مقالات

“فلسفة اللون في الخطاب الرياضي” د. قاسم محمد كوفحي – الإمارات

د. قاسم محمد كوفحي

أثناء مشاهدتي لمباراة المنتخب السعودي أمام المنتخب الإسباني في كأس العالم 2026، لفت انتباهي أن لاعبي المنتخب السعودي كانوا يرتدون القميص الأبيض، بدلًا من القميص الأخضر، الذي يُعد اللون الرسمي والتقليدي للمنتخب، وعلى الرغم من ذلك، كان معلق المباراة يواصل الإشارة إلى المنتخب السعودي باسم “الأخضر”، ويكشف هذا الأمر عن أن الألوان في الخطاب الرياضي لا تُستخدم دائمًا بوصفها وصفًا حرفيًا للزي الحالي، بل بوصفها رمزًا دالًا على الهوية الرياضية والتاريخية للفريق، بحيث يبقى لقب “الأخضر” ملازمًا للمنتخب السعودي حتى عندما يرتدي ألوانًا أخرى.

هذه الملاحظة البسيطة في ظاهرها تفتح بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة اللغة وعلاقتها بالواقع، فاللغة لا تعمل دائمًا بوصفها مرآة تعكس الأشياء كما هي في لحظة النطق، بل كثيرًا ما تتحول إلى نظام رمزي مستقل ينتج معانيه الخاصة ويتجاوز الحضور المادي المباشر للأشياء، ولو كانت اللغة مجرد انعكاس حرفي للواقع، لكان من المتوقع أن يصف المعلق المنتخب السعودي بـ”الأبيض” في تلك المباراة، غير أن ذلك لم يحدث، لأن كلمة “الأخضر” لم تعد تشير إلى لون القميص، بل إلى كيان رمزي تشكل عبر الزمن وأصبح جزءًا من الوعي الجمعي الرياضي.

هنا ننتقل من مستوى “الدلالة الوصفية” إلى مستوى “الدلالة الرمزية”، فالوصفية تقوم على مطابقة اللفظ للواقع المباشر، أما الرمزية فتقوم على العلاقة الثقافية والتاريخية التي تنشأ بين اللفظ والشيء، وفي فقه اللغة يمكن القول إن كلمة “الأخضر”مرت بعملية تحول دلالي جعلتها تنفصل تدريجيًا عن معناها المعجمي الأصلي بوصفها اسمًا للون، لتصبح علمًا رمزيًا على المنتخب السعودي.

إن هذه الظاهرة ليست حكرًا على الرياضة، بل هي سمة أساسية في تطور اللغة الإنسانية، فكثير من الكلمات تبدأ بوصفها أوصافًا عادية ثم تتحول إلى رموز ثقافية، فعندما نقول “البيت الأبيض” لا نقصد مجرد بناء أبيض اللون، وإنما نشير إلى مؤسسة سياسية كاملة، وعندما نقول “التاج البريطاني” فإننا لا نقصد التاج المعدني ذاته، بل المؤسسة الملكية البريطانية، وكذلك الأمر عندما يقال “الأخضر” في الخطاب الرياضي العربي، إذ لم يعد اللفظ يحيل إلى اللون بقدر ما يحيل إلى هوية وطنية ورياضية مستقرة.

كذلك، تكشف هذه الظاهرة عن التمييز بين “المرجع” و”المعنى”، فالمرجع هو الشيء الخارجي الذي تشير إليه الكلمة، أما المعنى فهو المحتوى الذهني والثقافي المرتبط بها، ففي هذه الحالة لم يعد مرجع كلمة “الأخضر” هو لون القميص الموجود أمام أعين المشاهدين، بل أصبح المرجع هو المنتخب السعودي نفسه، أما المعنى الثقافي للكلمة فيتضمن تاريخ المنتخب، وجماهيره، وإنجازاته، وصورته الراسخة في الذاكرة الرياضية العربية.

لقد أدرك الفيلسوف الألماني “فريغه” أن العلاقة بين الألفاظ والأشياء ليست علاقة مباشرة دائمًا، بل تمر عبر ما أسماه “المعنى” أو “المدلول الذهني”، فحين يسمع المشجع كلمة “الأخضر” لا يستحضر لونًا مجردًا، وإنما يستحضر شبكة كاملة من التصورات والانفعالات والذكريات المرتبطة بالمنتخب السعودي، وهذا يدل على أن اللغة لا تنقل الأشياء فحسب، بل تنقل أيضًا التاريخ والعاطفة والهوية.

