مقالات

وقفات مع المتنبي (31)    د. أحمد الزبيدي         –         الإمارات

فلسفة السخرية في شعر أبي الطيب 

د. أحمد الزبيدي

 

 

( الميدان السياسي – 2)

صالت وجالت السخريةُ في شعر أبي الطيب المتنبي في ميادين كثيرة؛ لتلقي أخيرًا عصا التسيار في ميدان الساسةِ والسياسة، وقد أبدع أبو الطيب في ذلك بما يمتلكه من نفاذ حس، وحدة خاطر، وقوة ملاحظة، واطلاع عن كثب على أحوال الرعاة والرعية؛ فقد عاش في بلاط سيف الدولة الحمداني ردحًا من الزمن، وجاور كافور مدة كافية لقي فيها البلاء والمحن، ولبث عند عضد الدولة البويهي زمنًا، وصاحب عددًا من الأمراء مثل حاكم عسقلان البدر بن عمار وغيره .

كل ذلك أتاح للمتنبي أن يصف ويصور ثم يسلخ على حكام عصره صورًا مضحكة، وأوصافًا ساخرة، فهم في نظره قطيع من الأرانب تتصف بالجبن والهلع والفزع والخوف!

أرانبُ غير أنهمُ ملوكٌ

مفتحةٌ عيونهُمُ نِيامُ

بأجسامٍ يحر الْقَتْل فِيهَا

وَمَا أقرانها إِلَّا الطَّعَام

وخيلٍ مَا يخر لَهَا طعينٌ

كَأَن قِنَا فوارسها ثمام

قال ابن جني: “المعهود في هذا أن يقال: هم ملوك إلا أنهم في صور الأرانب فتزايد وعكس الكلام مبالغة، فقال أرانب غير أنهم ملوك، فجعل الأرانب حقيقة لهم، والملوك مستعارًا فيهم، وهذه عادة له يفارق بها أكثر الشعراء”.

“والثمام: نبتٌ ضعيف ورقه مثل خوص النخل. يقول: إنهم لضعفهم إذا طعنوا فارسًا، لا يسقط عن ظهر فرسه، فكأن رماحهم من شجر الثمام. شبهها به لضعفه وكون ورقة على شكل أسنة الرماح، فهو إشارة إلى ضعفهم وقلة شجاعتهم”.

قال الأستاذ البرقوقي شارح ديوان المتنبي:”يرى المتنبي أن الملوك والممالك الإسلامية -في عصر المتنبي- قد انغمست في اللهو، وتهالكت على اللذات، مما حال بينها وبين تحقيق أي فخر أو مجد عسكري أو سياسي، ويدفعه التناقض الشديد بين موقفهم وموقف سيف الدولة الحمداني الأمير العربي والفارس المغوار، الذي لا يقف شيء حائلًا بينه وبين تحقيق المجد السياسي والعسكري ،والذي انفرد بالتصدي لغزوات الروم والجهاد في سبيل الله والمحافظة على الحدود الشمالية للدولة الإسلامية وتحقيق العديد من الانتصارات الفائقة على الروم وغيرهم من الخارجين.

ومن صورهم في انغماسهم في اللذات وشرب المُدام، واشتغالهم بسماع اللهو، وأصوات الأوتار والأنغام، قوله:

أَلْهَى المَمَالِكَ عَنْ فَخْرٍ قَفَلْتَ لِهِ

شُرْبُ المُدَامَةِ والأَوْتارُ والنَّغَمُ

الممالك: أي أهل الممالك، فحذف المضاف.

