مقالات

ملحمة “جلجامش” : الخوف من الموت إلى قبول محدودية الإنسان د. قاسم محمد كوفحي – الإمارات

د. قاسم محمد كوفحي

ملحمة “جلجامش” هي واحدة من أقدم الأعمال الأدبية الكبرى التي وصلتنا من العالم القديم، وتعود جذورها إلى بلاد الرافدين، وقد دُوّنت بصيغ مختلفة بالخط المسماري، وأشهر نسخها هي النسخة البابلية القياسية. تدور حول الملك جلجامش، ملك مدينة “أوروك”، وتتناول قضايا إنسانية ما تزال حاضرة حتى اليوم: الصداقة، والسلطة، والحب، والموت، والخوف من الفناء، والبحث عن الخلود.

تبدأ الملحمة بتقديم “جلجامش” بوصفه ملكًا قويًا، عظيم الجسد والقدرة، لكنه متسلط لا يعرف حدودًا لسلطته. يشكو أهل أوروك إلى الآلهة من بطشه، فتقرر الآلهة أن تصنع له ندًا يواجهه ويعيد إليه توازنه. يظهر إنكيدو، رجل بري نشأ بين الحيوانات بعيدًا عن الحضارة. وبعد أن يدخل عالم البشر، يلتقي جلجامش، ويتصارع الاثنان صراعًا عنيفًا، لكن الصراع ينتهي بتحولهما إلى صديقين شديدي الوفاء.

يقرر “جلجامش” و”إنكيدو” البحث عن المجد، فيتوجهان إلى غابة الأرز لمواجهة حارسها المخيف خمبابا. يقتلانه ويعودان إلى :أوروك” منتصرين. بعد ذلك تقع “عشتار”، إلهة الحب والحرب، في حب “جلجامش”، لكنه يرفضها ويذكر مصائر عشاقها السابقين.. تغضب منه، وترسل “ثور السماء” لمعاقبة “أوروك”، فيواجهه “جلجامش” و”إنكيدو” ويتمكنان من قتله، لكن انتصارهما يحمل ثمنًا فادحًا. تقرر الآلهة أن يموت “إنكيدو” عقابًا على قتل “خمبابا” و”ثور السماء”. يمرض “إنكيدو” ثم يموت، وهنا تتحول الملحمة من قصة مغامرات ومجد إلى تأمل عميق في الموت. ينهار “جلجامش” أمام موت صديقه، وللمرة الأولى يدرك أنه هو نفسه لا يستطيع الهروب من المصير ذاته.

يبدأ “جلجامش” رحلة طويلة بحثًا عن الخلود. يصل إلى أوتنابشتم، الرجل الذي نجا من الطوفان العظيم، ومنحته الآلهة حياة لا تنتهي. يسأله جلجامش” عن سر الخلود، فيروي له قصة الطوفان، ثم يخبره أن الإنسان لا يستطيع أن يحتفظ بالحياة إلى الأبد، ومع ذلك، يحصل “جلجامش” على فرصة أخرى.. يُدَلّ على نبات ينمو في أعماق المياه ويعيد للإنسان شبابه.. ينجح في الحصول عليه، لكنه يقرر أن يحتفظ به ليعود إلى “أوروك” ويجربه أولًا على شيوخ المدينة، وفي أثناء عودته، يضع النبات جانبًا ويذهب ليستحم، فتأتي أفعى وتسرق النبات وتأكله، فتتجدد بشرتها بينما يفقد “جلجامش” آخر فرصة للخلود.. يعود “جلجامش” إلى “أوروك” خالي اليدين، لكنه ليس الرجل نفسه الذي غادرها. لقد اكتشف أن الخلود الجسدي ليس قدر الإنسان، وأن محاولة الهروب من الموت قد تكون أقل أهمية من الطريقة التي يعيش بها الإنسان حياته. ينظر إلى أسوار “أوروك” التي بناها، ويدرك أن ما يمكن أن يبقى بعد موت الإنسان ليس جسده، وإنما أثره وأعماله وذاكرة الآخرين له.

وهنا تكمن الفكرة الأعمق في الملحمة: “جلجامش” يبدأ حياته باحثًا عن المجد لأنه يريد أن يهزم الموت، وينهي رحلته بعد أن يفهم أن الإنسان لا يهزم الموت، وإنما يهزم النسيان بما يتركه وراءه.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الملحمة كلها باعتبارها رحلة من السلطة إلى الحكمة، ومن الغرور إلى الوعي، ومن الخوف من الموت إلى قبول محدودية الإنسان. ولذلك تبدو قصة “جلجامش”، رغم أنها تعود إلى آلاف السنين، قريبة جدًا من الإنسان المعاصر؛ فالأسئلة التي تطارد “جلجامش” ما تزال تطاردنا: ماذا يبقى منا بعد الرحيل؟ وهل يستطيع الإنسان أن يمنح حياته معنى رغم معرفته بأنها مؤقتة؟ وهل يكون الخلود الحقيقي في استمرار الجسد، أم في استمرار الأثر؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى