ
فتُدْركني على المسرى نُجومٌ
وتُشبِهُني على الأرضِ النخيلُ
واختتمت الأمسية بصعود الشاعر محمد عبدالله البريكي المنبر لتكريم الشعراء المشاركين ومقدمهم.