وفرق المتنبي بين صنفين من الملوك، هذا الصنف الذي تقدم، وصنفٌ لم تشغله الكؤوس، بل شغله قرع التروس، والاشتغال بالحرب الضروس، قال:

 ما الّذي عنده تدار المنايا

كالّذي عنده تدار الشَّمول

وتشتد سخرية المتنبي من حكام عصره لِما اتصفوا به من صفات الخنوع والذل، التي أثرت في شعوبهم، حتى صار المتنبي يرى في وجودهم خطرًا شديدًا على الأمة، مثل خطر الأوثان والأصنام بل أشد، ثم يراجع نفسه فيجد أنهم ليسوا أهلًا للوم والتعنيف والتبكيت، لأن التوبيخ يُصلح من كان به عقل ، وله مروءة، وهؤلاء قد تجرّدوا منها! قال:

ولا أعاشر من أملاكهم أحداً

إلا أحق بضرب الرأس من وثن

يقول: ما عاشرت ملكًا منهم إلا وجدته لا خير عنده ، فكأنه وثن، فهو أحق بضرب الرأس من الوثن. ثم يقول:

إني لأعذرهم مما أعنِّفهم

حتى أعنِّف نفسي فيهم وأني

يقول: إني لا أزال ألومهم على ما فيهم من اللوم، فلما وجدتهم جهلة لا يفهمون صرت أعنف نفسي في لومهم.

وأراد: الملوك الذين تقدم ذكرهم سابقاً.

فقر الجَهول بلا قلبٍ إلى أدب

فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن

يقول: إنهم جهال، مفتقرون إلى الأدب، وليس لهم عقول، فافتقارهم إلى الأدب بلا قلب وعقل، كافتقار الحمار من غير رأس إلى رسن يقاد به.

وكان المتنبي قد ندم على وصفهم بالأوثان والأصنام فرجع عن قوله واعتذر بقوله:

مَا زِلتُ أُضحِكُ إبلي كُلَّما نَظَرَتْ

إلى مَن اختَضَبتْ أَخفَافُها بِدَمِ

يقول: قصدت ملوكًا وأدميت أخفاف إبلي بسيري إليهم، فلما وصلت إليهم وجدتهم لا خير فيهم، فكنت أُضحِك إبلي من حالي معهم! تعجبًا وهزوا

أَسِيرُهَا بينَ أَصنَامٍ أُشَاهِدُها

وَلاَ أُشَاهِدُ مِنها عِفَّةَ الصَّنَمِ

يقول: كنت أسير إبلي بين قوم كأنهم أصنام لا خير فيهم، ولكن ليس فيهم ما في الصنم من العفة.

حَتَّى رَجَعتُ وَأَقلامِي قَوائِلُ لِي:

 المَجدُ لِلسَّيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ

يقول: ما زلت أتوسل إليهم بالقلم والفضل والعلم، فلما لم أظفر بخير قالت لي الأقلام: اطلب الشرف بالسيف لا بالقلم.

وبعد تجربة المتنبي مع الحكام ، فقد تغير حكمه فيهم فهم عبيد لا يصلحون للحكم، وهم بالخدمة أولى:

 أحق عافٍ بدمعك الهمم

أحدث شيء عهداً بها القدم

العافي: الدارس. والهمم: مبتدأ. وأحق: خبره.

يقول: إن أحق دارس بالبكاء عليه، همم الناس الدارسة، فهي أولى بالبكاء لدروسها، من الأطلال الدارسة. وقوله: أحدث شيء عهداً بها القدم: أي أنها قد تقادمت، فأحدث شيء بها القدم: أي صار أقربها عهداً قديماً. والمعنى: أن الهمم أحق طالب بأن يبكى عليه. فكأنه يقول: أعرض عن البكاء على الأطلال، وابك على الهمم. وقوله هذا يذكرنا بقول أبي نواس:

صفة الطلول بلاغة القدم

 فاجعل صفاتك لابنة الكرم

ثم ينتهي المتنبي إلى نتيجة في غاية الحكمة حيث يقول:

وإنما الناس بالملوك وما

تفلح عربٌ ملوكها عجم

يقول: إنما عز الناس، وهممهم بالملوك، فما تفلح العرب إذا كانت ملوكها عجم؛ لأنهم لا همم لهم، وهم إذا رضوا بذلك فقد دنوا، فلا يرجى لهم فلاح.