ومن زاوية سيميائية، أي من زاوية علم العلامات، فإن اللون الأخضر هنا تحول من علامة طبيعية إلى علامة ثقافية، فاللون بوصفه ظاهرة بصرية ينتمي إلى الطبيعة، أما حين يصبح رمزًا لفريق أو دولة أو جماعة فإنه ينتقل إلى عالم الثقافة، وبمجرد حدوث هذا الانتقال، يصبح المعنى مستقلاً نسبيًا عن المظهر الحسي المباشر، ولذلك لا يختفي “الأخضر” حتى عندما يغيب اللون الأخضر نفسه عن القميص.

إن الإنسان في جوهره كائن رمزي، كما وصفه الفيلسوف إرنست كاسيرر، فهو لا يعيش في عالم الأشياء وحدها، بل في عالم الرموز أيضًا، والرياضة الحديثة من أكثر المجالات التي تُظهر هذه الحقيقة بوضوح. فالأعلام، والألوان، والشعارات، والأناشيد، والألقاب، كلها تتحول إلى أنظمة رمزية تتجاوز ماديتها الأصلية، وعندما يقول المعلق “الأخضر”، فإنه لا يصف لونًا بقدر ما يستدعي رمزًا جماعيًا استقر في الوعي الثقافي العربي.

ومن المثير للاهتمام أن هذا الاستخدام يكشف أيضًا عن انتصار الذاكرة على الحاضر، فالحاضر البصري يقول إن القميص أبيض، لكن الذاكرة الجماعية تقول إن هذا الفريق هو “الأخضر”، وهنا تنتصر الذاكرة اللغوية على الإدراك الحسي المباشر، فالإنسان لا يرى الأشياء بعينيه فقط، بل يراها أيضًا من خلال اللغة التي تعلمها والثقافة التي ينتمي إليها.

ومن منظور فلسفي أعمق، يمكن القول إن هذه الظاهرة تكشف أن الهوية ليست مجموعة صفات مادية ثابتة، بل بناء رمزي يستمر رغم تغير المظاهر الخارجية. فالمنتخب السعودي يبقى هو نفسه سواء ارتدى الأخضر أو الأبيض أو أي لون آخر، لأن هويته لا تكمن في القميص وحده، بل في التاريخ والرمزية والانتماء الجماعي، واللغة تعكس هذا الفهم عندما تواصل استخدام لقب “الأخضر” رغم تغير اللون الفعلي للزي.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص اللغة البشرية، وهي قدرتها على اختزال الواقع المعقد في رموز موجزة. فكلمة واحدة مثل “الأخضر” تختزن تاريخًا رياضيًا طويلًا، وتمثل ملايين المشجعين، وتحمل شحنة وجدانية وثقافية لا يمكن اختزالها في مجرد لون من ألوان الطيف المرئي، ولهذا السبب لا يشعر المتلقي بأي تناقض عندما يسمع كلمة “الأخضر” بينما يرى القميص الأبيض؛ لأن وعيه اللغوي قد تجاوز منذ زمن طويل المستوى الحرفي للكلمة.

إن الخطاب الرياضي، شأنه شأن الخطاب السياسي والثقافي، يعتمد على هذه القدرة الرمزية للغة، فهو لا يتحدث عن الألوان والأقمصة والأجساد فحسب، بل عن الهويات والانتماءات والذاكرة الجماعية، ومن هنا تصبح المباراة الرياضية ساحةً تتجلى فيها الوظيفة الرمزية للغة بأوضح صورها.

وفي النهاية، فإن استمرار المعلق في تسمية المنتخب السعودي بـ”الأخضر” رغم ارتدائه القميص الأبيض ليس خطأً لغويًا ولا تناقضًا منطقيًا، بل هو دليل على الطبيعة العميقة للغة الإنسانية، فاللغة لا تكتفي بوصف العالم كما يبدو، بل تعيد تشكيله وفق منظومات من الرموز والمعاني الثقافية، وهكذا يتحول اللون إلى هوية، والوصف إلى رمز، والحضور البصري العابر إلى معنى تاريخي مستقر في الذاكرة الجمعية، ومن هذه الزاوية، لا يعود “الأخضر” مجرد لون، بل يصبح نصًا ثقافيًا كاملًا تختزن فيه الأمة جانبًا من ذاكرتها الرياضية وهويتها الرمزية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى