وأنا أراجع بعض الكلمات والتعبيرات القديمة التي ما زالت عالقة في ذاكرتي من اللهجة المحكية في مدينة إربد الأردنية، تذكرت كلمة غريبة كنت أسمعها قديمًا، ولا أعرف إن كانت تُستخدم في مناطق أخرى من الأردن أيضًا، وهي كلمة “أزقط”، بمعنى “أمسك”. أثارتني هذه الكلمة من جديد، وتساءلت: هل هي كلمة محليةخاصة بلهجة “إربد”، أم أنها مستخدمة في لهجات أردنية أخرى؟ والأهم من ذلك: ما أصلها اللغوي، وهل لها جذور في العربية الفصحى؟
قد تبدو كلمة “أزقط” للوهلة الأولى كلمة عامية لا تستحق أكثر من تسجيلها في ذاكرة المكان، لكن علم اللغة الاجتماعي ينظر إلى الكلمات المحكية بطريقة مختلفة؛ فالكلمة التي تبدو هامشية في نظر القاموس قد تكون مركزية في ذاكرة المجتمع. إنها لا تحمل معناها فقط، وإنما تحمل معها زمنًا ومكانًا وعلاقات اجتماعية وطرائق قديمة في التعبير، ومن هنا تأتي أهمية دراسة كلمة “أزقط” بعيدًا عن الحكم السريع عليها بأنها “عامية” أو “محرّفة”، فهذه الأحكام لا تكشف أصل الكلمة، وإنما تغلق باب السؤال عنها. والباحث اللغوي لا يبدأ بالسؤال: هل الكلمة فصيحة أم عامية؟ وإنما يبدأ بسؤال أكثر علمية: كيف ظهرت؟ وكيف تُنطق؟ وأين تُستخدم؟ وما المعنى الذي تؤديه؟ وهل لها نظائر أو جذور في العربية القديمة أو في اللغات واللهجات المجاورة؟
واللافت أن اللهجات العربية تحتفظ بكلمات قديمة أو بتحولات صوتية ودلالية لا تظهر في اللغة المعيارية المعاصرة، فكلمات مثل “هسع” بمعنى “الآن”، و”لسّه” بمعنى “ما زال”، و”شو” بمعنى “ماذا”، تختلف عن الاستعمال الفصيح المألوف، لكنها تؤدي وظائف لغوية مستقرة داخل مجتمعاتها، وقد تكون بعض هذه الألفاظ امتدادًا تاريخيًا، وقد يكون بعضها نتيجة تطور صوتي أو تفاعل لغوي طويل.
ومن الأمثلة الأردنية التي تكشف ثراء اللهجة أيضًا كلمات مثل “بزبط” بمعنى “يصلح أو يستقيم”، و”دَحْبَر” بمعنى “دفع أو حرّك إلى الأسفل” في بعض الاستعمالات المحلية، و”زَلَمَة” بمعنى “رجل”، وليس المقصود أن هذه الكلمات كلها تنتمي إلى أصل واحد، وإنما أن اللهجة تعمل بوصفها نظامًا لغويًا حيًا، يعيد تشكيل الألفاظ وفق حاجات المتكلمين وذاكرتهم.
أما “أزقط”، فإن أهميتها لا تكمن في معناها “أمسك” وحده، وإنما في السؤال الذي تفتحه: لماذا اختار مجتمع لغوي فعلًا معينًا للدلالة على الإمساك؟ وهل “زقط” تحول صوتي أو دلالي عن لفظ أقدم؟ وهل توجد صلات بينها وبين ألفاظ عربية أخرى؟ هذه أسئلة تحتاج إلى مقارنة مع المعاجم القديمة، وتوثيق الاستعمالات المحلية، ومقارنة اللهجات.
هنا تظهر الفكرة الأعمق: اللهجة ليست لغة ناقصة، وإنما ذاكرة لغوية حيّة،وما نعدّه اليوم “كلمة عامية” قد يكون أثرًا من تاريخ لم نكتبه بعد. لذلك فإن إنقاذ هذه الكلمات من النسيان لا يعني الدفاع عن العامية ضد الفصحى، وإنما الدفاع عن حق اللغة في أن تُدرس بكل طبقاتها: الفصيحة والمحكية، القديمة والحديثة، المكتوبة والمنطوقة.
ولعل كلمة “أزقط” لا تكون في النهاية مجرد كلمة تعني “أمسك”، وإنما مفتاحًا صغيرًا لباب واسع: باب البحث في ذاكرة اللهجة الأردنية، حيث تختبئ حكايات لغوية كثيرة لم تجد حتى الآن من يصغي إليها.