Uncategorized
تعدد ألسنة أبناء آدم ولغة المشاعر صفاء* بدر الدين – الإمارات

صفاء بدر الدين
اللغة الأولى التي تكلم بها الإنسان الأول كانت النواة الأساسية، ومع انتشار البشرية في أرجاء الأرض، وتفاعلها مع بيئات مختلفة، واحتياجها لمصطلحات جديدة، أدى التراكم الزمني والعزلة الجغرافية إلى تشعب تلك النواة للعائلات اللغوية واللغات الكثيرة التي نعرفها اليوم.
في زمنٍ لم تكن فيه الشاشات احتلت تفاصيل حياتنا، وحين كانت الصحف الورقية تخرج من المطابع برائحة الحبر مختلطًا بنسيم الصباح كل يوم ، كان يطيبُ لكاتب الصفحة الثقافية أن يمسك بقلم الحبر الجاف، ليخطّ على الورق المسطر تأملاتٍ في النفس البشرية وحكمتها القديمة.
ولعلّ من أكثر التساؤلات التي توقف عندها فكر الإنسان على مر العصور، هو ذلك السر العجيب الذي يفرقنا وينسج بيننا في الوقت ذاته: كيف تفرقت لغاتنا على هذه الأرض الممتدة، رغم أننا جميعاً جئنا من أصل واحد، وأغصانٌ شجرةٍ واحدة أصلها أبونا آدم عليه السلام.
حين ننظر في تاريخ هذا العالم، يقف العقل في دهشةٍ أمام هذا التنوع والتعدد اللغوي الهائل؛ فكيف لنسل حواء وآدم أن ينطق باللغات السامية كالعربية والعبرية، في حين ينطق أخوه في أقصى الشمال بألسنةٍ هندو أوروبية، ويردد آخر في أطراف أفريقيا لغات البانتو والأمازيغية؟
يحمل لنا التراث الشرعي والإيماني جوهر الإجابة؛ فالخالق سبحانه علّم آدم الأسماء كلها، وجعل من هذا الاختلاف في الألسن والألوان آيةً من آيات قدرته الباهرة. لم يكن هذا التعدد رغبةً في التشتت، بل كان دعوةً إلهية مبكرة للتعارف والتكامل بين الشعوب، ثم جاء علماء اللغويات وتاريخ الشعوب ليرسموا لنا الخريطة المادية لهذا التطور؛ إذ يقولون إن البشر لما انتشروا في الأرض بعد طوفان نوح عليه السلام، وضربت بينهم العزلة الجغرافية في صحاري المشرق وأودية المغرب وجبال أوروبا، بدأت اللغة الأم تُعاني من سنّة التغيير التدريجي، فاللغة كائن حي ينمو ويتأثر بالبيئة؛ تبدأ الحكاية بـ “لهجة محلية” يتداولها أبناء الإقليم، ثم تتراكم الفروق الصوتية والنحوية عبر العقود، حتى تنفصل اللهجة وتصبح لغةً قائمة بذاتها لا يفهمها الأهل الأقدمون.
هكذا وُلدت العائلات اللغوية من نسيجٍ واحد، ليصنع التاريخ موازين قوى تتصارع فيها اللغات وتندثر؛ فنرى لغاتٍ قديمة تطويها الصفحات، بينما تعلو لغاتٌ أخرى بدعم الحضارة والهجرة والصراع.
على الرغم من هذا الشتات اللغوي الذي باعد بين ألسنة البشر، لا تزال هناك لغةٌ قديمةٌ فطرية، لا تحتاج إلى ترجمان، ولا تعرف الحدود الجغرافية؛ إنها “لغة الجسد”
في دراسات الاتصال البشري المعاصرة، يُفاجئنا العلماء برقمٍ مذهل: إن الكلمات الشفهية التي نتفوه بها لا تشكل سوى 7% فقط من حقيقة ما نود إيصاله! بينما تتكفل نبرة الصوت بـنسبة 38%، وتستأثر حركات الجسد وتعبيرات الوجه والعيون بالنصيب الأكبر: 55%، ولهذا إذا تصارعت كلمة اللسان مع لفتة الجسد، فإن النفس البشرية تميل تلقائياً لتصديق الجسد؛ لأنه يخرج بغير زيف.
إن دلالات هذا الجسد تُعدّ سجلاً حافلاً بالمعاني:
-
لغة العيون:اتساع البؤبؤ يشي بفرحة النبأ السار، بينما فرك العينين وتجنّب النظر يكشف عن الشك، الخجل، أو الرغبة في الهروب.
-
إيماءات الوجه:رفع حاجبٍ واحدٍ يهمس بالاستبعاد، وقطب الجبين ينم عن الحيرة، أما لمس الأنف أو تغطية الفم بكف اليد عند الحديث فغيراً ما يُقرأ كإشارةٍ عفوية على مواراة الحقيقة.
إن تتعدد الألسن الباحثة عن المعنى في قواميس الكلام، أو صَمَتَ اللسان ليتكلم الجسد بنبراته وحركاته، فإن الحقيقة الثابتة تظل واحدة: نحن أبناء آدم، نجمع بين الشتات والوحدة؛ تفرقنا لغات الألسن، ولكن تبقي لغة التواصل اللغة الجسدية هي التي تجمعنا والتي لا تخطئها القلوب.
_________________
-
صوفي الاسم المستعار
