لا تبدأ اللغة حين تُنطق الكلمة، وإنما تبدأ قبل ذلك بقليل، في تلك المساحة الخفية التي يصنع فيها العقل احتمالًا لما سيأتي، فحين يسمع العربي قولنا: “أشرقت الشمس في…” فإنه لا ينتظر الكلمات التالية في فراغ، وإنما يبدأ ذهنه في بناء احتمالات مثل “الصباح” أو “الأفق”، وهنا تبرز فكرة “التوقّع اللغوي”: المتلقي لا يستقبل اللغة استقبالًا سلبيًا، وإنما يشارك في إنتاج معناها قبل اكتمال الجملة.
ولعل العربية تكشف هذه الظاهرة بوضوح؛ لأن بنيتها النحوية والصرفية والدلالية تمنح المتلقي إشارات مبكرة تساعده على توقع ما سيأتي، فعندما نقول: “قرأ الطالب…” فإن الفعل “قرأ” يفتح في ذهن السامع مجموعة من الاحتمالات: “الكتاب”، “القصة”، “الرسالة”، “الصحيفة”، لكن إذا قلنا: “قرأ الطالب…” ثم جاءت كلمة “الطبيب”، فإن المتلقي يشعر بأن هناك انقطاعًا في المسار المتوقع، لا لأن الجملة مستحيلة نحويًا، وإنما لأن التوقع الدلالي كان قد اتجه إلى مجال آخر.
ويظهر الأمر بصورة أكثر وضوحًا في الجملة: “دخل المسافر إلى…”؛ فحرف الجر “إلى” لا يقدم معنى مكتملًا، وإنما يفتح فراغًا ينتظر الامتلاء، فيتوقع المتلقي اسم مكان: “المدينة”، “البيت”، “الفندق”، وعندما نقول: “دخل المسافر إلى البحر”، فإن الجملة تظل ممكنة من الناحية النحوية، لكنها تعيد تشكيل التوقع الدلالي الذي بناه السياق.
ولا يقتصر التوقع على المعجم، وإنما يمتد إلى الزمن والصيغة والتركيب، فعندما نقول: “كان الطفل…” ينتظر المتلقي غالبًا خبرًا يكتمل به التركيب، مثل: “نائمًا” أو “يلعب”. أما في قولنا: “إن الطالب…” فإن الذهن ينتظر خبرًا يحقق اكتمال الجملة، وهكذا لا تعمل القواعد النحوية بوصفها قوانين لاحقة لتحليل الكلام فحسب، وإنما تعمل أثناء الاستماع باعتبارها أدوات للتنبؤ.
ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم “المسافة التنبؤية في الجملة العربية”، وهي المسافة بين ما يبنيه ذهن المتلقي من توقع وما تقدمه اللغة بالفعل، وكلما اتسعت هذه المسافة ازدادت المفاجأة، وقد يتحول هذا الانحراف عن المتوقع إلى أداة بلاغية وجمالية.
وهذا ما نراه في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى – وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾؛ إذ يبني السياق توقعًا معينًا، ثم يأتي الانتقال بين الصور ليعيد تشكيل أفق المتلقي، كما يظهر في قول المتنبي: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”، حيث لا يكتفي التركيب بإيصال معنى مباشر، وإنما يبني علاقة توقع بين “العزم” و”العزائم”، وبين المقدار والنتيجة.
إن دراسة التوقع تكشف أن فهم العربية ليس مجرد فك رموز الكلمات والجمل، وإنما هو عملية ذهنية متحركة: يتوقع العقل، ثم تختبر اللغة توقعه، ثم تعدّله أو تؤكده أو تفاجئه، ومن هنا تصبح الكلمة أكثر من وحدة لغوية؛ إنها حدث يقع في الزمن، ويصل إلى ذهن ينتظرها قبل أن تصل. لذلك يمكن أن يكون السؤال اللساني الأعمق ليس: “ماذا تعني هذه الكلمة؟”، وإنما: “ماذا جعلني أتوقع هذه الكلمة قبل أن تُقال؟“، وفي الإجابة عن هذا السؤال قد نكتشف جانبًا خفيًا من هندسة العربية، حيث لا تصنع اللغة المعنى فقط، وإنما تصنع أيضًا انتظار المعنى.