نعم، يمكن ذلك في اللغة العربية، وهو من الأساليب البلاغية المعروفة، خصوصاً عندما يكون الحدث المستقبلي متحقق الوقوع أو مؤكداً وقوعه، فيُعبَّر عنه بصيغة الماضي للدلالة على شدة اليقين وكأن الحدث قد وقع بالفعل.
وهذا الأسلوب لا يقتصر على الاستعمال اليومي للغة، وإنما يُعد من الأساليب العربية الفصيحة التي تكشف عن مرونة الزمن في التعبير العربي، إذ لا يكون زمن الفعل دائماً مطابقاً للزمن الذي يقع فيه الحدث في الواقع. فقد يُستخدم الفعل الماضي للدلالة على حدث مستقبلي عندما يكون وقوع هذا الحدث مؤكداً ومتحققاً في نظر المتكلم، فيُعبَّر عنه بصيغة الماضي وكأنه حدث بالفعل وانتهى. والغاية من ذلك ليست تغيير حقيقة الزمن، وإنما نقل درجة عالية من اليقين والثقة بوقوع الحدث، حتى يبدو المستقبل في صورة الحاضر المشاهد أو الماضي المنجز.
ويظهر هذا الأسلوب بوضوح في القرآن الكريم، حيث تأتي أفعال بصيغة الماضي وهي تتحدث عن أحداث مستقبلية، وذلك لتحقيق معنى اليقين والتأكيد، ولتقريب الحدث المستقبل إلى ذهن المتلقي حتى يتصوره وكأنه واقع أمامه، ومن أشهر الأمثلة على ذلك قوله تعالى: “أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ” [النحل: 1]. فالفعل “أتى” فعل ماضٍ من حيث الصيغة، غير أن المقصود بالآية أمرٌ مستقبلي بالنسبة إلى زمن نزولها، ولذلك قد يبدو لأول وهلة أن هناك تعارضاً بين صيغة الفعل وزمن الحدث، غير أن هذا التعارض ظاهري فقط؛ لأن التعبير بالماضي هنا يحمل دلالة بلاغية عميقة، وهي تحقيق وقوع الأمر وتأكيد حتميته، حتى صُوِّر في التعبير القرآني كأنه وقع بالفعل، والفرق هنا مهم بين الزمن النحوي والزمن السياقي أو الدلالي. فالفعل “أتى” من الناحية الصرفية والنحوية فعل ماضٍ، غير أن السياق هو الذي يحدد المقصود الزمني للحدث. فإذا كان السياق يتحدث عن أمر لم يقع بعد، فإن استعمال الماضي لا يعني بالضرورة أن الحدث وقع في الزمن الماضي، وإنما قد يكون الغرض البلاغي هو الإيحاء بأنه واقع لا محالة. ولهذا فإن فهم زمن الفعل في العربية لا ينبغي أن يعتمد على صيغته وحدها، وإنما ينبغي النظر كذلك إلى السياق والمعنى والمقام الذي ورد فيه الكلام.
ويُعرف هذا الاستخدام في البلاغة العربية بتعبير “التعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه”، وهو من الأساليب التي تمنح اللغة قوة في التصوير والتأكيد. فعندما يقول المتحدث مثلاً: “وصل القطار غداً”، فإن العبارة تبدو غير منسجمة في الاستعمال العادي؛ لأن “وصل” يدل في الأصل على الماضي، و”غداً” يدل على المستقبل. أما إذا كان المقصود التعبير البلاغي عن يقين وقوع الحدث، فقد تأتي صيغة الماضي في سياق خاص لتجعل الحدث المستقبل قريباً من درجة اليقين التي تجعل المتكلم يتعامل معه وكأنه قد تحقق.
ويمكن تقريب الفكرة بمثال من الحياة اليومية: تخيل أن سيارة فقدت السيطرة وبدأت تتدحرج نحو وادٍ عميق، وأدرك ركابها أن الاصطدام أصبح حتمياً.. قد يصرخ أحدهم في لحظة الذعر: “انتهينا!” أو “مِتنا!”. من الناحية الزمنية، الموت لم يقع بعد، لكن المتحدث استخدم الفعل الماضي لأن النتيجة في نظره أصبحت محسومة، وكأنه يقول: “الموت أصبح أمراً واقعاً لا مفر منه”. وهنا تتحول صيغة الماضي من مجرد إخبار عن حدث سابق إلى وسيلة للتعبير عن اليقين والحسم وقوة الشعور.
وتظهر هذه الظاهرة كذلك في بعض الأساليب العربية التي تتحدث عن أحداث القيامة والبعث والحساب، حيث تُعرض بعض الأحداث المستقبلية بصيغة الماضي، لما تحمله من معنى التحقيق والتوكيد. وهذا الاستخدام يمنح المتلقي إحساساً بأن الحدث الذي لم يقع بعد في الزمن الإنساني حاضر في علم الله وحكمه، وأن وقوعه أمر مقطوع به. ومن هنا تتجاوز الصيغة الزمنية للفعل وظيفتها النحوية المباشرة لتؤدي وظيفة بلاغية تتعلق بدرجة تحقق الحدث في ذهن المتلقي.
ومن المهم، مع ذلك، ألا نفهم القاعدة على أن كل فعل ماضٍ يمكن أن يدل على المستقبل، فالأصل أن الفعل الماضي يدل على وقوع الحدث قبل زمن التكلم، ولا ينتقل إلى معنى المستقبل إلا بوجود قرينة سياقية أو بلاغية تدل على ذلك. وهذه القرينة قد تكون طبيعة الحدث، أو السياق الذي ورد فيه الكلام، أو أداة زمنية، أو المقام الذي يتحدث فيه المتكلم. ولذلك فإن تحديد زمن الفعل في العربية يحتاج إلى قراءة الجملة كاملة، لا إلى النظر في صيغة الفعل منفردة.
وهنا تتجلى إحدى الخصائص الجميلة في العربية؛ فاللغة لا تتعامل مع الزمن باعتباره مجرد تقسيم آلي إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل، وإنما تستطيع أن تستخدم الصيغة الزمنية للتعبير عن معانٍ إضافية، مثل التحقيق والتوكيد والاستمرار والاستحضار والتقريب والتعظيم. فالماضي قد يكون ماضياً من حيث الزمن، وقد يكون مستقبلاً من حيث الحدث، إذا اقتضى المقام تصوير المستقبل في صورة أمر تحقق وقوعه.
ومن ثَم، فإن قولنا إن “الفعل الماضي قد يدل على المستقبل” لا يعني أن القاعدة النحوية تغيرت، وإنما يعني أن السياق البلاغي نقل دلالة الفعل من الزمن الأصلي إلى معنى زمني آخر لتحقيق غرض معين. وهذه نقطة مهمة في فهم العربية؛ لأن الإعراب والصرف يحددان البنية، بينما يكشف السياق والبلاغة عن المعنى الذي أراده المتكلم. ولذلك فإن القارئ المتعمق في النص العربي لا يكتفي بالسؤال: “ما زمن الفعل؟”، وإنما يسأل أيضاً: “لماذا اختيرت هذه الصيغة تحديداً؟ وما المعنى الذي أراد المتكلم أن يضيفه من خلال هذا الاختيار؟”.