ثم يعلل ذلك بقوله:

لا أدبٌ عندهم ولا حسبٌ

 ولا عهودٌ لهم ولا ذمم

بكل أرضٍ وطئتها أممٌ

ترعى بعبدٍ كأنها غنم

وإذا كان المتنبي يسخر من ملوك عصره بشكل عام فإنه يختار من بينهم حاكم مصر “كافور” ، ويصب عليه جام غضبه وسخريته، ويتفنن في إيذائه بأقذع السباب وشتى انواع السخرية والاستهزاء، فيجعل منه مادة ثرية لسخريته والاستهزاء به، وقد تكلمنا في مقال مستقل عن القصائد التي ظاهرها مدح “كافور”، فإن باطنها الذم والسخرية والهجاء، وقد أفردنا لهذا الغرض مقالًا خاصًا.

لا يفهم مما مر معنا ان كل الملوك كانوا في نظر المتنبي سواء، فمهم من مدحه وجعل السخرية على أعدائه، تمامًا كما فعل مع الأمير العربي الشجاع، قاهر الروم سيف الدين الحمداني، فقد صور أعداءه بأحقر الصور، لا سيما في هزائمهم أمام سيف الدولة ، فهم أمامه متقهقرون، منهزمون، يتملكهم الخوف والفزع، وأشدهم خوفا وفزعا هو قائدهم “الدمستق” فهو يظفر بنصيب الأسد من سخرية المتنبي، انظر إليه وهو يصفه قائلًا:

أتى مرعشاً يستقربُ البعد مقبلاً

وأدبر إذ أقبلت يستبعدُ القربا

“مرعش”: مدينة لسيف الدولة .

يقول: أتى “الدمستق” مدينة “مرعش” وهو مسرور، لطمعه فيها، فكأن الأرض تطوى له، والبعيد يقرب عليه، فلما قصده “سيف الدولة” ولى مدبرًا، وهو شديد الغم، وطال عليه الطريق فصار قريبه بعيدًا.

وتزداد سخرية المتنبي به حين يراه يفرُّ وهو لا يلوي على شيء تاركًا وراءه أرضه، ومقدساته.

 مضى بعد ما التفّ الرّماحان ساعةً

كما يتلقّى الهدب في الرّقدة الهدبا

أراد بالرماحين: رماح العسكرين، فثنى الجمع، كأنه قال: رماح هؤلاء ورماح أولئك. والهدب: شعر الجفن، شبه التفاف الرماح واشتباكها، عند الطعن باشتباك الأجفان عند النوم.

يقول: ثبت لك على اللقان ساعة، فلما اشتبكت رماح العسكرين، ولى منهزماً، وكأن اشتباك الرماح كالتقاء الهدبين إذا نام الإنسان.

على أن هزيمة الدمستق أمام سيف الدولة قد تكررت كثيرا، وهذا فيه عبرة لمن يعتبر غير أن الدمستق لم يتعلم من ذلك. قال المتنبي:

 أفي كلّ يوم ذا الدّمستق مقدِمٌ

قفاه على الإقدام للوجه لائم

يقول: الدمستق كل يوم مقبل، فيقدم على لقائك ثم ينهزم أمامك، فيلوم قفاه وجهه فيقول: إلى كم تعرضني للجراحة ولا تكتفي بما تقدم من الانهزام؟!

أينكر ريح اللّيث حتّى يذوقه

وقد عرفت ريح اللّيوث البهائم؟

  يقول: إن الدمستق لا يزال يتعرض لك حتى تقتله أو تأسره، ولو كان له عقل لكفاه ما رأى من شجاعتك وهزمك إياه، والبهائم أعقل منه، لأنها تعرف ريح الليث من بعيد فتتباعد عنه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى