تذكرت، وأنا أقرأ مقالًا حديثًا يتناول تطور لغة الأطفال في اللغة الإنجليزية، لحظة صغيرة من حياة ابنتي الصغرى – الله يرضى عليها – كانت تحمل في بساطتها سرًا من أسرار تشكل اللغة في ذهن الإنسان. كان عمرها آنذاك لا يتجاوز السنتين، ذلك العمر الذي لا تزال فيه الأشياء تبحث عن أسمائها، وحيث لا تكون الكلمات مجرد أصوات نكررها، وإنما جسورًا نبنيها بين ما نشعر به وما نحاول فهمه.
طلبت منها ذات يوم أن تُحضر هاتفي المتنقل “الموبايل” من غرفة نومي. فهمت طلبي من دون تردد، وانطلقت نحو الغرفة بخطواتها الصغيرة. كان الوقت وقت الغروب، تلك اللحظة التي يتغير فيها شكل الأشياء، حين يبدأ الضوء بالانسحاب ببطء تاركًا خلفه ظلالًا تتسع في الزوايا.
بعد لحظات عادت إليّ وهي تحمل الهاتف، لكنها لم تعد بالكلمة التي توقعتها، وإنما جاءت تحمل اكتشافًا لغويًا خاصًا بها، وهي تقول: “بابا ليله، بابا ليله”. فهمت ما أرادت قوله؛ كانت تخبرني أن الغرفة أصبحت مظلمة وأنها شعرت بشيء من الخوف عند دخولها إليها، غير أن ما بقي في ذهني من تلك اللحظة لم يكن خوف الطفلة من العتمة، وإنما الكلمة التي صنعتها لتصف تجربتها. لقد أضافت إلى قاموسها الصغير كلمة جديدة: “ليله”. لم تكن تعرف كلمة “عتمة”، ولم تكن تملك بعد المفردة التي تعبّر عن غياب الضوء، فبحث عقلها الصغير عن أقرب صورة تختزن هذا المعنى، فوجد الليل؛ ذلك العالم الذي يرتبط في وعيها بالظلام والسكون، وصاغت منه كلمتها الخاصة.
كانت الطفلة، من حيث لا تدري، تمارس فعلًا لغويًا عميقًا؛ لم تكن تحفظ اللغة فقط، وإنما كانت تعيد خلقها. لقد بنت علاقة بين الإحساس والصورة، وبين التجربة والكلمة، وكأن اللغة في بداياتها ليست قاموسًا جاهزًا نضعه في أذهان الأطفال، وإنما رحلة اكتشاف يشارك الطفل في رسم طرقها الأولى.
تلك الكلمة الصغيرة “ليله” كشفت لي أن الطفل لا يأتي إلى العالم منتظرًا أن تُمنح له اللغة مكتملة، وإنما يدخل في حوار خفي معها؛ يختبرها، ويغيرها، ويبتكر مساحاته الخاصة داخلها. وربما كان كل شاعر في داخله طفل قديم ما زال يبحث عن كلمة جديدة للأشياء التي لم يجد لها اسمًا بعد.